توفيق رباحي
بدأ موسم الزوابع في الفناجين بالجزائر. كان في العادة يأتي صيفا، لكنه تأخر هذه المرة الي حلول الشتاء.
رئيس الدولة يمرمد وزير دولة (وزير فوق العادة) في خطاب سياسي علني، لكن بدل ان يستقيل الوزير، يجلس متابعا الخطاب ومصفقا مثله مثل مئات الحاضرين في المهرجان الخطابي. وبدل ان يقيل الرئيس وزيرا ينتقده بمثل تلك الحدة، مضت الحياة بعد انتهاء الخطاب كأن شيئا لم يكن.
سبب هذه النار الموسمية التي تعوّدت عليها الجزائر ولم تعد تنتظر من ورائها الشيء الكثير، ان وزير الدولة، ابو جرة سلطاني، وهو في نفس الوقت رئيس حركة مجتمع السلم (اخوان مسلمون) ادّعي ادعاءات اكبر منه زاعما ان بحوزته ملفات عن فساد ومفسدين داخل السلطة يتحصنون بالقانون.
لم يكتشف سلطاني البارود. فالفساد في الجزائر مستشر بشكل واضح وملموس جهارا نهارا. وهو حديث العام والخاص. من يقرأ الصحف الجزائرية هذه الايام يتخيّل البلاد ورشة كبري بسماء مفتوحة علي الفساد والنهب والسطو علي الممتلكات العامة. يوميا هناك كلام عن سرقات واختلاسات ورشاوي طالت كل شيء وكل مكان، من اصغر بلدية نائية الي وزارة الدفاع وسونطراك (العصب المالي للبلاد)، مرورا بوزارة الشؤون الدينية ولجنة الحج، اذا صدّقنا ما يرد بالصحف.
مشكلة الوزير الذي يجلس علي كرسيي الحكم والمعارضة في نفس الوقت، بينما لا هو في الحكم حقا ولا في المعارضة بشجاعة، انه اراد خوض حملة انتخابية قبل اوانها. بدأها بشيء قال انه حملة اسمها فساد قف بهدف التقليل من الفساد، وعندما لاحظ انها لم تجلب له الاضواء الكافية، صعّد قليلا بثرثرة عن قوائم الوزراء والمسؤولين الفاسدين. وهنا تعرّض لضغوط كي يتراجع عن ادعاءاته ففعل دون تردد مثلما يفعل حزبه كلما دعت الضرورة.
لكن سلطاني لم يقل ما كان يستوجب غضب الرئيس وهياجه بتلك الطريقة، لولا ان اسهم الزعيم الاسلامي نازلة لاسباب لا يعرفها الرأي العام. فقبله تحدث مسؤولون عن الفساد والرشوة، علي رأسهم الرئيس بوتفليقة شخصيا الذي عاد للسياسة بخطاب شهير قبل سبع سنوات قال فيه ان اقتصاد البلاد يتحكم فيه 15 شخصا تلميحا الي جنرالات بالجيش. بل في سياق اخر، كانت ادعاءات سلطاني ستجلب له الاعجاب والثناء. غير انه في هذه المرة كفر في التوقيت الخطأ بينما نسعي لاخراج البلاد من عزلتها، علي حد قول بوتفليقة.
وحتي لو قال (سلطاني) ما يفيد، ما كان احد سيأخذه علي محمل الجد لاكثر من سبب. هناك اولا السوابق السياسية لحزبه، حركة مجتمع السلم، فهي لم تكن يوما نموذجا لمكافحة الفساد او الديمقراطية او المعارضة الجادة. ايضا، لو تعمقت التحقيقات واصبحت جادة، يعرف سلطاني انها ربما ستودي به، واكيد بقياديين في حزبه تترد اسماؤهم في قضايا فساد. كما ان سلطاني يعرف ان موضوع الفساد لا يؤخذ بجد في الجزائر لان الآليات القضائية والسياسية والادارية المتاحة لا تسمح بمتابعة او مساءلة الا من دارت عليهم الايام واراد اقوياء النظام التضحية بهم. واللجان التي تنشئ هنا وهناك اثر خبر او تقرير محرج، تهدف الي امتصاص الغضب وايهام الناس بان عين الدولة ساهرة. وللجزائريين تجارب مع عشرات اللجان والهيئات جعلتهم يتهكمون بالقول ان السلطة، عندما تريد تعويم مشكلة، انشأ لها لجنة. الحديث عن الفساد في الجزائر موسمي. كأنما يأتي لملء فراغ سياسي وإلهاء الناس والاعلام عن النقاش السياسي الجاد والمحاسبة الحقيقية. منذ عهد الرئيس الراحل بوضياف، وقبله، لا يمر عام او موسم سياسي لا يستمتع فيه الجزائريون بكلام رنان طنّان ووعود عن محاربة الفساد. لكن ولا مرة سارت الحملة المزعومة الي نهايتها او عرف الجزائريون مآلها. كانت هناك تصفية حسابات اسفرت عن الزج بالجنرال مصطفي بن الوصيف امين عام وزارة الدفاع في ربيع 1992، ضمن حركة غامضة يصر هو علي انها انتقام وتصفية حساب من خصومه (زملاؤه الضباط) في وزارة الدفاع. وكانت هناك حملة طالت مدراء شركات حكومية اشرف عليها رئيس الوزراء السابق احمد أويحيي ليغطي فشله السياسي وفي ادارة وتسيير البلاد. من طرائف الحملة التي اسماها اويحيي الايدي النظيفة ان بعض الذين سجنهم اُعيد لهم الاعتبار وعُينوا في مناصب رسمية بعد الافراج عنهم لاحقا، بينهم مدير اكبر شركة المعادن، مسعود شتيح). واخيرا كانت هناك حملة موسمية اخري راح ضحيتها والي وهران، عاصمة الغرب الجزائري، بشير فريك، الذي صعد نجمه بسرعة غريبة واُلقي به في السجن في ظروف اغرب.
ما سبق يجعل المرء يقتنع ان لا سلطاني جاد في مزاعمه، ولا بوتفليقة كان يجب ان يغضب بذلك الشكل، واننا جميعا مفتونون بزوبعة في فنجان. لكن الخوف الان ان نوبة غضب بوتفليقة قد تصيب السياسيين والصحافيين الجزائريين بذعر يجعلهم يمتنعون عن الحديث عن الفساد حتي عندما تتوفر الادلة والملفات. بيد ان الرئيس لم يتحرج من وجود الفساد، بل من كون الحديث عنه سيضر بسمعة البلاد وهو (الرئيس) يبذل قصاري جهوده لتبييض تلك السمعة. من نافلة القول ان هذا الاعتقاد غير دقيق، لان المؤسسات الدولية والشركات والحكومات المهتمة لها سبل رصد مدي انتشار الفساد بالجزائر وغيرها ولا تحتاج الي ثرثرة رجل اسمه ابو جرة سلطاني متعود هو وحزبه علي الاخفاقات.
من نافلة القول ايضا ان ادوات محاربة الفساد ليست حملات موسمية او نوبات غضب تنتاب رئيس دولة من علي منبر ما. الفساد يتقلص تلقائيا عندما تتوفر مؤسسات حكم منفصلة ومستقلة ومجتمع مدني فاعل وصحافة مستقلة وفاعلة. والحال ان القاصي والداني يعرفان ان الحكومة الجزائرية عاجزة، والبرلمان غرفة تسجيل عقيمة، والقضاء ما زال يبحث عن استقلاليته، والمجتمع المدني غير موجود والصحافة احوج ما تكون الي حرفية والي امكانات تحقيق وتحر. 9