«موسيقى سوداء»: السرد بين الصوت والظلام في زمن الاحتلال

-1-
تحيل رواية نجمان ياسين «موسيقى سوداء» إلى علاقة الصوت/الموسيقى باللون/السواد/الظلام، وتفسر تلك الإضاءة التي كتبها الروائي قبل بداية روايته، والتي تشير إلى اعتقاله من 15 نوفمبر/تشرين الثاني إلى 1ديسمبر/كانون الأول من عام 2003، في بدايات الاحتلال الأمريكي للعراق، عام 2003، ولان العنوان ثريا النص، فإنه يحيل إلى الموسيقى بوصفها صخباً وليس صوتاً منغماً للمتعة، والسوداء تحيل إلى أجواء الظلام والغرف السود في التحقيق والتعذيب. وقد آثر الكاتب كتابة هذا الحدث السياسي بجنس رواية ولم يكتبه بصفة مذكرات.
يسرد الكاتب روايته عبر ضمير المتكلم (أنا) لأنه الضمير الأنسب في التعبير عن الإحساس بالألم والمرارة والخوف، ولأنه الاقدر على الإحاطة بالأحداث؛ فضمير المتكلم يجمع بين الذات بالسرد، ويجمع لواعج الخوف مع تدفق الكلمات، تغص لغة الكاتب بنزعة شاعرية ذات الجمل المتدفقة والكلمات المنتخبة، والمشاهد المتتالية، في نسق الأحداث والتصورات مع وحدة الموضوع، وصدق المشاعر ووهج الأحاسيس ، فالرواية تجمع بين البناء الواقعي والتصور الحلمي (الكابوسي)، فلا يمكن أن نعدها رحلة عبثية أو خيالية، كما يفعل الروائي الاعتيادي الباحث عن لذة الكتابة، في ظل الحوار المتقن والمحمل بالرؤى والأفكار الموغلة في أعماق النفس، لهذا حملت الرواية الكثير من الرموز والإحالات المضمرة التي لم يصرح بها مباشرة.
يبدأ الفصل الأول من الرواية بجملة مقترنة بالذات الخائفة والقلقة: «قبل أن يتلقفني بحر الظلام». لماذا لم يقل (الظلام) وقال (بحر الظلام)؟ ألأن الظلمة هنا تقترن بالخوف، أو بالظلام الطويل أو الليل المتطاول، الذي يمتد امتداد البحار، وكذلك كان الظلام مقترناً به عبر ضمير المتكلم الذي يوازي في حضوره كل حضور آخر! ذلك أن اللغة الهادئة المسترسلة لا تستطيع أن تخفي رجفة الخوف والجمود التي خيمت على الموقف. على الرغم من اللغة الروائية العالية، والاهتمام الجلي بموضوعة الاعتقال، ومحاولة الكاتب عرضها للقارئ بروية وإتقان وتواصل حميم وخطوات متتالية عبر (22) فصلاً، ومحاولته أن يكون كل فصل له خصائصه، من خلال الأسلوب الادبي الشيق وتوالي الأحداث، إلا أن الخط العام أمام القارئ يبدو في البداية أفقياً/عمودياً، وفق سيرورة خاصة، لأن الكاتب له هدف واحد هو بيان طبيعة الاحتلال وانتهاكاته الشديدة لحرية الإنسان، وتجاوزه على أهل البلد، ولكن اللغة النقية والشفافة والجمل المسجاة على نار هادئة، منحت الرواية تدفقها وجمالها الدائم؛ وهي التي قامت منذ البدء حتى النهاية على مبدأ تصوير شحنات الخوف والقلق الذي يعتمر في النفوس والبيوت والأزقة والأقبية، حين يقول: «مددت رأسي فأبصرت البنادق موجهة نحونا، وأبصرت الخوذ الحربية تلتمع تحت ضوء مصباح باب الدار». كما وصفهم بـ»طوفان الخوذ اللامعة والفوهات المصوبة».
يبدأ الفصل (4) بقوله:
«شرعوا في ضربنا، كنا داخل بناء. عيوننا معصوبة. وأفواه بعضنا مقفلة ومكممة بلاصق غليظ الرائحة. عرفت هذا من خلال ارتطام أجسادنا وهمهمات بعضنا». ومع أن الرواية تسرد عبر ضمير المتكلم الا أن نزعة الراوي العليم العارف بكل صغيرة وكبيرة، جعلت دوره أن يربط أصوات الحرب والمدافع ورمي الإطلاقات والقنابل الصوتية بالموسيقى، فجعلها تتسلل من عنوان الرواية إلى متنها بجدارة، فصرح في نهاية الفصل قائلاً:» الموسيقى الصاخبة تزداد رعونة». فكلمة (رعونة) إشارة واضحة إلى الموسيقى التي شكلت نوعاً من الإرهاب، لأنه قرنها بالموت والظلام والسواد، لهذا يرسخ الإحساس بالظلم في الفصل (5) وشدة الاضطهاد حيث يقول:
«وقفت معصوب العينين، مكبل اليدين، تحت سماء تفيض بالظلام. أشم في الهواء المتجلد، رائحة مطر مقبلة لتزيد تعاستي، واستقبل رائحة هواء النهر التي تأتيني الآن مثل نصال ثلج تنف إلى قلبي وتسلمني إلى زمهرير فاجر». وهو هنا يقرن النهر بالزمن، فنهر دجلة نهر عراقي يرفض التدجين، وهو الذي يشكل عمقه الحضاري والإنساني؛ ولهذا درجت سيرورة الزمن في الرواية على كشف الجوانب النفسية والجسدية التي يعاني منها، فالنهر يتدفق دائماً، والخوف يتربص به؛ فحصل نوع من التوازي بين تدفق السرد وتدفق مجرى النهر، فكان الإحساس برائحة المطر واستقبال رائحة الهواء، الذي يقوده إلى زمهرير فاجر، فكيف تنمو الخصوبة في البرد، فالخصوبة دفء والبرد موت، لهذا صارت الموسيقى النشيد الأسود؛ وصار السواد لون العصر والاحتلال.
-2-
على الرغم من جسامة الحدث، وقصر المدة الزمنية، إلا أن المشاهد السردية في الرواية وظفت المعطيات النفسية الداخلية للبطل السارد جنباً إلى جنب مع المعطيات الفنية كالسرد والوصف والحوار وضمائر السرد في بناء الرواية لتجعله بناءً محكماً، فامتلك الكاتب ناصية التعبير والاستمرار، لتغذية الأحداث بصور بارعة ومتدفقة، منسجمة مع حجم وهيمنة الخوف والعذابات الجسدية والنفسية، فالكاتب منذ العنوان جعل الصوت /الموسيقى مركزاً مهماً في البناء اللغوي والإيقاعي – إن صح التعبير- في البناء الروائي، فكانت الرواية شاعرية بامتياز، لأنها تمنح القارئ الإحساس بقوة الصوت المتشابك مع الحواس الأخرى، كالشم واللمس (الضرب والتعذيب) واللون/الصورة والهواجس الأخرى الداخلية والخارجية، لهذا كان يقول: «كنت أشم الروائح الطيبة، وتغريني بسعادة أكبر من أن احتملها، وأنا أغفو في موسيقى الروائح وألوانها الجميلة»، أو قوله: «أشم بلذة رائحة المشمش، ورائحة البطيخ النفاذة، أو كما يرتمي «في عرس الروائح المبهمة»، أو «أشم الآن رائحة التراب المجبول بماء المطر».
في الفصل (6) يشم رائحة الكبريت الذي هاجم بلدته ورائحة التبغ؛ ما يعني أن الرائحة كانت مهيمنة على الحواس في الراوية مع وجود الموسيقى السوداء، فالكاتب يتلاعب بالحواس والألوان والأشياء لكي يقنع القارئ بأن العالم قد تغيّر فعلاً، وأن الأمور تسير على غير سجيتها، فقد صار للألوان موسيقى وللأشياء ألوانها وصورها؛ لأنه يبحث عن الخلاص، حتى إنه كان يحس «بأن أشجار الليمون والبرتقال في «الحديقة، تحترق ببطء» وتستغيث وتطلب الخلاص من هذا اللهب الأصفر، الذي أحال أشجار الحمضيات والكروم إلى أوراق ذابلة ترتعش فرقاً [قرفاً] واختناقاً»، فهو قد بدأ مع اللون الأسود، ثم انتقل إلى الهلال الأصفر، أي الموت الأصفر. على الرغم من أن ما أتابعه هنا هو رواية إلا أنني أشعر بأن المنطق الأساسي يقودني إلى قراءتها كقصيدة أو سمفونية تتلاحق نغماتها بهدوء متوتر مشبع بالخوف، لهذا كانت القدرة اللغوية للكاتب متمرسة في صياغة الأحداث، حتى إنها جعلت الرواية ترتبط بأكثر من اتجاه فني، فإلى جانب السرد والأحداث والحوار ومركزية البطل، ثمة قوى مضمرة وقوى ظاهرة تتحرك مثل النسغ بين القشرة والغصن، صعوداً وهبوطاً أعلى وأسفل، وكأنه حوّل السياق السردي من البداية حتى النهاية وبطريقة أفقية، إلى نوع من التصالب بين ذلك السياق ورحلة الروح في الصعود والنزول، لأنه تعبير عن إحساس البطل بالخوف وربما الموت (أو بين الحياة والموت) أو (بين الاستقلال والاحتلال)؛ فكانت الروح تتدفق لتخرج إلى الفضاء الواسع، ثم تنتكس لتعود إلى الأعماق والجذور المكبلة بالتراب، فكان الجانب الحركي هو القوة الفاعلة في كتابة رواية تتناهبها الصراعات الدفينة، وما يؤكد ذلك قوله:
ندور في قبضة الظلام.
وندور في فلك الموسيقى.
وهذا الدوران يوحي بأن الرواية ليست أفقية بالمعنى المتعارف عليه، وإنما هي رواية تتصالب فيها الرؤى والأنساق، كما تدور فيها الأصوات والألوان والروائح؛ وبهذا تحقق ما يمكن أن نسميه بـ(التماسك السردي الموحد)، الذي تتعشق فيه الصور والأحداث والرؤى، وتتلاحم فيه حركة السرد مع حركة الحوار والتحولات الفكرية والجسدية، كما في قوله: «الموسيقى، بركان يطلق شرره في نفوسنا». وهنا نتساءل: كيف تتحول الموسيقى كبركان؟ لا بد أن نعرف طبيعة الصوت الموازي للشقاء، لأنه يقترن بالتعذيب والمعاناة حتى إنه قال في الفصل (10): «ترى كم مرة جاءني صياح الديك وأنا في قلب هذا الشقاء الأسود». إطلاق صفة الأسود على الشقاء يخفى وراءه شيئاً من التراسل في الحواس، لأن الشقاء إحساس له صلة باللمس والتعذيب، بينما الأسود لون يمتد من العنوان إلى المتن بطريقة أخطبوطية مثيرة؛ وبطريقة تصادمية تحتمل المفارقة العابثة والحادة يكون فيها فعل الصراع نابعاً من الفعل الوجودي غير القابل للتجزئة، لسيرورة الرواية وتنميتها وعمقها وفواعلها المركزية، وفق نظرية الهيمنة من خلال الهامش والمركز، من الاستقلال إلى الاحتلال ومن الدعة والراحة إلى الاعتقال؛ بحيث صار البطل هامشا معرضاً للإساءات المستمرة، وهنا نلمس فاعلية القوى الكامنة في بناء الرواية من الناحية المنطقية والأدبية.
-3-
إذا كان الكاتب في الفصل (10) يتقي الخوف بالخوف، فإن البنية الميتانصية في الرواية تبدو جلية، من قارئ حمل معه من بيته منذ اعتقلته القوات المحتلة كتاباً هو (القرآن) فلما سئل عنه قال: «القرآن، كتاب الله»؛ ثم صار يشير إلى ذكرياته عن قراءته لـ»رواية الساعة الخامسة والعشرون، التي تقول: إن الأرض لم تعد ملكاً لبني الإنسان. مطوق بالظلام، ولائذ بخوفه من أن أخاف!». وهنا يحضر التناص كما تحضر الذاكرة بوصفها واحدة من أدوات التناص التي يعتمد فيها الكاتب على استدراج الموروث بكل أشكاله، ومنه حركة الصراع بين الضوء/ الشمس والظلام/السواد، وبين الصوت والألم/الخوف؛ لهذا يبدأ الفصل (11) بقوله: «نزيف ذاكرتي يتدفق في هذا الظلام». فما العلاقة بين الذاكرة/ الماضي والأحلام/الكوابيس؟ لقد أوقفته الذاكرة أمام عاشق الطيور فراح يسترجع صورته لديه، في إشارة إلى علاقة الطيور بالحرية والسلام، ولأنه معتقل ومجبر على مسايرة المحتل، صار يحلم أن يحلق عالياً، كما هي الحال في الفصل (12) ولكن هذه الأحلام سرعان ما تتحول إلى كوابيس، أو أنها في الأصل كانت عبارة عن كوابيس، لهذا يعود بها إلى بلده في حضاراته القديمة (نينوى ـ آشور) أو مدينة الثيران المجنحة والهواء الخالد ونرگال مقرونة بقوات الاحتلال.
كما يستخدم الكاتب السرد السينمائي/التلفزيوني بوصفه نوعاً من التداخل الأجناسي بين القراءة والمشاهدة، حين ذكر أن الأمريكيين عرضوا شريطاً لصبي قتلوا أبويه في قصف عشوائي لمنزلهم «قطعوا يدي الصبي! ثم أخذوه معهم إلى أمريكا، لتركيب ذراعين صناعيين له!». مما خلق تنوعاً جلياً في السرد الوصفي لما كان يعاني، وما ينشر كشريط سينمائي، لهذا تحضر الذاكرة في الفصل (17) لربط الماضي بالحاضر/الذكريات التي وصفها بالظلام كما وصف الدنيا بالظلام! ونتساءل:
لماذا يشعر بذلك كله؟
إنه يضع معادلة بين وضعه كشخص ومواطن في بلده، ووضع بلده ذاته بشكل عام؛ لهذا اقترن الظلام الذي هو امتداد طبيعي للون الأسود الذي أشار إليه العنوان مقروناً بالموسيقى/الصوت.
وفي الفصل (19) يعود إلى ذكرياته مع نوع من الكوابيس التي يغيب فيها الظلام أو الأحلام، أو ما يشبه الأحلام كنوع من التعويض عن الواقع بالأحلام، لكنها أحلام مثيرة؛ كما أنه زاد في أجناس السرد، حين دمج السرد الروائي بالسرد السينمائي وبالسرد الحلمي/الكابوسي، حيث تؤدي الكوابيس مهمة جمالية ومهمة ترويعية، بحيث تطبق الأحداث عليه من الداخل والخارج، ومن اليقظة إلى النوم، حتى يعطي القارئ صورة حيّة عن حجم المعاناة الكارثية التي يعاني منها. فقد كانت كلمة (كأنّ) التي تستخدم للتشبيه تعمل عملها في إيصال الرسالة في قوله: «كأنّي كنت في حلم، أو ما يشبه الحلم وكأنّي أبصر الأمريكي وقد استخدم أشباه رجال». فالتشبيه يؤدي مهمة جمالية وتصويرية عبر السرد، ومع ذلك فهو لا يتخلى عن الذاكرة في الفصل (20) فيبدأه بعبارة تقول: «ما أوسع ذاكرة الإنسان الملقى في هذا الظلام». وتبقى سلطة الظلام المقترنة بالليل والموسيقى والاحتلال هي المهيمنة؛ عندما يقول: «أجدني الآن في هذا الظلام أعمى». وإلى جانب الكوابيس/الأحلام والظلام والذكريات تتجسد الرؤيا التي هي مرادفة للتشبيه بـ(كأنّ) أو يشبه، أو أرى كقوله: «أراني في حلقة ذكر».
في الفصل (22) وهو آخر فصول الرواية، تعود كلمة كأنّ التي تفيد التشبيه بوصفها تعبيراً عن رؤيا خاصة وإحساس مؤثر يبعده عن العذابات النفسية والجسدية، جعلته يركض ليسبق روحه، ويتشمم رائحة مدرسته الابتدائية (مدرسة أبي تمام)؛ وقد يكون فعلاً هذا هو اسم المدرسة، ولكنها إحالة إلى قصيدة أبي تمام (السيف أصدق من الكتب)، التي مدح فيها الخليفة العباسي المعتصم بالله بعد انتصاره على الروم أو الصليبيين في ما بعد، ثم ينتقل إلى حضرة النبي جرجيس باحثاً عن خلاصه في محنته، وهو في كل هذا يحلم بالخصوبة، خصوبة العراق ودجلة والأشجار وعشتار والثيران المجنحة رمز الخصوبة؛ لهذا يتصور أصوات مروق السيارات وكأنه (خوار ثيران) لأنها تذكره «بخصوبة نكهة التقاء الذكورة بالانوثة».
في الصفحات الأخيرة من الرواية يكرر كلمة (الآن)؛ ويقصد بها الحاضر، عصر الاحتلال والتعذيب، الحاضر المهشم والتاريخ المبعثر والأحلام التي تحولت إلى كوابيس، وهنا نشعر بأنه جمع الذاكرة مع الأحلام وقرنهما بالحاضر، فصار يرسم له مكاناً مفترضاً هو الموصل في ظل الاحتلال، وهذا المكان يبدو قلقاً ومحاطاً بالظلام ومتحركاً ومتأرجحاً؛ بسبب الحروب وسطوة المحتل.

كاتب عراقي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية