يعاني من شح التمويل ويحتاج لأوكسجين صناعي:
القاهرة ـ ‘القدس العربي’ – من كمال القاضي: للمرة الثانية على التوالي يفطن مهرجان القاهرة السينمائي إلى أهمية الوحدة العربية وضرورة تعزيز هذا الاتجاه السياسي بالتضامن الافريقي، حيث الحديث المنفرد عما يسمى بالعولمة الثقافية يفضي حتما الى ضياع الهوية ويفقد الفنون خصوصيتها ويقلل من تأثيرها، خاصة السينما التي تمثل وسيطا مباشرا بين المحيط العربي والمحيطات الدولية، وتعد ركيزة أساسية لتلاشي الحواجز النفسية بين الشعوب وخلق روح الانتماء واللحمة وتعضيد أواصر الإخاء والصداقة في كثير من الأحيان، فما تفعله السينما يصلح ما تفسده السياسة، ولعل من مقومات ذلك ما يشمله برنامج الأفلام والندوات لمهرجان القاهرة هذا العام، الذي يبدأ في الفترة من 30 تشرين الثاني/نوفمبر ويستمر حتى 12 كانون الاول/ديسمبر القادمين، ويتضمن رؤية بانورامية جديدة تطرح القضايا العربية وقضايا القرن الافريقي وتستعيض بها عما كان يسمى في السابق بقضايا الشرق الأوسط، ويحمل تعميما مخلا بالمعنى وينفي الخصوصيات العربية والافريقية خارج الحسابات الفنية والثقافية والسياسية والاجتماعية، وبالتالي يبدو البارز على الخريطة فقط هو المصطلح الجديد الذي تنطوي تحته إسرائيل وتجني بفضله مكاسب عديدة، أقلها أن تظل تحت الأضواء ويتم التعامل مع نشاطاتها المختلفة كأمر واقعن بيد أن المغاير هذا العام واللافت ايجابيا هو اختيار محاور تربط بين امتياز مصر السينمائي وصلاتها بالدول الشقيقة، بل وامتدادها الاستراتيجي داخل القارة الافريقية السمراء، والمتمثل في السعي الدؤوب لفتح اسواق تجارية للفيلم المصري هناك، وكذلك السماح بتوزيع الفيلم الافريقي بالسوق المصرية حتى وإن كان ما ينتج هو مجرد تنويع على القضايا الافريقية برؤوس أموال حرة تخضع لقانون الشراكة بين مؤسسات افريقية وأخرى أجنبية، ويحسب لإدارة المهرجان في هذا الخصوص التنسيق مع شركات عالمية كبرى مثل ‘CNC’ لدعم الفكرة وتقديم العديد من الصور الأرشيفية والتراثية المطلوبة لنجاح المشروعن والمؤكدة لعمق العلاقات الثلاثية بين مصر والعرب وافريقيا، من ناحية أخرى يستحدث المهرجان في دورته الرابعة والثلاثين لعام 2010 برنامجا آخر لعرض الأفلام العالمية التي ناقشت الواقع المصري، او أشارت إليه أو حتى نوهت بسمات وخصائص الشخصية المصرية، والأمثلة على ذلك كثيرة، من بينها ما أخذ عن أدب نجيب محفوظ وأنتج سينمائيا مثل الفيلم المكسيكي ‘زقاق المدق’ والفيلم الشهير ‘المريض الإنكليزي’ والفيلم الأمريكي ‘روبي كايرو’، بالإضافة الى خمسة عشر فيلما آخر، ويتخذ مهرجان القاهرة السينمائي الدولي لدورته شعارا يضع له عنوانا سياحيا، ‘مصر في عيون العالم’ ليكون دالا على المكانة السينمائية والثقافية للبلد الذي تقام على أرضه الفعاليات السنوية، التي تحج إليها الأفواج والشركات والفضائيات والنجمات والنجوم من كل فج عميق، وهو مؤشر يوحي بتحول الحدث السينمائي الكبير الى أداة جذب دعائية تستخدم لترويج النشاط السياحي الخارجي والداخلي، وربما يرتبط هذا العرض بتكريم بعض النجوم من اصحاب الشعبية والجماهيرية الكاسحة، وأبرزهم ليلى علوي، تفاحة السينما المصرية والعربية، كما أطلق عليها منذ قيامها ببطولة فيلم رأفت الميهي ‘تفاحة’، وحصولها على جائزة أحسن ممثلة منتصف التسعينيات، وتعد ليلى واحدة من أكثر بنات جيلها تميزا وعطاء، فرصيدها من الأفلام يربو على 70 فيلما، تنافسها في التكريم الفنانة صفية العمري، وهي من جيل سابق عرفت بأدائها الأرستقراطي ويبلغ عدد أفلامها 60 فيلما، أما مدير التصوير د. رمسيس مرزوق فهو ثالث المكرمين والملقب بساحر الضوء والحاصل على 45 جائزة وميدالية وشهادة تقدير، وسبق تكريمه نحو اثنتي عشرة مرة طوال مسيرته الفنية الحافلة، ومن مزايا الدورة 34 للمهرجان السينمائي السابع على مستوى العالم الاحتفاء باسمين كبيرين، هما الفنانة أمينة رزق والفنان محمود المليجي فقد قررت اللجنة العليا إهداء الدورة إليهما وفاء وعرفانا وتقديرا لإسهاماتهما واحتفالا بمرور مائة عام على ميلادهما، وتجدر الإشارة هنا إلى حجم الدعم المالي الذي تقدمه وزارة الثقافة للمهرجان والذي يقدر بـ100 ألف جنيه تعطى للفائز الأول بجائزة السيناريو من بين 28 سيناريو، يشارك بها 28 مبدعا من مختلف دول العالم العربي، والحقيقة أن هذا التبرع من وزارة الثقافة لا يعدو كونه إسهاما متواضعا يأتي ذرا للرماد في العيون، حيث تكلفة الضيافة لواحد فقط من نجوم المهرجان تتجاوز هذا الحد في ليلة أو ليلتين بأحد الفنادق الكبرى، اللهم الا إذا كان هناك دعم آخر في الخفاء ولا يعلن عنه، عملا بمبدأ السرية عند تقديم الصدقات، حيث لا تدري اليد اليسرى ما أعطته اليد اليمنى، وفي هذه الحال لا يسعنا إلا أن نرفع القبعة لأصحاب المعالي بوزارة التثقيف والتصفيق فالشكر كل الشكر للوزير الفنان والتحية كذلك موفورة لرئيس المهرجان الشرفي عمر الشريف والفعلي عزت أبو عوف، حيث الكلمة كلمتهم، ولا معقب على قراراتهما، ونود أن نؤكد طالما أننا في معرض الحديث عن أموال الزكاة التي تقدمها الوزارة المعنية لماراثون الأفلام العربية فان مائة ألف جنيه مصري أخرى تمنح مناصفة بين المخرج والمنتج لأفضل فيلم عربي، ولكن هذا السخاء ايضا لا يستطيع أن يفي بحاجة مهرجان كبير، مثل مهرجان القاهرة يعاني من أنيميا ‘البنكنوت’ ومهدد بتصلب في شرايين التطوير والتحديث والإبداع ويفتقر لكثير من مقومات الحياة الطبيعية والاستمرار في المنافسة، أزمات المهرجان بدأت منذ رحيل سعد الدين وهبة وتوالت الى ان جاء أبو عوف الى كرسي الرئاسة، ورغم المناشدات والاستجداءات لا تزال هناك مشكلات كثيرة تواجهه أصغرها الفوضى التي تصاحب عادة حفلي الافتتاح والختام وأكبرها عدم وجود أفلام جاهزة تمثل مصر في المسابقة الرسمية ورحلة البحث الشاقة عن فيلم مناسب والعثور عليه في الوقت الضائع قبل ساعات من بدء الفعاليات الرسمية، تلك هي الأمراض المزمنة التي لم يبرأ منها المهرجان، وإن كان فتح الباب أمام أفلام الديجتال سيغير الكثير من ملامح الصورة المشوهة وينعش الرئة السينمائية بالأوكسجين الصناعي.