موسيقى فيردي بين جحود هيغو وعرفان ديماس

بهاء بن نوار
حجم الخط
1

اقترن اسمُ الموسيقار الإيطاليِّ الشهير جوزيبِّي فيردي (G. Verdi) بأديبيْن مرموقيْن، هما: الإنكليزيُّ ويليم شكسبير (Shakespeare) والألمانيّ فريدريك شيلر (Schiller) وهذا في مجال فنِّ الأوبرا الذي برع فيه، واقتبس كثيرا من أعماله من روائع هذيْن الاسميْن الكبيريْن؛ فمن شكسبير قدّم لنا: «أوتيلّو» (Otello) و«ماكبث» (Macbeth) و«الملك لير» (Re Lear) و«فالستاف» (Falstaff) ومن شيلر اقتبس «جان دارك» (Giovanna d’Arco) و«اللصوص» (I Masnadieri) و«لويزا مييه» (Luisa Miller) و«دون كارلوس» (Don Carlos).
وكان من الممكن إضافةً إليهما أن يقترن اسمُه أيضا باسم أديب فرنسا اللامع: فيكتور هيغو (V. Hugo) الذي قدّم لنا من خلاله رائعتَه المسرحيّة المثيرةَ للجدل: «هيرناني» (Ernani) سنة 1844، بعد أربع سنواتٍ من عرضها في المسرح الوطنيّ الفرنسيّ، لولا أنّ هيغو قرّر فجأةً الامتناعَ عن السماح له باقتباس مزيدٍ من أعماله، وهذا بعد النجاح الكاسح الذي حقّقتْه أوبرا «ريغوليتّو» (Rigoletto) التي ما تزال تُعرَض في جميع المسارح العالميّة حتّى يومنا هذا، وما يزال جمهورٌ كبيرٌ من مُشاهديها يردِّدون أغلبَ آرياتها الشهيرة، وتعتريهم الرهبة من افتتاحيّتها المهيبة، ناسين أنّ أصلَها الأدبيَّ هو مسرحيّة «الملك يلهو» (Le Roi s’amuse) لهيغو.
وتُعدّ علاقة هيغو وأعماله بفنّ الأوبرا وطيدةً جدّا، وقديمة، حيث قام الإيطاليُّ بلّيني (Bellini) في السنة نفسها التي عُرضت فيها «هيرناني» بتحويلها إلى أوبرا، قامت الرقابة الإيطاليّة بمنعها، فاضطرّ إلى تحويل ألحانها إلى أوبرا أخرى له، بعنوان: «السائرة نائمةً» (La Sonnambula) ودونيزّتّي (Donizetti) الإيطاليُّ أيضا اِلتقط رائعتَه المسرحيّة «لوكريسيا بورجيا» (Lucrèce Burgia) وحوّلها إلى أوبرا في السنة نفسها التي عُرضت فيها أيضا، وبونكييلّي (Punchielli) الإيطاليّ قدّم أوبرا «الجوكندا» (La Giocanda) سنة 1876، مُستوحيا إيّاها من مسرحيّته «أنجلو طاغية بادوفا» (Angelo, Tyran de Padoue) التي عُرضت سنة 1835. بل إنّ هيغو هو الذي اقتبس بنفسه روايتَه الشهيرة: «أحدب نوتردام» (Notre Dame de Paris) وأعدّ منها ليبريتّو أوبرا «إزميرالدا» (La Esmeralda) التي لحّنتْها الفرنسيّة لويز برتان (Louise Bertin) سنة 1836، وأعاد اعتمادَه الروسيُّ دارغوميجسكي (Dargomijsky) في أوبرا بالعنوان نفسه، سنة 1839.

دهاء فيردي

ورغم هذا الارتباط المكين بين هيغو وعالم الأوبرا، فقد جاء موقفُه من فيردي حاسِما وقطعيّا، ولنا أن نفكِّر في بعضٍ من أسبابه وسياقاته؛ ففي سنة 1832 قُدِّمت مسرحيّة «الملك يلهو» لأوّل مرّةٍ على المسرح الوطنيّ الفرنسيّ، فقابلها الجمهورُ ببرودٍ، ومنعتْها السلطاتُ فور عرضِها، لما تضمّنتْه من نقدٍ سياسيٍّ واضحٍ، ودعوةٍ إلى قتل الملك: فرانسوا الأوّل الذي ذُكر اسمُه صراحةً في العمل. وفي سنة 1851 تلقّف فيردي هذه المسرحيّة المنسيَّة، واجترأ بالتعاون مع الشاعر فرانشسكو ماريّا بيافي (F. Piave) على تحويلها إلى أوبرا، لقيت نجاحا مُدوِّيا، ورغم مضايقات الرقابة الإيطاليّة التي كانت حينها شأن نظيرتها الفرنسيّة في أشدِّ سطوتها، وسيطرتها، فقد تمكنّا من التملُّص منها، ومخاتلتها، فغيّرا العنوانَ ليصبح «ريغوليتّو» وأبدلا شخصيّة «الملك» التي تستفزّ الرقيبَ إلى «الدوق» الفضفاضة، المحايِدة. هذا الدهاء الفيرديُّ الذي أربك الرقابة أغاظ كثيرا هيغو الذي كان في عمله صريحا، ومباشرا أكثر ممّا يجب. وإلى جانب هذا، فقد اغتاظ أيضا من تلك التغييرات التي ألحقها بيافي بأسماء الشخصيّات ومكان الأحداث، اللذيْن أصبحا إيطاليّيْن خالصيْن، ورغم أنّ مثل هذه التغييرات واردٌ جدّا في جميع أنواع الاقتباس، إلّا أنّه أزعج هيغو كثيرا، وأشعره أنّ عملَه يُسلَب منه. فقد نسي الناسُ جهودَه سريعا، ولم يعلق في أذهانهم سوى عمل فيردي وبيافي، بل إنّ مدينة مانتوفا الإيطاليّة أصبحت رمزا لريغوليتّو، وأصبح من معالم الجذب السياحيِّ فيها بيتٌ أثريٌّ قديمٌ يُدعى «بيت ريغوليتّو»، يتوسّط حديقتَه تمثالٌ برونزيّ له، ولم يحمِ فيردي من غضبة هيغو الحادّة عليه إعجابُه الشديد بفنِّه، وتشبيهه الدائم له بشكسبير، ومن هنا جاء موقفه حاسما بعدم السماح له بالاقتراب من أعماله.
وهذا على النقيض من موقف مواطنه ألكسندر ديماس الابن (A. Dumas-fils) الذي سعد كثيرا حين كان فيردي واحدا ممّنْ حضروا عرضَ مسرحيّته «غادة الكاميليا» (La Dame aux Camélias) في باريس سنة 1852، وسعد أكثر حين اقتبسها أوبراليّا في السنة التالية، بالتعاون مع بيافي أيضا، ورغم أنّ عمله هذا لم يسلم من بعض التغييرات الجوهريّة، كتغيير عنوانه إلى «لاترافياتا» (La Traviata) بمعنى «الضالّة» أو «المنحرفة» إيماءً إلى نظرة المجتمع نحو «مارغريت» التي تغيّر اسمُها إلى «فيلوليتّا» مثلما تغيّر اسمُ حبيبها «أرمان» إلى «ألفريدو» فإنّه كان في غاية السعادة لهذا الاقتباس، ولم ينِ يباركه، ويفتخر به، بل قال فيه كلمته الشهيرة: «بعد خمسين سنةً سينسى الناسُ غادة الكاميليا، فيردي وحده منحها الخلود».

فرصة مُغرية لا تُفوت

ولنا أن نتساءل عن سرِّ تلك الحماسة الشديدة منه، رغم أنّ اسمَ فيردي سيُغطِّي حتما على اسمه: هل فعل ذلك لأنّه أقلُّ أنانيّةً وتضخُّما ذاتيّا من هيغو؟ ربّما يكون كذلك، ولكنْ إنْ تأمّلنا موقفَه بكثيرٍ من الموضوعيّة والحياد، فسنجد أنّه لم يخلُ من بعض النفعيّة؛ فديماس الابن لدى عرض «لاترافياتا» لم يكن سنُّه يزيد عن التاسعة والعشرين، ولم يكن في تلك المرحلة من حياته معروفا خارج باريس، بل لم يكن معروفا إلّا بكونه ابنَ الكاتب الكبير ديماس الأب، لذا كان انتقال عمله إلى إيطاليا على يد فيردي فرصةً مُغريةً لا تُفوَّت، عكس هيغو، الذي كان في قمّة مجده حينها، فرغم عدم اكتراث الجمهور بعمله: «الملك يلهو» فإنّ الجمهور نفسَه في السنة التالية لم يكفّ عن التصفيق لمسرحيّته: «لوكريسيا بورجيا» بل بلغ به الانبهارُ حدّ التجمُّع عند عربته، وفكِّ الخيول عنها، والإصرار على أن يجرّوها بأنفسهم حتّى بيته، وقبل سنتيْن فقط من هذا النجاح المدوِّي كان قد أصدر رائعته الروائيّة: «أحدب نوتردام»، التي ما تزال تُقتبَس حتّى اليوم.
وإلى جانب هذا، يمكن أن نضيف ألمَ ديماس المزمن من أبيه، وعلاقته المتوتِّرة به بعد أن أنكر نسبَه، ولم يعترف به إلّا عند السابعة من عمره، فكان تسليمُ عمله ليدٍ بارعةٍ كيد فيردي خيرَ ما يضمن له النجاحَ والتفوُّق، اللذيْن طالما تمنّاهما، وسعى إليهما، انتقاما من نجاح أبيه، وتفوّقه عليه.
وبعد، وأيّا كانت دوافعُ كلٍّ من هيغو وديماس في الجحود والعرفان، فالرابحُ الوحيد من الثاني هو الجهورُ، والخاسرُ الوحيدُ من الأوّل هو الجمهورُ أيضا، وروحُ الفنِّ الخالصة، والاختلاف؛ فماذا لو تسامح هيغو قليلا، وسمح لفيردي باقتباس عمليْه المتفرِّديْن: «البؤساء» و«الرجل الضاحك» أو واحدٍ منهما في الأقلّ؟ كان حتما سيكون واحدا من الروائع التي لا تُنسى في يومنا هذا.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية