الفنان التشكيلي جهاد العامري في معرضه حقل بغاليري الأورفلي:
عمان ـ “القدس العربي” ـ من يحيي القيسي: يأتي المعرض الأول الشخصي للفنان الأردني جهاد العامري في غاليري الأورفلي بعمان ليعكس خصوصية وتميزا في التعامل مع فن الطباعة علي الحجر الليثوغراف، وعلي حد تعبير الباحثة والتشكيلية والأميرة الهاشمية المعروفة د. وجدان علي، عميدة كلية الفنون والتصميم في الجامعة الأردنية التي افتتحت المعـــرض يوم 23 شباط (فبراير) الماضي بأن هذا المعـــرض ملــفت وفيه تنوع في التجربة بل أنه خلــق طفرة كبيرة في الغرافيك الأردني.
ومن الواضح مدي استفادة العامري في التعامل مع بيئته واستلهامها، ليس كصورة فوتوغرافية بل باتجاه التعبيرية التجريدية التي تبدو رموزها جلية للمتمعن باللوحات، ويبدو أن هذا المعرض الغرافيكي قد استطاع أن يكون أول معرض مخصص بالكامل لفن الطباعة علي الحجر في الأردن، علي حد تعبير العامري، ثم إن هناك أحجاما كبيرة تصل إلي 160 سم للوحة الواحدة، وهذا نوع من التحدي الذي رضيه الفنان محاولا التجديد علي من سبقه، أما في مجال التقنيات فقد سعي إلي المزاوجة بين الفوتوغراف والليثوغراف، كما وظف تقنية الحفر علي الخشب، وأخرجها باللونين الأخضر والأصفر، وزاوج بينهما وبين الحفر علي الحجر، أما موضوعات لوحاته التي بدت كما أشرت أقرب إلي التجريد فيمكن للناظر إليها أن يكتشف بعض الإشارات الصورية لأدوات الزراعة مثل المحاريث الآلية، والبيت الريفي، وبعض الحيوانات، وسنابل القمح، والسلال، والنهر، وعراجين النخل، وكل هذه المفردات تشبع بها الفنان من بيئته في غور الأردن، أما بخصوص اللون فقد ركز العامري علي اللونين الأبيض والأسود أساسا محاولا أن يستنطقهما بأقصي ما يمكن، ولكنه أضاف في بعض اللوحات الوانا أحادية أخري مثل الأصفر والأزرق والأخضر، وهي ألوان مستوحاة أيضا من البيئة الريفية التي نشأ فيها، ولا شك في أن لدراسته النظرية التأثير الواضح، لكن من المؤكد أنه أيضا استفاد من تجربة أخيه الفنان المعروف محمد العامري، فقد نشأ جهاد في بيئة غنية من هذه الناحية، وتشبع بها، ولا بد أن لملاحظات التشكيلي والناقد محمد أثرها علي تجربته التي ما تزال في يفاعتها، ناهيك عن الجو الأدبي أيضا الذي ساهم في تشكيل ثقافته النظرية مع وجود شقيقيه الشاعرين علي وعمر العامري، وبعيدا عن جو الأسرة، وأثرها فإن التشكيلي جهاد قد تنبه إلي ضرورة أن يكون له صوت منفرد، وخصوصية، ليس علي مستوي العائلة فحسب بل علي ما هو مطروح من الأعمال الفنية في الأردن، وربما لهذا جاء الاحتفاء بمعرضه واضحا من قبل النقاد والتشكيليين.
تقول استاذة الفنون ومديرة مركز روتغر للطباعة علي الورق في جامعة نيوجيرسي التي اطلعت علي لوحات العامري: إن الناظر في الأعمال الأخيرة لهذا الفنان يلحظ عدة أشياء أهمها تلك البهجة الشاعرية التي تغلف أعماله، والتي تعتبر سمة مشتركة في جميع أعمال الفنان، وإن أسلوبه الأساسي في أعمال الحفر هو استخدام مقادير نسبية متشابهة لتوحيد اللون والشكل والفراغ، كما أنه يقدم لنا إيماءة تتمثل في تلاعب الضوء خلال المشهد العام للوحة أو لكتل الجذور الممتدة خلف سطحها. ان هذا الاستخدام الأحادي للون في التعبير عن الصورة والشكل ليس هو حدود الحفر كوسط تكنيكي لكنها الأدوات التي استخدمها الفنان للتعبير عن تعرجات المشاهد الطبيعية التي يعرفها ويحبها، لقد ركز الفنان العادي علي الطبيعة المكثفة في لوحات ذات ملمس قوي يمنحنا تعبيرا قويا وتجريدا لعوالمنا الصغيرة، وثمة عوامل خطية تعبر عن شخوص وأشكال ضمن البيئة الطبيعية، ربما تكون شخوصا وربما تكون أدوات تركت في الحقول، العامري مبدع في الجمع بين التقنيات، والطباعة علي الباليتات الخشبية، والطباعة الحجرية وهو يستخدم عناصر الغرافيك المتعددة والخطو المنسابة التي لا يمكن أن يوفرها سوي فن الطباعة الحجرية مصحوبا بالكوليه، وهي تقنية اشتهر بها الفن الصيني والكوليه هو لصق الورق الشفاف الناعم علي ورق الطباعة، فيتـــم من خـــلال ذلك تحــقيق التوازن في كل صــورة ضـوئية للمشهد الذي تبرزه كاملا.
أما التشكيلي العراقي المعروف رافع الناصــري فيقول عن هذا المعرض الذي سيستمر إلي يوم الثامن من شهر آذار (مارس) الجاري: ما بين الدهشة والإعجاب وأنا أشاهد أعمال الفنان الأردني جهاد العامري تبينت أنه يمتلك خطا قويا وجميلا كان قد اكتسبه من دراسته الفنية في بغداد علي يد أستاذ كان طالبا لفناننا الكبير فائق حسن، وهو من أقدر الرسامين العرب بالقلم الرصاص في القرن العشرين، كما اكتشفت بأن جهاد يمتلك فهما جيدا للأبيض والأسود ويستخدمهما بمحبة شديدة بل هو يتغني بهما، وعلي حافاتهما يتنقل حرا بين الطبيعة ومفردات الريف الأردني، سنفرح مرتين للوحات العامري، مرة لأنه رسام يمارس الحفر والطباعة وخاصة الطباعة الحجرية (ليثوغراف) بشغف كبير، ومرة لأنه حفار يمارس الرسم في مطبوعاته بإتقان وحرية لا تخفيان علي العين الناقدة، ففي لوحاته التي موضوعها الطبيعة يتنقل برشاقة بين الفضاء والكتل التجريدية التي هي أشجار أو صخور أو بيوت طينية، وعندما يضيف إلي كل هذا بعضا من النماذج الشعبية فهو يدفعنا إلي اليقين بأننا نري مشهدا أردنيا خالصا.
بقي أن أشير إلي أن الفنان من مواليد عام 1977، وقد حصل علي بكالوريوس في الفنون الجميلة تخصص رسم وتصوير من جامعة بغداد، ويعمل حاليا مساعد بحث وتدريس في كلية الفنون والتصميم في الجامعة الأردنية، كما شارك في العديد من الدورات في مجال الحفر والطباعة الحجرية وصناعة الورق والخط العربي، كما شارك في ملتقيات دولية في كل من: لبنان، إيطاليا، مصر، وأمريكا، وحصل علي الجائزة الأولي في مجال الرسم في مهرجان الشباب ـ الأردن 2002، كما حصل علي الجائزة الثانية مناصفة بالمعرض السنوي لرابطة التشكيليين الأردنيين، له مقتنيات في العديد من الأماكن، ومنها المتحف الوطني الأردني للفنون الجميلة، ومركز أوربينو العالمي للحفر في إيطاليا.