بيروت – من زهرة مرعي: منذ سنة 2003 وضع بتصرف محبي الفن من رسم ونحت متحف الفنان موسى طيبا الدائم في بلدة قانا الجنوبية القريبة من مدينة صور ومن جليل فلسطين. هو مبنى من ثلاث طبقات، شكل قليل منه في الماضي بيت العائلة لهذا الفنان المولود من رحم المعاناة.
المكان نفسه عمل لتطويره وتوسيعه عمودياً وأفقياً بحيث بات يتسع لعشرات اللوحات من مختلف الأحجام وصولاً إلى الجدارية. وكذلك عشرات المنحوتات، والمراجع التاريخية في الفن. كل هذا كان بجهود شخصية من الفنان موسى طيبا. وهو بعد أن أسس متحفه في مدينة شارتر الفرنسية، كان تأسيسه لمتحفه في مسقط رأسه قانا. وبات هذا المتحف معلماً فنياً ثقافياً يضاف إلى معالم منطقة صور التاريخية والسياحية المتعددة.
ميز طيبا متحفه الدائم بدءاً من الخارج ودلّ عليه. خصه بخطوط طولية ملونة زاهية. وكما المربعات والمثلثات ميزة خاصة بلوحات طيبا الزيتية أو المائية، خص جدران متحفه من الخارج ببعض منها. هو لا يبتعد كثيراً عن المربع الذي يرمز عنده للوطن والطمأنينة. ولا عن المثلث الذي هو رمز للانسان. فقليلاً ما تنفد لوحة من أحد هذين الرمزين الأثيرين إلى قلب ذاك الفنان المبدع والمعطاء.
التجوال الأول في متحف موسى طيبا يبدأ من قاعة السفير، وصولاً إلى قاعة الوالد، وتليها قاعات تربيخا، عبد القادر مصطفى قباني، وقاعة جبران خليل جبران التي تنتصب على أحد جدرانها لوحة تكريمية تحمل عنوان ‘دمعة وابتسامة’، وهو عنوان كتاب لجبران. وكما يضم المتحف مكاناً فسيحاً هو محترف موسى طيبا في الجنوب، يضم كذلك مكاناً خاصاً ل’لمقتنيات’ الفنان من لوحات بتوقيع اشهر فناني العالم.
هو المتحف الدائم المفتوح أمام الزوار وبخاصة تلامذة المدارس. متحف من المفيد جداً دخوله من ضمن الأماكن التي ترشد إليها وزارة الثقافة كل عشاق الفنون. وترشد إليها وزارة التربية بحيث تعتاد عين التلامذة منذ نعومة أظفارهم رؤية الجمال والقراءة في خطوطه وتقديره.
موسى طيبا الذي عرض أعماله في اهم معارض العالم وبخاصة في اوروبا، أراد وبجهد فردي كبير جداً أن يكون أثره الأكبر موجودا على الدوام في مسقط رأسه قانا. في حكاية هذا المتحف نسأل صاحبه عن الفكرة كيف ولدت؟ وكيف صارت واقعاً؟ وما هو الهاجس الأساس الذي كان يشغله؟ وهل هو تخليد ذات الفنان؟ يقول: قد يكون الدافع متمثلاً في جزء من أنا الفنان، إنما الجزء الأكبر يتمثل في هذا العبء الذي صدر أو احتوى من حس الفنان عن العالم بمجمله والمتمثل بوحدة الانسانية، وهو أين نضع هذا التراث؟ والتراث هو من شعب إلى شعب إلى شعب يؤمن استمرار العمل الشعري، الفني أو الأدبي. وهذه الأعمال ليست سوى تراث لأجيال قادمة. وإذا كنا قادرين يجب أن نحفظ هذا التراث. وإن كنا عاجزين عن وضع هذا التراث في مكان ما فهناك الطامة الكبرى. كل انسان فنان. وكل انسان هو صاحب خير وشر. وكل انسان هو نقيض نفسه. ولكن تبقى الصورة الأولى والأخيرة أن الانسانية واحدة. الانسانية التي يتمثل فيها الفنان هو عمله الفني. ولا شيء بدون فن. أما كيف كان هذا المتحف؟ كانسان وفنان مررت في حروب كثيرة. ولدت في الحرب العالمية الثانية. وشهدتُ على مدار الزمن حروباً حتى يومنا هذا من اغتصاب فلسطين، إلى فيتنام، غزة، العراق وغيرها من حروب محلية واقليمية. هي حروب كثيرة مرّت على لبنان والعالم. فليس لي القول بأني مواطن من لبنان أو فلسطين أو كردستان فقط. فالعالم واحد، والانسان واحد. لهذا قلت في نفسي يجب أن أجمع تراثي الذي هو لا شيء وهو كل شيء. جربت جمعه في فرنسا، ومن ثم في بيروت ولم اتمكن. فعدت إلى بيتنا العتيق الذي هو أصيل والذي يقع في قانا بلدي، أضع فيه لوحاتي حتى يفرجها الله علينا. جاهدت لسنوات حتى وصل هذا المتحف إلى ما نراه اليوم.
*منذ افتتاحه في سنة 2003 كم يشكل هذا المتحف قبلة لمحبي ومريدي الفن؟
* يقول المثل بأني اعرف نفسي. لكن كم يشكل هذا المتحف قبلة للآخرين فلست قادراً على تصور ذلك. لكني سعيد بما فعلت. حي على خير العمل. حي على الفلاح. أي النداء الأول والأخير لكل انسان بأن يقوم بالخير وفي أي مكان في العالم.
*هل ستصل للحظة يكون فيها هذا المتحف الدائم مشبعاً بكل ما يريده موسى طيبا؟ أم هذا مستحيل؟
* عمري 73 سنة، وأرسم منذ 58 سنة، ولم ارسم مرة لوحة وكانت لي قناعة بها. ربما شاهد الآخرون في تلك اللوحة أمراً ما شكل لهم القناعة. إنما عملي الموجود دائما في مخيلتي فهو بتجدد دائم إلى حياة أفضل. ماذا سأفعل بهذا المتحف؟ فلا زلت اجهل ذلك. يومياً هاجسي هذا المتحف والإنسان والأرض والكون والغيم. باستمرار اعيش يومي ولا اعرف نفسي إلى أين، ومتى ولماذا؟
*نعرف أن لكل فنان مقتنياته من اللوحات العالمية. هل سيضم متحفك ما نعرفه لديك من لوحات أصلية نادرة؟
* كل انسان غني، وكل فنان غني. إن تمكنا من تميز هذا الغنى بشكل معين يصبح لدينا تراثاً من عدة أشخاص. وهذا ما يشكل ثروة للعالم. أنا لا أعمل لنفسي فقط، بل أعمل للعالم برمته ولنفوس الآخرين. فلا فرق بين انسان من الصين وآخر من فلسطين أو تركيا أو أميركا. هناك انسان خيِّر، وانسان سيء. وقد قرأت أية كريمة في صغيري تقول بأن من يقوم بعمل سيىء ينال السيىء، ومن يقوم بعمل طيب ينال الطيب. وعن هذا أمثلة في العالم فمن يغتصبون شعوباً وارضاً، ويقتلون شعوباً يجب أن ينالوا عقابهم ولا أعرف من أين. ولأن عندي ذرة خير فقد أقمت هذا المتحف. ربما كثيراً من زملائي لم يكن لهم متحف، بل كان لهم كتاب. والكتاب كما المتحف، وللكتب درجات.
*موسى طيبا بين البدايات ومن ثم انشغالات الفنان والضغوطات على فكره ونفسه ما هو الاختلاف لديك بين تجلياتك الأولى ومرحلتك الحاضرة في الألفية الثالثة؟
* كما جميع الناس كنت مراهقاً مندفعاً إلى عملي، حالياً ارى في المتحف الذي جسدته بنفسي هو نوع من الصمود على ارضي التي بنى عليها والدي بيته. وولدت فيه، وزغردت لي والدتي فرحاً عندما تخرجت فناناً من الأكاديمية اللبنانية. ومن ثم أنا فخور بنفسي كوني قمت بذرة خير لموسى طيبا. فأنا افرح عندما أدخل المتحف وأرى لوحة وأحاورها وأشعر بها. وفي الألفية الثالثة التي نحن في بداياتها ستشكرني الناس كيف فكرت بمتحف دائم لهذه الأمة التي تسيرها البداوة. فنحن لم نتعلم منذ 15 مليون سنة أن كل انسان لنفسه وليس لغيره. وليس صحيحاً أن أقطع يدي كي اعطيك أياها. يدي لي، وقد خلقت على هذه الأرض بميزة معينة. لقد اعطانا الغرب اشياء سيئة جداً. فأنا احب العيش في حياة بدائية، صافية ونقية. فلست بحاجة لعشرين سيارة، ولا لسيارة أو موتورسيكل. أنا بحاجة للمشي على قدمي لأن هذا موجود بي من البدايات. أي أن ثروتي هي قدماي ورأسي، وعيناي ويداي. هذه ثروتي المهمة وليست السيارة. ولا الدولار أو اليورو. من المهم أن يعيش كل انسان بقدراته. وقدراتنا كافية لنا كي نعيش على هذه الأرض. قد أكون فلاح بدائي، لكني كادح.
*هل عندما ترفع اللوحة عن ال’شوفاليه’ تشعر براحة الولادة وتبدأ البحث بمشروع لوحة جديد؟
* حلمي أن تكون لي لوحة. فأفكار مجتمعي كثيرة والفنان مرآة مجتمعه، ومرآة العالم جميعه وكذلك الكون. افكاري، والوهم الذي اعيشه مصدره نفسي. لكن شكراً للموجودات التي بقربي. نفسي لن تعطيني إذا لم اشاهد ولم اتفاعل. الأوهام والانفعالات في مخيلتي لا تنتهي، فالانسان لا ينتهي. منذ آدم حتى اللحظة الإنسان واحد، وكذلك الكون. حتى ولو أصيب هذا الكون بخراب أو دمار، وقنابل وصواريخ. ولو أصيبت المجرات بهموم الحرب والاعتلاء على الأشياء، يبقى الانسان والكون والأرض الطيبة الخصبة واحدة.