محمد كريشان بإعلان الباجي قائد السبسي رئيس الحكومة التونسية المؤقتة العشرين من هذا الشهر موعدا لبدء محاكمة الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي وزوجته، تكون تونس قد دخلت مرحلة ذات دلالة رمزية عالية. البلاد التي تحاول جاهدة بناء شرعية جديدة بعد ثورة 14 كانون الثاني/ يناير- وتأسيس جمهورية ثانية بعد انتخاب مجلس تأسيسي في 23 تشرين الأول/ أكتوبر المقبل تبدو اليوم في أمس الحاجة إلى هذه المحاكمة حتى يبدأ مسار المحاسبة وإرساء العدالة للقطع مع الماضي والتطلع إلى المستقبل. سيكون صيف تونس حارا هذا العام مع محاكمة ستنظر بين قضاء مدني وآخر عسكري في أكثر من تسعين تهمة تتراوح بين أكثرها جسامة وهو قتل المدنيين الأبرياء في مظاهرات سلمية غاضبة وصولا إلى أكثرها وضاعة تلك المتمثلة بالاتجار في المخدرات، وبينهما قائمة طويلة من كل أصناف الانتهاكات السياسية والمالية الجسيمة. هذا الصيف سيذكر كثيرين بصيف عام 1992 الذي قضاه عشرات الإسلاميين في محاكمة صورية ألقت بظلالها الثقيلة على كل السنوات التي تلتها وأدخلت البلاد نهائيا في مرحلة من القمع والزيف السياسي استمرت لعشرين عاما. وعلى عكس تلك المحاكمة وكل محاكمات عهد بن علي التي شملت كل الأطياف السياسية، والتي خضع القضاة فيها للأوامر ومختلف أنواع الضغوطات وضاعت فيها حقوق الدفاع وضرب عرض الحائط بكل القوانين والإجراءات المرعية وتعرض فيها المتهمون للتعذيب حتى مات بعضهم من جرائه، ستكون تونس هذه المرة قادرة على توفير محاكمة عادلة وفق المعايير الدولية بما سيجعل الجميع يقف على المدى المخيف الذي وصل إليه الفساد السياسي والمالي في ظل نظام قام من أعلى رأسه حتى أخمص قدميه على الكذب والتدجيل ومحاولة إسكات كل الأصوات المعارضة أو حتى المختلفة، معتمدا في ذلك على جوقة كاملة من الأقلام الصحافية باعت ضميرها للشيطان واستمرأت تأجير صفحات الجرائد التي منحت لهم تراخيصها بغير وجه حق لشتم وتشويه كل من لا يرضى عنه الرئيس وبطانته أو الحزب الحاكم والأجهزة الأمنية المتنفذة. ولهذا كان من الصدف المعبرة أن تسبق محاكمة بن علي أحكام قضائية لم يعرفها التونسيون من قبل طالت أحد أبرز رموز هذه الجوقة الذي لم تعرف له كتابات سوى تحبير مطولات من الشتائم البذيئة والقصص الدنيئة الكاذبة والمفبركة بالكامل لتشويه وجوه بارزة من السياسيين ونشطاء حقوق الانسان والصحافيين المستقلين ووصفهم بالخيانة والعمالة. أول أمس أصدرت المحكمة الابتدائية بتونس العاصمة حكما غير مسبوق بالسجن النافذ لمدة أربعة أشهر وغرامة مالية بعشرة آلاف دينار (زهاء السبعة آلاف دولار) في الدعوى التي رفعتها شخصيا ضد مدير جريدة لم يشتهر بشيء سوى كونه سوط بن علي وأجهزته المشهر في وجه الجميع. لقد حان أوان المحاسبة وإرساء العدالة، ولا بد لهؤلاء الذين صالوا وجالوا لسنوات طويلة تمتعوا خلالها بحصانة مطلقة وأثروا بالإعلانات الحكومية التي قوت شوكتهم ليستمروا في مهامهم أن يواجهوا ساعة الحقيقة. وللإنصاف فإن هذا الرجل لم يكن وحده، كانت هناك منظومة كاملة من الإعلاميين ربطوا مصيرهم بنظام بن علي وأجهزته الأمنية وارتضوا لأنفسهم أن يكونوا مجرد أدوات تستعمل عند الحاجة. آن الأوان لهؤلاء، وأغلبهم للمفارقة صار بقدرة قادر مدافعا عن الثورة والديمقراطية والحريات، ليس فقط أن يقدموا اعتذاراتهم أو أن يذرفوا الدموع ولكن أيضا أن يكشفوا للرأي العام، بنقد ذاتي صادق وصريح، من كان يأمرهم بشن هذه الحملات القذرة ومن كان يزودهم بالمقالات الجاهزة إن أرادوا لنا أن نصدق روايتهم بأنهم كانوا مغلوبين على أمرهم. عندها… وعندها فقط يمكن أن يجري بحث الموضوع خارج المحاكم وأحكام السجن لأن لا معنى لبداية جديدة في تونس إذا لم تكن هذه نقطة انطلاقها الصلبة.