موطن العجيبة الأولى قانا الجليل الفلسطينية كنائس تاريخية وتقاليد مسيحية عريقة

وديع عواودة
حجم الخط
0

الناصرة ـ «القدس العربي»:  كفركنا بلدة فلسطينية في الجليل تمتاز بعراقتها وبكروم رمانها، ورد اسمها في الإنجيل باسم «قانا الجليل» وترتبط بمعجزة السيد المسيح الأولى عندما شارك ووالدته السيدة العذراء في عرس وقام بتحويل الماء إلى خمر حيث قيل «هذه الآية الأولى صنعها يسوع في قانا الجليل وأظهر مجده فآمن به تلاميذه». وبموجب تلك الرواية كان المسيح شارك في حفل زفاف أحد تلامذته نتانئيل المدعو سمعان الكناوي وهو من قانا الجليل فنفد الخمر لكثرة المشاركين فيه فكانت الآية الأولى. ويحتفل المسيحيون في العالم بعيد العرس إحياء للمناسبة التاريخية فيما يقوم الملايين من الحجاج النصارى بزيارة قانا الفلسطينية حيث توجد كنائس قديمة وهناك جدل لا ينتهي بين كنيسة الروم الأورثوذوكس وبين جارتها كنيسة اللاتين حول هذه القضية فكل منهما يدعي أن العجيبة الأولى تمت في المكان الذي تقوم فيه وتحتفظ كل منهما بجرار تاريخية كدليل على مزاعمها تعرف بالأجاجين. لكن الخلاف حول العجيبة الأولى لا يقتصر على كنيستين بل هو خلاف بين بلدتين. فيما يقر معظم الباحثين ورجال الدين والمؤسسة الكنسية بأن قانا الجليل في فلسطين هي موطن العجيبة الأولى يبدي آخرون تشككهم حيال ذلك ويشيرون إلى أن قانا اللبنانية هي الموقع المقصود وأن المسيح زارها وأجرى عجيبته فيها ليبدأ الإيمان المسيحي وتأسيس الكنيسة.
ومن أبرز أولئك الأب اللبناني الدكتور يوسف يمين الذي أكد في كتابه «قانا الجليل في لبنان» أن قانا الواردة في العهد المقدس هي قانا قضاء صور. ويشير يمين إلى أن شمال فلسطين وجنوب لبنان يشكلان وحدة جغرافية واحدة مشيرا إلى أن الجليل متصل بلبنان اتصال الشجرة بجذورها. ويسوق عدة حجج وأدلة تاريخية وأثرية لتثبيت نظريته حول قدسية قانا اللبنانية منها منحوتات أثرية في القرية مستوحاة من العجيبة الأولى إضافة إلى كنائس قديمة. ويلفت الأب يمين إلى أن البلبلة بين القريتين حصلت جراء أخطاء ارتكبها مؤرخون، لافتا إلى أن معظم الباحثين عن موقع قانا الجليل كانوا من الحجاج والرحالة الأجانب الغرباء ومن غير المثقفين وغير الملمين بلغات الشرق وجغرافيته وأحواله والذين حاولوا عن جهل أن يجعلوها قريبة من الناصرة. وأضاف أنه «بعد خراب الهيكل في أورشليم والتنكيل باليهود استوطن أولئك في الجليل. وأخذ اليهود يضطهدون المسيحيين وينكلون بهم فانكفأوا إلى الشمال في العمق اللبناني. ثم استأصل اليهود كل أثر يدل على الوجود المسيحي في الجليل، وهكذا غطى رداء النسيان بلدة قانا الجليل بعد أن طمس اليهود حتى ذكراها».

معنى قانا

واللافت أن اسم قانا وفقا للدكتور يمين يعني بالفينيقية اللون الأحمر وتقرب منها اللفظة العربية «القاني» أي شديدة الحمرة أما في الكنعانية فتعني أيضا «مقام إيل» أي إله عالمية الإنسان، وهو إله لبناني قديم. في المقابل يوضح الأستاذ يوسف مطر من قانا الجليل الفلسطينية لـ «القدس العربي» إن كفر كنا هي قانا الواردة في الإنجيل، ويلفت إلى وجود رسومات تاريخية في كنائس البلدة مستوحاة من العجيبة الأولى تثبت كونها مكانا مقدسا إضافة إلى جرار الخمر التاريخية المعروفة بالأجاجين والتي استخدمت أثناء تحويل الماء للخمر. ويوضح مطر الذي وضع كتابا بهذا الخصوص أن المعايير العلمية تشير إلى أن قانا الجليل هي كفر كنا علاوة على اعتراف الفاتيكان بهذه الحقيقة التاريخية وأضاف «وهذا بالطبع لا ينتقص من لحمتنا كأشقاء» منوها لخروج أهالي بلدته مرتين في مظاهرات تكافلا مع قانا اللبنانية يوم شهدت مذبحتين الأولى خلال العدوان الإسرائيلي «عناقيد الغضب» عام 1996 والثانية خلال حرب لبنان الثانية عام 2006 وراح ضحيتهما عدد كبير جدا من النساء والأطفال جراء قذائف الجيش الإسرائيلي.

ثلاث كنائس قديمة

وغربي مسجد أبو بكر التاريخي من الفترة العثمانية تقع كنيسة الروم الكاثوليك الملكيين على حافة الشارع الرئيسي التاريخي بين مدينتي الناصرة وطبرية والطابغة مرورا في كفركنا ويبدو أنها بنيت عام 1869 كما يدلل فرمان عثماني يسمح ببنائها. وقد بني في جوار هذه الكنيسة بناء كبير من 1920 لكاهن الرعية يعرف بلغة المحليين بالأنطش وفي الجانب الآخر هناك مبنى بني على طريقة الأنبوب وفق العمارة في فلسطين ويبدو أنه استخدم مخزنا للكنيسة التي تم تدشينها مجددا في 1910 تحت رعاية المطران الوطني غريغوريوس حجار صديق وحليف المفتي الحج أمين الحسيني ومات في حادث سير في حيفا فور عودته من زيارة للأقصى عام 1940.

شارع الكنائس

ومن جهة الجنوب تقع الكنيسة الأورثوذوكسية على محاذاة الشارع نفسه على بعد نحو 200 متر شمالا. يوصل بين الكنائس الثلاث القائمة على أسس وهياكل كنسية قديمة شارع من العصر الروماني معبد بالحجارة الطبيعية ما زالت قائمة بحالة ممتازة في بعض مقاطعه رغم أن عمرها نحو 19 قرنا.
ويشير مطر أن كنيسة اللاتين (الفرنسيسكان) الحالية قد بنيت عام 1879 على أنقاض كنائس سبقتها أقدمها في القرن الرابع وفي أرضيتها مسطحات فسيفسائية وبقايا حجرية لمبنى كنيسة بيزنطية من سنة 614 حيث هاجم الفرس البلاد وهدموا كنائسها بعد تغلبهم على البيزنطيين. وفي باحة الكنيسة المبنية من الحجر الجليلي الأبيض بقايا أعمدة وتيجان أثرية وفي الداخل هناك جرة حجرية بيزنطية عملاقة وصومعة قمح. وبجانب الكنيسة هناك مساكن للرهبان تقوم على أسس مساكن تاريخية من القرن الرابع كما يوضح الأب فرنسوا دي ماريا لـ«القدس العربي». وتقع في الجهة الشمالية من هذه الكنيسة، كنيسة نتنائيل أو دير عجاج التي بناها الآباء الفرنسيسكان سنة 1889 على أسس قديمة من القرن الرابع لإحياء بيت تلميذ يسوع نتنائيل بن تلوميو وهو حسب عدة ترجيحات صاحب دعوة المسيح لحضور العرس التاريخي الشهير. ومقابل كنيسة اللاتين تقوم كنيسة الروم الأورثوذوكس وهي الأخرى تقول إن السيد المسيح أقام في موقعها العجيبة الأولى وينتمي لها معظم المسيحيين في قانا الجليل التي باتت أغلبية سكانها اليوم من المسلمين بعد هجرة وتناقص أعداد المسيحيين. الكنيسة الأنيقة المحاطة بأشجار سرو عملاقة تحتوي على جرنين حجريين استعملا في أعجوبة تحويل الماء إلى خمر وفق التقاليد المسيحية وهناك من يقول إنهما استعملا كأجران لطقوس العماد من القرن الأول ميلادي. وتزدان الكنيسة التي تدار من قبل رهبان روس ويونان بلوحات فنية مستوحاة من عجيبة الماء والخمر بعضها عمره قرون. بين هذه وتلك تبقى قانا الجليل بلدة جميلة وتاريخية تمتاز بلحمة أهلها وتحابهم كما يؤكد الأب فرنسوا دي ماريا السوري الأصل. وإلى الشمال من هذه الكنائس يقع دير الفرنسيسكان المبني منذ 1912 وفيه مدرسة ما زالت قائمة حتى اليوم وقبل ذلك شمل عيادة قدمت علاجات مجانية للسكان حتى سنوات السبعين من القرن الماضي ويكن أهالي كفركنا المحبة والتقدير لممرضة ايطالية تدعى مادري جوفينا كانت نذرت نفسها لمداواة مرضاهم مجانا طيلة أربعة عقود حتى رحلت وكان كاتب هذه السطور قد تعالج في طفولته على يديها وما زال يذكر في وعيه وخز إبرة طبية في جسده من وقتها.

تجديد عهد الزواج

وعودة للعجيبة الأولى فهي ليست حدثا تاريخيا فحسب إذ ما زالت تستقطب سنويا نحو مليون حاج مسيحي من كل أرجاء المعمورة يأتي كثيرون منهم للبلاد خصيصا لزيارة قانا وواحدة من كنيستي «العرس»- الروم أو اللاتين من أجل القيام بما يعرف بطقوس تجديد عهد الزواج.
ويتم طقس «تجديد سر الزواج» في كنيسة العرس للأزواج برفقة الأقارب والأصدقاء وخلاله يضع الكاهن راحتيه على رأس الزوج والزوجة وهما ماثلان أمامه بخشوع يبدأ الكاهن بقراءة آيات ثم يقوم بتبخيرهما وهما يطلقان أمنياتهما. وخلال «تجديد سر الزواج» يردد الزوجان الكلمات الأولى لاقترانهما ببعضهما البعض: يا فلانة إليك هذا الخاتم رمزا إلى محبتي وأمانتي طيلة أيام عمري.. أحبك وأكرمك في الفقر والغنى في المرض والصحة.. طيلة أيام حياتي على الشريعة المسيحية» ويختار بعض الأزواج الشباب القيام بذلك وعقد قرانهم بثياب الزفاف وتبادل الورد الأحمر.

الحجيج من مشارق
المعمورة ومغاربها

غابي تاكوا (60 عاما) معلمة من الإكوادور متزوجة من اكتافيوس منذ 38 عاما قالت لنا بمساعدة زميلة ترجمت من الإسبانية إن فرحا عميقا يملؤها بعد هذه البركة في قانا. وتوضح أن شعورا عميقا بالسعادة يسكنها اليوم بعدما تواصلت مع الله عقب تجديد العهد مع رفيق دربها وزوجها الحبيب فحسب. وعن أمنياتها قالت مبتسمة «أعيش مع زوجي وأولادي الأربعة بسعادة كبيرة لكنني طلبت الإبقاء عليها وزيادتها ولم أطلب المال» وكشفت أنها في طريقها لمدينة طبريا لقضاء شهر عسل جديد مع زوجها، أجمل أيام العمر.
العروسان ديانا وساشيو قدما من تايلندا بعدما آثرا أن يجريا حفل الإكليل في كنيسة العرس في قانا الفلسطينية خلال زيارتهما البلاد برفقة بعض الأصدقاء. «جئت لهنا وفاء مني لديانا خطيبتي التي وعدتها بحفل زفاف خارج البلاد وبحفل إكليل في الديار المقدسة وأنا سعيد جدا بتحقيق الأمنية» قال العريس ساشيو وتابع مغتبطا: «أشعر اليوم أنني أطير في السماء على جناحي السعادة ومن هنا سأواصل المشوار للقدس وبيت لحم لقضاء شهر العسل». ديانا التي أصغت لزوجها وقد ارتسمت على محياها شارات الخجل اكتفت هي الأخرى بالقول إن يوم إكليلها في قانا أجمل أيام العمر بالنسبة لها وتمنت دوام الصحة والسعادة لها ولزوجها ولأهلها في بانكوك.
وعن أصل التقاليد هذه يقول كاهن كنيسة العرس الأب فرنسوا ماريا إنه بموجب الرواية الدينية – التاريخية قدم السيد المسيح من منطقة نهر الأردن وهو بالثلاثين من عمره فمارس كهونته في قانا الجليل (كفركنا) الفلسطينية. ويتابع «تحول الماء لخمر، المسموح قليله فقط، بكلمة واحدة من السيد المسيح بناء على طلب أمه مريم: وإن كنتم لا تعلمون أو تعرفون هيئة ابني فكل ما يقوله لكم فافعلوه وأنا أضمن لكم المعجزة- الآية». ومنذ تلك العجيبة الأولى قبل نحو 2000 عام يتواصل الاحتفاء بعيد العرس كل ربيع في قانا وينوه أن للعيد (العرس) طابعا خاصا ومحليا – في كفركنا- ولكن اسم قانا الجليل يذكر في كل حفل أكليل يتم في العالم وبمختلف اللغات ولدى كافة الجنسيات حيث يقرأ إنجيل يوحنا (الفصل الثاني): «وبعد ثلاثة أيام كان عرس في قانا الجليل ..».
ويوضح ماريا أن أهالي القرية المسيحيين أيضا يقومون بهذا الطقس كل ربيع وينوه مبتسما أن من يتخلف عن ذلك فيحرم نفسه وأسرته من الفرح والبهجة ويتابع «عند تجديد عهد الزواج يشارك الأبناء في زفاف الوالدين مجددا». وتتواصل في قانا الجليل هذه الأيام عمليات بناء متحف خاص بالبلدة على أمل تجميع الكثير من الموجودات الأثرية النادرة والثمينة الموجودة في مواقع ومتاحف مختلفة من البلاد والعالم ولجعله مقرا لموجودات تكتشف لاحقا من مواقع تاريخية وأثرية لم تحفر بعد.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية