سليم البيك
فتحتُ الصفحة البيضاء على الشاشة. اخترت نوع وحجم الخط الذي أكتب به عادة، وتركت كل الأمور في هذه الدنيا على حالها واسترخيت على الكرسي مبتعداً به عن الشاشة محملقاً بها كأني أنتزع منها، لا من رأسي، موضوعاً للكتابة. وكاد الوقت المسموح به ينفد لولا أني بدأت بالكلمة فالجملة الأولى لهذه الفقرة الأولى من البقية الآتية من هذا المقال.
أحياناً أفكر بعد الانتهاء من كتابة ما: ماذا لو أني بدأت بتلك الكتابة بعد ربع ساعة من البداية الفعلية لها، أو أن مكالمة تلفونية استقطعتني أثناء الكتابة لمدة تزيد عن 5 دقائق، وهي كافية لإخراجي من جو الكتابة (فعلاً وموضوعاً) وإدخالي، بل وإيغالي، في آخر. وماذا لو أني كتبت عن الموضوع ذاته وأنا في حالتي النفسية والذهنية ذاتها وفي الوقت ذاته لكن في مكان آخر، أو أنقر أحرف كيبورد لابتوب آخر، أو أثناء سماع موسيقى أخرى، أو هدوء آخر لتشويش خفيف لمكيّف الهواء، أو مع فنجان شاي بالنعنع، لا شاي أخضر، أو، أو، أو. أفكّر: هل هذه التغييرات، على سطحيتها المفترضة، غير ذي صلة بالصيغة النهائية للكتابة، لبنية الكتابة، للأفكار للتعابير للمفردات للـ…. للـ…. للـ… ؟ لا أعرف أي شيء عن أية إجابة محتملة، لكني أعرف تماماً أن أحداً لن يقنعني بجواب محدد لهذه الأسئلة، لأن هذا الأمر بالذات، لا يمكن تجريبه ولا إثباته، لا يمكن أن أكتب نصاً ما، أنهيه ثم أحكي: ‘طيب تعا إسّا نشوف كيف بكتب نفس الفكرة بس ع لابتوب توشيبا، مش سوني’. كون علم النفس أكثر ما يمكن أن يقنعني بأيّ أمر كان، سأبحث حقاً، فيه، عن تفسيرات لذلك، لكني، إلى لحظة كتابة هذه الكلمات، تحديداً هذه، هذه دون غيرها، لا أعتقد بأني سأقتنع بأنه حتى علم النفس سيجد تفسيراً لذلك، وسأبحث حقاً عن تفسيرات في علم النفس عن إصراري بأنه، علم النفس نفسه، لن يجد طريقة لإقناعي بأنه سيجد طريقة لإقناعي بتفسيرات لذلك ‘ودار الدّوري عَ الدّاير يا ست الدّار’. سأنطلق من فكرة أن الكتابة – بالنسبة إليّ على الأقل – هي كالتبوّل، بمعنى أن الإنسان قد يتبوّل في حالتين: إما أن يشعر بحاجة لذلك فيفعلها بكل بساطة، وإما أن يعرض نفسه، فيذهب إلى التواليت دون الشعور بالحاجة للتبوّل، وينتظر، يحملق في اللاشيء، كأنه تماماً يحملق في الورقة البيضاء على الشاشة، ثم تنفرط الأمور من عقدها وتنفرج الأسارير.
وفي الحالتين تكون العمليّة موفقة، بغض النظر عن نوعية السيراميك في التواليت، أو الإعلان التجاري المواجِه إن كان ذلك في أحد المولات في دبي (البحث المضني عن تواليت هناك كفيل بجعل التبوّل موفقاً في كلّ حالاته). العملية موفقة في الحالتين، ولكن الشعور، هل ‘كان سيكون’ ذاته لو تم الإخلال بأيّ ٍ من الشروط الموضوعية أو الذاتية لتلك العملية؟ هذا ما أعجز عن فهمه، وأخاف أن يشكّل أرقاً إن قبضتُ الموضوع بجديّة، فحينها غير الرب لن يفكّني عنه.
حسناً، الآن، وأنا أعي تماماً أن كل ما كتب هنا فرّ من رأسي إلى رؤوس أصابعي فالشاشة، أي أني لم (ولا) أخطط مسبقاً لما سأكتبه، ففي أحسن الأحوال تخطر في هذا الرأس فكرة عن كتابة ما، قد لا تتعدى بضعة كلمات (تماماً كالتبوّل تلبية لحاجة ملحّة نبتت فجأة)، وفي بعض الأحيان أحملق في الصفحة البيضاء قليلاً، فإن لم أنزّ ببضع كلمات إلى شاشة اللابتوب – وها قد وُفّقت بهذه الكتابة الآن، أو هكذا أعتقد – سأغلق الشاشة إلى أن تحضر الرغبة من ذاتها، أو أستحضرها في مناسبة كريمة أخرى.
على كل حال، لن أصدّق أن كتابة ما، ما إن انتهت، كان يمكن لها أن تنتهي بشكل آخر، أو أن تنتهي بما هي عليه تماماً لو أنها لم تكتب في حينها وبالظروف ذاتها. و(الآن فقط تذكرت) لا أعتقد أن هذه المقالة تحديداً كانت ستنتهي بما هي عليه الآن، أو أنها كانت ستخطر لي أساساً، لو أني لم أشاهد مساء أمس أحد أفلام (حبيبي) وودي ألن السبعينية، رغم أني لا أجد أي رابط بينهما. بس مش مشكلة، عادي.www.horria.org