لا يتحقق التأليف الموسوعي بناء على رغبة ذاتية أو جماعية، ولكن عن ضرورة حضارية. إن التحولات الحضارية الكبرى التي يبرز فيها إبدال جديد، ووسيط جديد، وآفاق انتظار جديدة هي التي تدفع في اتجاه خلق موسوعة جديدة. وليس المقصود بذلك سوى تقديم معرفة جديدة، وتوحيد المفاهيم والمصطلحات، أي تقديم فكرة جديدة بلغة واحدة. وجوابا عن سؤال: لماذا لا نؤلف موسوعة من قبيل بريطانيكا وأونيفيرساليس؟ نرى أننا نحن العرب، متفرقون في كل شيء، ولا يجمعنا إبدال واحد، ولا لغة واحدة. ومتى أمكننا التفكير في توحيد «الإبدال» الثقافي الذي يمكن أن يجمعنا، آنذاك ستبرز علامات ضرورة حضارية جديدة، تدفع في اتجاه خلق الموسوعات في مختلف المعارف والعلوم للمقاصد نفسها.
عرف العرب في تاريخهم الطويل تصنيف الموسوعات في مختلف ضروب المعرفة، للأسباب المبينة أعلاه، من خلال حقبتين. فمع بروز إبدال معرفي جديد (القرآن الكريم)، وهيمنة الكتابة كوسيط، وأفق تأسيس حضارة إنسانية جديدة، جاءت ضرورة «التدوين». وليس التدوين، باعتباره مرحلة أولى في تصنيف الموسوعات، سوى استجماع لما تفرق في الذاكرة الجماعية الشفاهية. إنها الخطوة الأولى لبداية تشكل الموسوعات، من خلال توفير المادة في مختلف جوانب الحياة الإبداعية والعملية. وخلال القرنين الثالث والرابع الهجريين، كانت الموسوعات قد تشكلت وتطورت، من حيث طريقة التجميع والتصنيف والتصميم. فهل يكفي ذكر مصنفات المبرد والجاحظ وابن قتيبة وكتاب «الأغاني» لأبي الفرج الأصفهاني و«العقد الفريد»، ناهيك عن الموسوعات التاريخية مثل أخبار الرسل والملوك (الطبري) واللغوية (الخليل) والدينية (علوم القرآن وكتب الصحاح)؟
إن التفكير الموسوعي العربي الإسلامي مارسه أفراد اضطلعوا بهذه المهمة وعيا منهم بضرورة هذا النوع من التصنيف وأهميته التاريخية.
ثم جاءت الحقبة الثانية، بدءا من القرنين السابع والثامن الهجريين، وأسميها مرحلة «التخزين» التي بدأت مع بداية تدهور الدولة الإسلامية وتراجعها الحضاري، فكان استشعار ضرورة ما تفرق من إنتاجات من خلال تأليف الموسوعات في مختلف العلوم والمعارف، بهدف حفظ التراث وتخزينه. ويكفي أن نذكر: «لسان العرب» لابن منظور (711هـ) و«القاموس المحيط» للفيروزابادي (817 هـ) و«نهاية الأرب في فنون العرب» للنويري ( 733هـ)، و«تاج العروس» للزبيدي و«صبح الأعشى» للقلقشندي.. لتأكيد ذلك.
إن التفكير الموسوعي العربي الإسلامي مارسه أفراد اضطلعوا بهذه المهمة وعيا منهم بضرورة هذا النوع من التصنيف وأهميته التاريخية. لقد تمثل هؤلاء الأفراد مجهودات جماعية سابقة، وعملوا من خلال الانطلاق من تلك الأعمال على تجميع ما تفرق، وانتقاء ما كان مؤسسا، وتنضيده بطريقة مبنية على التصميم والتنسيق. طبعت أغلب الموسوعات العربية التي برزت في الحقبتين معا، وأغلبها متوفر في الفضاء الشبكي. لكن المشكل يكمن في مدى استفادتنا منها، وفي دراستها للوقوف على أهم منجزاتها في تشكيل لغة عربية موحدة التصورات والمفاهيم. هناك شبه قطيعة مع تلك المجهودات التي بدونها لا يمكننا الحديث عن موسوعات عربية في المستقبل.
إذا انتقلنا إلى تاريخ الموسوعات في الثقافة الغربية، نجدها تحققت وفق الشروط نفسها. فبعد التطورات التي حصلت منذ عصر النهضة، وصولا إلى القرن الثامن عشر، نجد الإبدال المعرفي الجديد يتمثل في «الأنوار» المؤسسة على العقل والتطور العلمي والتقني، إلى جانب تطور الطباعة، وبروز أفق جديد لحضارة جديدة تقطع مع العصور القديمة. في أواسط القرن الثامن عشر، برزت «الموسوعة، أو المعجم المنظم للعلوم والآداب والمهن» بتصنيف «جمعية رجالات الآداب»، وبإعداد الفيلسوف ديدرو، وعالم الرياضيات دالومبير. صدرت هذه الموسوعة طيلة السنوات (1751 ـ 1772) في 28 مجلدا، و18000 صفحة، من خلال 71818 مادة مصطلحية، و3129 صورة. وعندما نطلع على هذه الموسوعة، ونربطها بزمانها ندرك الجهد الكبير الذي بذل فيها، إذ ساهم في طبعها وتصحيحها خلال 24 سنة آلاف العمال، كما شاركت فيها نخبة من العلماء في كل الاختصاصات التي كانت معروفة في أواسط القرن الثامن عشر. كان لهذه الموسوعة دور كبير في نشر المعرفة العلمية الجديدة، وتقديمها بصورة جديدة. ودشنت بذلك حقبة جديدة في التأليف الموسوعي الذي انتقل من الموسوعات الشاملة إلى الموسوعات الخاصة، وامتد هذا التقليد ليتسع لكل اللغات الغربية الحديثة. ويمكن اعتبار أونيفيرساليس الوريث الشرعي لتلك الموسوعة. غير أن أهم خاصية لهذه الأخيرة يكمن في أنها تطورت مع ظهور الوسائط الجديدة، فكان التفاعل أهم سمة لها بالقياس إلى الموسوعات السابقة.
منذ عصر «النهضة» العربية بدأ التصنيف الموسوعي يراود المثقفين العرب، إسوة بما اطلعوا عليه في الأدبيات الأجنبية للمقاصد عينها. وقام على مجهودات فردية خاصة: بطرس البستاني، محمد فريد وجدي.. كما كانت العناية منصبة أكثر على الترجمة، مثل «دائرة المعارف الإسلامية» وغيرها من الموسوعات الأجنبية التي تترجم إلى العربية، وتطعم بمواد من الثقافة العربية، وتقدم على أنها «الموسوعة العربية العالمية». لا نقلل من المجهودات التي بذلت على المستوى العربي في هذا السبيل. لكنها، كلها، لم تحقق المطلوب منها، رغم أهمية بعضها، على أي مستوى من المستويات لأسباب كثيرة لا مجال لحصرها. إن التأليف الموسوعي العربي رهين بشرطين: تمثل العصر الرقمي الذي نعيش فيه، والإيمان بالعلم.
٭ كاتب مغربي