لندن – “القدس العربي” :ما كان شيخ المدربين اليكس فيرغسون ليشتكي تطاول لاعب عليه، ولم يكن للاعب مهما كانت شهرته وقدرته وبراعته أن يجرؤ على الخروج على طاعة السير اليكس الذي قال عبارته الشهيرة: “يوم يصبح اللاعب أكبر من النادي وجب التخلي عنه”، وهي العبارة التي استدل بها جوزيه مورينيو في ظهوره الأخير على قنوات “بي إن سبورتس” الرياضية، وتناقلتها وسائل الإعلام العالمية.
الطريف ان مورينيو استدل بالعبارة وفاته أن يطبقها خلال فترة إشرافه على تدريب مانشستر يونايتد والتي انتهت بطريقة قد تكون بداية النهاية لمسيرة مدرب حقق ما لم يحققه غيره من حيث الإنجازات في البطولات المختلفة. مورينيو استدل بالعبارة، ولكنه فاته أن يطبقها على لاعبين كان واضحا تطاولهم عليه وعلى سلطته وأولهم بوغبا. في الواقع مسيرة مورينيو سواء في البطولة الإسبانية أو الإنكليزية أثبتت فشله من هذه الزاوية، أقصد أن تكون له اليد العليا والكلمة الأخيرة عندما تكون المواجهة بينه وبين لاعب أو لاعبين. فخلال عودته الثانية الى تشلسي وجد أن الدنيا تغيرت ولم يتغير معها، ولم يعرف كيف يسيطر على اللاعبين وفضل المواجهة غير المدروسة التي أسفرت على تكتل بعض اللاعبين ضده وكانت لهم في الأخير الغلبة. وعند انتقاله الى ريال مدريد واجه مورينيو نفس المعضلة، ولم تسر الأمور كما كان يشتهي وكان الصراع بينه وبين بعض اللاعبين واضحا، وكانوا يبيتون في الخفاء الى أن أجبروا النادي على إنهاء مهامه. مورينيو قال في تصريحاته الأخيرة ان المدرب يجب أن يحميه النادي عندما يشعر اللاعبون بسلطة عليه، لكن اليكس فيرغسون طوال فترة عمله في مانشستر يونايتد، أي خلال ست وعشرين سنة مرت عليه أجيال من اللاعبين، وتطورت كرة القدم بتضاعف صفقات اللاعبين، ولم يشعر يوما أنه بحاجة الى النادي لحمايته بل كان يسير النادي بيد من حديد، وكان يقول إذا شعر اللاعب بأنه أكبر من النادي آخذه بنفسي الى المطار. الأسطورة الأسكتلندي تعامل خلال فترته الطويلة مع لاعبين ذوي شخصيات قوية من ياب ستام وروي كين وديفيد بيكهام، والثلاثة على شهرتهم وقوتهم لم يتردد فيرغسون في إبعادهم عن النادي بدون رحمة، ولم تشفع لهم عنده شهرتهم ولا نفوذهم كلاعبين كبار. روي كين كان أسطورة حقيقية في يونايتد، وقاد النادي لإنجازات تاريخية وسيطر الفريق تحت قيادته على الدوري الممتاز وكان أساسيا في تحقيق ثلاثية 1999، لكنه يوم خرج عن النص لم يتردد مدربه لحظة في بيعه بطريقة فيها كثير من الإذلال ليعطي لبقية اللاعبين درسا. وبيكهام الذي كان في قمة نجوميته يدر على النادي أرباحا طائلة لشهرته الهوليوودية التي تهافتت عليها شركات الدعاية، يوم رأى فيرغسون أنه أصبح ذا تأثير سلبي على الفريق، باعه الى ريال مدريد بدون تردد. فيرغسون استطاع خلال “حكمه”، وأقول “حكمه”، لأن يونايتد في عهده كان بمثابة الإمبراطورية التي تصدرت أندية العالم ماليا والأندية الإنكليزية ماديا وألقابا، أن يفرض سيطرة تامة على الفريق، وحتى بوغبا الذي يبدو انه كان وراء إقالة مورينيو لم يتردد فيرغسون في بيعه الى يوفنتوس عندما بدأ يشوش على مخططه، وبوغبا الحالي لم يحقق شيئا يذكر مقارنة مع روي كين وديفيد بيكهام. فيرغسون يحسب له “تربية” رونالدو كرويا وشخصيا ليبلغ أعلى المستويات بإعتراف النجم البرتغالي، لأن فيرغسون يعرف الموازنة بين الترغيب والترهيب، وخلال خمس سنوات في يونايتد لم يسبب رونالدو مشاكل تذكر، وحتى عندما قرر المغادرة الى ريال مدريد في موسمه الرابع، أقنعه فيرغسون بالبقاء سنة إضافية، فبقي النجم الكبير سمعا وطاعة للمدرب والمربي.
السير اليكس كان أقوى المدربين شخصية وحضورا، لحظة خروجه من غرفة تغيير الملابس لإجراء المقابلات التلفزيونية يسود المكان صمت وهدوء رغم حركة خروج اللاعبين وعائلاتهم وأصدقائهم وعشرات الصحفيين المحليين والأجانب. يا ويح من تجرأ بسؤال لم يرق لهذا المدرب سواء فاز فريقه أو انهزم. هذا الأسكتلندي الذي صقلت شخصيته مرافئ وموانئ أسكتلندا، فنشأ حاملا في طيات شخصيته قسوة شتاء منطقة صناعية اشتهرت بصناعة السفن وكانت ورشة لأجيال من الأسكتلنديين يبدأون حياتهم فيها، وغالبيتهم ينتهون بها ولا غرابة ان المدرب الأسكتلندي كان دائما يفرض نفسه جنوبا في الدوري الإنكليزي أكثر من زميله الإنكليزي، وأذكر على سبيل المثال كيني دالغليش وغرايام سونيس وديفيد مويز وغيرهم. قبل عشر سنوات كان المدربون الأسكتلنديون نصف عدد المدربين في الدوري الممتاز وليس غريبا أن يتراجع عددهم بشكل كبير منذ تقاعد فيرغسون .مورينيو لم يمض أكثر من ثلاث سنوات في أي ناد أشرف على تدريبه، ما يفسر فشله في امتحان الإستمرارية الذي نجح فيه فيرغسون بامتياز. مورينيو فشل في مواجهته مع بوغبا وبعض نجوم اليونايتد، وربما هنا ضعفه، لم يكن بحاجة الى المواجهة المكشوفة أمام وسائل الإعلام ولم يكن بحاجة لإنتقاد لاعبيه في المؤتمرات الصحفية والأسوأ أن يسميهم بالإسم كما حدث مع الظهير الإنكليزي لوك شو. الصحافة عملة ذات وجهين، تطبل للمدرب عندما يفضح لاعبيه أمام عدساتهم وتنتقده بعدها لأنه أقدم على ما لا يجب فعله. عندما جاء مورينيو لأول مرة الى الدوري الممتاز كان فعلا “المدرب المميز” عن غيره، كان ذكيا، له قدرة كبيرة على الفكاهة والمداعبة ووقعت في حبه الصحافة الإنكليزية، وكان رجلها المدلل بدون منازع، لأنه غير صورة المدرب التقليدي الذي عرفته إنكلترا، المدرب الجاد، الصارم، العسكري أحيانا مثل فيرغسون. أذكر مرات عدة في مؤتمراته الصحفية التي حضرتها كيف كان الصحفيون يتعاملون معه وكأنه نجم سينمائي قدم للتو من هوليوود للترويج لآخر أفلامه الكبيرة. كنا نستمتع بكل جملة يقولها وكأنه يقرأ من سيناريو حضره مسبقا، فيه الكثير من التشبيه والمجاز، يدخل المؤتمر الصحفي ببشاشة و يتركه والجميع على وجوههم ابتسامة. لم يكن مورينيو يقع في زلة ولا يخطو خطوة غير محسوبة ولم تبث عليه الصحافة نقطة سلبية تكشفها عندما يحين الوقت وتعاقبه بموجبها كما فعلت مع الكثيرن قبله، حتى السير اليكس وقع ضحية لتغطية من شبكة “بي بي سي” عندما اتهمت نجله باستغلال اسم الوالد لكسب المال من صفقات بعض اللاعبين، فكان عقابه لأعرق وأشهر هيئة إعلامية في العالم بأن رفض حضورهم أي مؤتمر صحفي كان يعقده، ولم يقبل إجراء حديث مع مراسلي الشبكة بعد المباريات، الى أن تعتذر الشبكة ولكن حرية الصحافة كانت لها الكلمة الأخيرة ولم يصدر إعتذار، وبعد سنوات ومع تقدمه في السن وقبل سنوات من تقاعده رفع الحظر عن الهيئة المبجلة.
مورينيو عاش فترة شهر عسل دامت ثلاث سنوات في تشلسي، جاء بعدها الطلاق وأعاد الطرفان تجديد ميثاق الزواج الذي لم يستمر لأنه رغم نجاحه أينما حل، وتحقيقه الألقاب الكثيرة، لم يتقن فن السيطرة على قاعة تغيير الملابس. ظهوره الإعلامي الأخير هو أول خطوة في طريق عودته الى الساحة وتحسين الصورة، لكنني أخشى ألا يصلح العطار ما أفسده الدهر، وقد تكون عثرات مورينيو المتكررة وعدم استقراره في أي ناد أكثر من سنتين أو ثلاث وخروجه من الباب الضيق بكيس من ملايين الدولارات تغطية لعقده ما يحول دون عودته الى كبار الأندية، كما يزعم وكما يعتقد أنه ما يزال مدربا كبيرا يستحق العمل في أندية كبيرة. من المستبعد جدا عودته الى الدوري الممتاز، وقد يعود الى ريال مدريد، وأتوقع أن يكون خطأ تكتيكيا كبيرا من فلورنتينو بيريز رئيس النادي لأن النادي الملكي شرب من كأس مورينيو المر وانتهى الزواج بطلاق مكلف سببه أيضا اصطدام مباشر مع نجوم الفريق. قد تكون وجهته إيطاليا التي نجح فيها نجاحا باهرا مع الانتر لمدة ثلاث سنوات، لكن أي ناد غير يوفنتوس مستعد لدفع راتب خيالي وشيك مفتوح للتعاقد مع اللاعبين؟ كبرياؤه وإعتداده بنفسه سيحول دون عمله خارج أوروبا حتى وإن كانت العروض جدا مغرية.