موريتانيا ودواعي العدالة الانتقالية
د . محمدو بن محمد موريتانيا ودواعي العدالة الانتقالية نستعير في هذا المقال مفهوما بات يعرف دوليا بالعدالة الانتقالية، ويعني هذا المفهوم تلك الاجراءات والتدابير القانونية والسياسية التي يتخذها مجتمع من المجتمعات في سبيل المصالحة مع ماض متسم بالعنف والقمع والجور وملطخ بالانتهاكات والخروقات الجسيمة لحقوق الانسان في هذا المجتمع أو ذاك، وقد جاء هذا المفهوم الدولي رغبة في تعزيز قيم العدالة والسلام والمصالحة بين أبناء البلد الواحد. واذا كانت شروط ودواعي الحديث عن مفهوم العدالة الانتقالية في موريتانيا لم تتحقق بعد علي نحو واضح وجلي، كما حدث مع نماذج أخري في جنوب افريقيا وتشيلي ومؤخرا في المغرب من خلال لجنة الانصاف والمصالحة الحالية، الا أن ذلك يجب أن لا يحول دون البحث عن ملامح دالة تدعو الي التفاؤل بامكانية اقتراب دخول موريتانيا بشكل أو آخر في المفهوم العام للعدالة الانتقالية، وخصوصا في ظل ما شهدته وتشهده منذ الاطاحة بنظام العقيد ولد الطايع في الثالث من اب (أغسطس) 2005 من تحولات سياسية وقضائية تتخذ من العدالة والديمقراطية شعارا لها . بل ان تمثل المجلس العسكري ـ الذي أطاح بنظام العقيد ولد الطايع والذي يحكم البلاد منذ ذلك التاريخ ـ بشعاري العدالة والديمقراطية ينبئ عن شعور كامن لدي أعضاء هذا المجلس بأن شرعيتهم الانتقالية منقوصة وتحتاج لتعزيزها الي اعمال هذين الشعارين، مع ما يعنيه ذلك من ضرورة انتهاج كافة السبل الممهدة لدخول البلاد في مرحلة جادة من الاصلاح المؤسسي والسياسي والقضائي، أي في مرحلة من الاصلاح الشامل تمكّّّن لاحقا من الدخول وبوضوح فيما يمكن تسميته بمرحلة العدالة الانتقالية في موريتانيا، بما هي خلق اجماع عام بين مختلف أطياف وفئات المجتمع الموريتاني بضرورة تحقيق مصالحة مجتمعية تطوي صفحات مظلمة من الماضي القريب والبعيد انتهكت فيها حقوق الانسان الموريتاني، تطويها بعد أن تستوفي كل الترتيبات اللازمة لذلك بما فيها ارساء دعائم المساءلة القضائية لكل المتورطين في تلك الانتهاكات، كما تضع حدا لكافة صور العنف والقمع والظلم والغبن والفساد التي طالت، ليس فقط البعـــض من أفراد أو فئات هذا المجتمع وانما الغالبية العظمي منه، بحـــيث عاني منها الكل طيلة عقدين ونيف وعلي نحو ممنهج ومتــــواتر وبإيعاز أو تواطؤ في بعض الأحيان من أعلي هرم في سلطة الحكم الماضي.ان مصالحة وطنية علي هذا الأساس هي الضمان الأكيد لنجاح عملية الانتقال الديمقراطي الجارية في البلاد، غير أن حصول هذه المصالحة قد لا يكون ممكنا أو متأتيا في ظل المرحلة الانتقالية الحالية التي يفتقر أصحاب الحكم فيها الي شرعية التمثيل الحقيقي للمجتمع، انها تحتاج أي هذه المصالحة الي مؤسسات شرعية تمثل المجتمع تمثيلا حقيقيا، مؤسسات ليست مجرد أداة في يد حاكم مستبد أو نظام متسلط، كما كان عليه حال المؤسسات السابقة. ولعل هذا ما يفسر احجام المجلس العسكري للعدالة والديمقراطية حتي اللحظة عن الدخول في متاهات هذه المصالحة وما تفرضه من فتح لملفات عديدة شائكة، يأتي علي رأسها ملف المبعدين من الاخوة الزنوج، بوصفه بلا شك واحدا من الملفات الشائكة التي تنتظر حلا قد يكون الفائز في الاستحقاقات القادمة هو الأقدر عليه، وملف التعذيب والقمع والاعتقال التعسفي الذي طال العدد الأكبر من معارضي النظام السابق بمن فيهم القابعون الي الآن من التيار الاسلامي في السجون بعد أن دوّل هذا النظام ملفاتهم لينال بذلك شرف الشراكة في حرب أمريكا علي الارهاب معتبرا اياهم ارهابيين محتملين أو خلايا نائمة أو أو.. وما أكثر الأوصاف، مما جعل المجلس العسكري يضطر للتحفظ عليهم رضوخا لضغوط خارجية أو خوفا من أخري.كما أن من هذه الملفات بالطبع ملف الفساد المالي والاداري الذي أحجم المجلس العسكري كذلك عن فتحه أو علي الأقل عن فتح نسخته الداخلية، وهي بلا شك نسخة معقدة وفيها الكثير والكثير مما يقال، هذا اذا استثنينا فتحه للملف اليتيم وهو ملف الفساد في الصفقات النفطية الذي تذرع المجلس بأن فتحه يعود الي وجود طرف أجنبي فيه هو الشركة الأسترالية وودسايد ، بعد أن نجحت هذه الأخيرة في اغواء واحد من أبناء البلد هو وزير النفط السابق، فتورط معها في الملاحق سيئة السمعة التي ستخسر بموجبها بلادنا رغم التسوية التي جرت لقضية هذا الملف مئات ملايين الدولارات، وكأني بلسان حال المجلس في شأن فتح ملفات الفساد الأخري ذات الطابع الداخلي الصرف يقول ألف ألف صحة وعافية لكل من يأكل مالنا العام من أبنائنا المهم أن لا يتورط مع طرف أجنبي، والا فما الفرق بين الفساد الداخلي الصرف والفساد المختلط؟صحيح أن هذا الاحجام العام من المجلس العسكري للعدالة والديمقراطية عن الدخول في تعقيدات مرحلة العدالة الانتقالية وما تفرضه من مكاشفات ومصالحات وطنية، قد يبدو مبررا في جانب منه، وخصوصا اذا ما نظرنا الي الوضع الانتقالي للمجلس، حيث يتطلب هذا الوضع عدم الدخول في معارك جانبية في الوقت الذي يسعي فيه الي التهيئة العامة لنقل السلطة الي مستحقيها بشكل سلمي وديمقراطي وشفاف وغير مسبوق في تاريخ البلاد، فهذه المهمة النبيلة تستدعي اذن من المجلس أن يوفر كامل جهده لتحقيقها علي الوجه الأكمل والمطلوب، بل لعله بذلك يخدم وان بشكل غير مباشر كل هذه الملفات، قد يكون هذا كله صحيحا الا أن اصرار المجلس علي أن فتح ملفات الفساد الداخلي قد يكون مهددا للسلم المجتمعي ومن ثم يتعين عدم فتحها بالمرة لا في الحال ولا في المستقبل، فيه شبهة ظاهرة اذ لا يستساغ أن تفتح ملفات الفساد فتحا جزئيا، لأن ذلك يشوب شعار العدالة بالعرج ويجعل من الانتقائية وتصفية الحسابات الخاصة منهجا مشروعا في الحكم، كما أنه يعوق علي المديين القريب والبعيد عملية الاصلاح السياسي والاقتصادي، بل والاجتماعي كذلك.وهذا ما يجعلني أعتقد أن فتح هذه الملفات ينبغي أن يمثل أولوية لكل من سيتسلم زمام الحكم بعد رئاسيات آذار (مارس) 2007، حتي أنني أزعم أن العزم علي فتح هذه الملفات من أي حزب سياسي سيضيف الي برنامجه الانتخابي في الاستحقاقات القادمة مادة دعائية جاذبة لعديد الأصوات. وطبعا لا أخال كل الأحزاب قادرة علي رفع مثل هكذا شعار، فبعض رموزها لا شك أنهم متورطون بشكل أو بآخر في هذه الملفات، مما يحمل علي الاعتقاد بأن وصول مثل هذه الأحزاب الي الحكم القادم ربما يشكل عائقا كبيرا في وجه الولوج الي مرحلة العدالة الانتقالية التي يحتاجها مجتمعنا وبأسرع ما يمكن، حتي يتحقق له العدل والسلم والمصالحة بعد أن عصفت بإخوته وسلمه وعدله يد مستبدة وحكم جائر. ہ باحث وأستاذ جامعي من موريتانيا8