عندما شرع الجيش التركي في عملية “نبع السلام” ودخل الأراضي السورية، بدأ المحللون الدوليون الجدل حول موقف روسيا ودورها في هذا الوضع الجديد، وما هي الفوائد أو المخاطر التي سيجنيها الكرملين. وبعد أن وافق الأكراد في نهاية الأسبوع الماضي مع حكومة الأسد في اجتماع في قاعدة حميم الروسية باشر جيش بشار الأسد بالتقدم نحو الجيش التركي، كانت هناك مناقشات حول ما إذا كان هذا سيؤدي إلى مواجهة مسلحة مباشرة بين الجيش التركي وحلفاء الأسد، الجيش الروسي.
ويقول الخبراء إن العملية التركية تعزز موقف روسيا. ونقلت مجلة “نيوزويك” عن مصدر في البنتاغون قوله: “إن الكرملين على ما يبدو يحقق فوزًا دبلوماسيًا في سوريا”. وراقبت روسيا عملية “نبع السلام” وضرب الجيش التركي للتشكيلات الكردية عن كثب، من دون أن تتدخل، واكتفت فقط بعرض وساطتها، وتأكيد تفهمها لمخاوف تركيا الأمنية، وفي الوقت عينه، تحفظها على ممارسة القوة المفرطة خلالها، وإبداء القلق من ان تطال المدنيين، والتسبب في كارثة إنسانية إضافية في الأرض السورية، تخلق المخيمات الجديدة إلى جانب الهول والركبان وغيرها، وتدفع إلى موجة هجرة جديدة.
وقالت الخارجية الروسية في بيان لها في وقت سابق إن العملية يجب أن تكون محدودة النطاق والوقت. وقال تعليق لوزارة الخارجية نُشر يوم الجمعة الماضي، إن موسكو تشعر بقلق بالغ إزاء الوضع في شمال سوريا. وكما قالت الوزارة فإن روسيا لا تشكك في “الحاجة الموضوعية لمحاربة الإرهابيين وضمان أمن تركيا، كما في الواقع، جميع دول المنطقة من هجماتهم”. في الوقت نفسه، فإن الدبلوماسيين الروس مقتنعون بأنه “لا يمكن تحقيق السلام والاستقرار في هذا الجزء من الأراضي السورية ذات السيادة إلا من خلال حوار فعال ومحترم للطرفين بين الحكومة والأكراد، وهم جزء لا يتجزأ من المجتمع السوري”. وأكدت موسكو استعدادها لتعزيز مثل هذا الحوار بالإضافة إلى خطوات لتطبيع العلاقات بين دول المنطقة. وقالت وزارة الخارجية إنها تعتبر “من المهم منع مزيد من زعزعة استقرار الوضع في الشمال الشرقي واستبعاد معاناة السكان المدنيين”. وفي هذا الصدد، دعت روسيا “جميع الأطراف إلى ممارسة أقصى درجات ضبط النفس والتحقق بعناية من الخطوات المتخذة، مع الاحترام التام لسيادة سوريا ووحدتها وسلامتها الإقليمية”.
سيناريوهات
وتستبعد روسيا سيناريوهات أي مواجهة بينها وبين الجيش التركي، وتعمل على تجنب المواجهة بين الجيشين التركي وجيش النظام، ولا يُستبعد ان هناك اتفاقا مسبقا بين موسكو وأنقرة على هذا الصعيد، لاسيما وان الاتصالات بين القيادات العسكرية الروسية والتركية تجري على مدار الساعة. وقال المتحدث باسم الرئيس الروسي ديمتري بيسكوف، ردا على سؤال حول احتمال اشتباك عسكري مع تركيا “نحن لا نريد حتى التفكير في مثل هذا الخيار”. وأشار بيسكوف إلى أنه لمنع مثل هذا الصدام، فإن قيادات جيش البلدين تحافظ على تواصل مستمر.
ولا يستبعد بعض المحللين أن يكون موقف موسكو المحايد من عملية “نبع السلام” ينبع من اتفاقات أكبر مع أنقرة بشأن تخفيف تركيا موقفها الرافض لقيام الجيش السوري بدعم من روسيا تفعيل عملية إخراج المقاتلين المرابطين في مدينة إدلب وما حولها، فضلا عن التفاهم في قضية إقامة منطقة آمنة على الحدود السورية / التركية لمنع اتصالات الأكراد بحزب العمال الكردستاني. وينحصر هدف موسكو في ان تكون جميع أراضي سوريا تحت سيطرة نظام بشار الأسد، ولكنها غير مستعدة للدخول في مواجهات عسكرية مع أي طرف من أجل حمايته، فهدفها المعلن هو تطهير سوريا من القوى الإرهابية، والتشكيلات غير النظامية، وتفعيل العملية السياسية. وتراهن موسكو أيضا على ان موقف الحياد سيعود عليها بجملة من المنافع ويجعلها حَكَما هاما في لعبة الشطرنج الكبرى في شمال شرق سوريا، ويتجلى هذا الموقف أكثر من خلال تصريحات المسؤولين الروس. وتقول صحيفة “نيزافيسيمايا غازيتا”: أن الشرق الأوسط مضطر الآن للتفاعل مع الحكومة السورية. هذه هي الإشارة الرئيسية التي تحاول موسكو إرسالها على خلفية العملية التركية نبع السلام”. مشيرة إلى قول وزير الخارجية الروسي لافروف عن إن أنقرة نفسها يجب أن تتفاعل عمليا مع الجيش السوري، كما فعل الأكراد بالفعل.
وفي 12 تشرين الأول/اكتوبر، صرح الرئيس بوتين نفسه للصحافيين بأنه “يجب تحرير أراضي سوريا من الوجود العسكري الأجنبي، ويجب استعادة السلامة الإقليمية للجمهورية العربية السورية بالكامل” وأجرى الثلاثاء الماضي، مكالمة هاتفية مع نظيره التركي اردوغان حول الوضع في سوريا ودعاه لزيارة روسيا في الأيام المقبلة. وقال الكرملين إن بوتين واردوغان أكدا من جديد التزامهما بضمان السلامة الإقليمية لسوريا. وقال الكرملين في بيان “تم قبول الدعوة”. كما ذكر التقرير أن قادة البلدين ناقشا ضرورة تجنب النزاعات المحتملة بين الجيشين التركي والسوري. وقال ديمتري بيسكوف، المتحدث باسم الزعيم الروسي: “قد تتم الزيارة قبل نهاية شهر تشرين الأول/أكتوبر”.
وكان أقسى انتقاد روسي منذ بدء العملية العسكرية التركية الأسبوع الماضي هو تصريح المبعوث الخاص لبوتين إلى سوريا، ألكساندر لافرنتييف، الذي أوضح أن موسكو تريد من أنقرة أن تكمل هجومها في المستقبل القريب. وفي محادثة مع الصحافيين في أبو ظبي خلال زيارة بوتين الرسمية لدولة الإمارات العربية المتحدة، قال لافرنتييف: “إن روسيا لا تتفق مع الجانب التركي في جميع القضايا المتعلقة بوجودهم في سوريا، ولا توافق على هذا الإجراء”. وقال إنه وفقًا للاتفاقية بين سوريا وتركيا المبرمة في عام 1998 ما يسمى بـ “معاهدة عدن” يحق للقوات التركية الدخول مؤقتًا إلى الأراضي السورية على عمق لا يزيد عن 10 كيلومترات لعمليات مكافحة الإرهاب. لكن هذا الاتفاق لا يمنح الجيش التركي الحق في الإقامة في دولة مجاورة. وقال الدبلوماسي: “نحن نعارض حقيقة أن القوات التركية موجودة باستمرار على الأراضي السورية”. وتقوم الشرطة العسكرية الروسية بدوريات على خط الاتصال بين قوات الحكومة السورية والتركية.
ويقول المحلل السياسي فيدور لوكيانوف، رئيس تحرير مجلة “روسيا في الشؤون العالمية” ان موقف روسيا الحالي من عملية “نبع السلام” “مفيد وخطير في نفس الوقت مثل كل ما يحدث في سوريا. والمفيد إن روسيا تؤكد موقفها باعتبارها اللاعب غير الإقليمي الأكثر نفوذاً”.
ويرى لوكيانوف بأنه سيتعين على روسيا وسوريا في إطار الاصطفاف الجديد، تقديم تنازلات لتركيا، حيث ستحتل في رأيه تركيا جزءًا من الأراضي السورية. لكن بعد ذلك، قد تخضع بقية “كردستان السورية” لسيطرة دمشق بطريقة أو بأخرى. وأضاف “لا أعرف أي نوع من الاتفاقات قد تمت مسبقا بين روسيا وتركيا، ولكن بالتأكيد هناك تفاهمات ما، وفقًا لرد الفعل الروسي المحدود للغاية على هذه العملية برمتها، مما يتيح بالطبع المجال لتركيا الحق في ضمان أمنها، على ما أعتقد ستطلب روسيا من تركيا أن تكون أكثر مرونة في قضية إدلب. لأن هناك تشكيلات مسلحة مرتبطة بتركيا، وهناك حاجة إلى القيام بشيء ما معها، من قبل تركيا” مرجحا أن تركيا ستغض الطرف عن تفعيل الجيش السوري لتحركه في إدلب بدعم من روسيا.