ليس أمرا محمودا أن تفسر قصة (أو أي عمل أدبي آخر) كتبت في زمن يختلف عن راهن وقتنا اختلاف ركوب عربة معقودة بنواصي الخيل، أو الترحل على ظهور البغال والحمير، عن السير والتنقل في مركبات آلية تفكك الزمن وتفّصل مقاييسه بكبسة قدم خفيفة، أو التحليق في بطن طائرة تشبه الحوت الذي بلع العالم وطار به إلى السماء، ليس محمودا أن تصور تلك القصة، جوهر اللحظة الحياتية الراهنة وتفسر معانيها أو تلهج بمظاهرها. من حقنا التمتع بأعمال شكسبير ولكن ليس من المقبول (في هذا الزمن المكشوف والمفضوح) الدفاع عن عقيدة الملك لير والانتصار لصولجان حكمه… نندمج مع بطولات دون كيشوته ولكن مغامراته لا تدفعنا لمواجهة الطواحين… نتصور مدونات هارون وأخباره ولا نفكر باقترافها. هذا ما يفرضه علينا قانون التطور البشري بأبسط قواعده وبتفسيراته المبنية على العقل والمنطق الطبيعي والرعوي. ليس المقصود هنا الإتيان بالآثار الأدبية إلى لحظتنا الزمنية الراهنة ومحاكمتها بذائقة العصر، فواضع تلك الآثار، وإن كان قد دونها حسبما أوحت له اللحظة الزمنية التي عاشها، وعّبر عن هواجسه ومكنوناته بلغة عصره، إلا أنه أفرز إبداعا أدبيا له من الصياغة الفنية واختلاق الأساليب ما كفل له موضعا وجدانيا يسري في النفس البشرية، متخطيا (بمأثرته ونبوغه ذاك) مترادفة الزمان والمكان، ومعطلا (بمثاله الفذ) قوانينها التوافقية. تلك آثار إنسانية لها ميزة البقاء وهو بقاء له صفة إنسانية صرفة، استطاع الأدب (ما دام الحديث هنا يدور حول الأدب دون سواه من طرق الإبداع الإنساني) أن يخترع وصفتها ويطلقها لتُقيم في سرائر النفس البشرية. فلو كان للطبيعة، المحيطات والبحر والغابات ولها الراسيات، فللإنسان الآثار الإبداعية الباقيات. ولكن الزمن يمضي وأفهام الناس تدور في فلك متغير، وما يبقى من الأعمال الأدبية الخالدة هو الجوهر، الشرارة، فطرة الفن، البذرة المتفتحة والذرة المتفجرة. فالإنسان كائن عاقل، يقبل بقانون التطور ولو بأبسط القواعد وبأسهل صوره المنطقية الرعوية التي تشبه جريان الجداول وتحاكي مشي القطعان وتناظر توالي الليل والنهار. أما بعد…. فكيف نفسر أن يبقى في وجدان القوم نص أدبي معين، ويتصادى مع أحوالهم؟! نص من الماضي، كما افترضه الكاتب حينها وحسبما أوحت إليه اللحظة الزمنية التي عاشها ثم عبّر عنها بلغة عصره!. في هذا السياق تصلح قصة الكاتب الروسي أنطون تشيخوف المسماة ‘موت موظف’ مثلا للتدليل على الخطل الذي يصيب البذرة ويهدر فرصة الذرة. تقول هذه القصة التي كتبت عام 1883 وتتكون من 670 كلمة فقط، أي ما يعادل حجم هذا المقال، أن موظفا حضر عرضا مسرحيا، وفي أثناء المشاهدة يحدث أنه يعطس – كما يعطس كل إنسان في أي مكان، أو يضطر لذلك. يكتشف أن رذاذ عطسته قد تطاير ليصيب صلعة مسؤول كبير شاء القدر أن يكون جالسا أمامه. ومثلما يحفظ الجميع قصة تشيخوف هذه، يبدأ الموظف بمراسيم اعتذاراته للمسؤول مبلل الصلعة. بداية في المسرح، حيث يفسد عليه مشاهدة العرض. وبعد المسرح يتبعه إلى جهة عمله، ويشرع باقتناص الفرص لمقابلته وتأكيد اعتذاراته. يقبل المسئول الاعتذار ويبدي العفو مرارا، ثم يؤكد عليه، ويتبعه بأمر رسمي، مع ذلك لا تفارق وخزة الخوف قلب الموظف وتدفعه لتكرار الاعتذار تلو الاعتذار، ويعاود طلبه بلا انقطاع… وهكذا… وهكذا إلى أن يتفاقم وضع الموظف فتتعقد هواجسه ويتمزق وجدانه شر تمزق، وفي آخر المطاف يبدد آخر رمق في مسعاه القدري المستحيل … ويموت. عود إلى بدء، فما يحير في قصة تشيخوف هذه (وقد كتبها وهو في عمر الثالثة والعشرين) وهي التي لا تقاس فنيا وفكريا بالكثير من أعماله المرموقة، القصصية والمسرحية، إلا أن قطاعا من القراء العرب يفتتنون بها ويعرفون تشيخوف فقط، أو بأكثر تقدير، من خلالها. فهل وافق شن طبقة كما يقول المثل! هل المظاهر التي لهجت بها قصة تشيخوف، مظاهر الخذلان والخوف الوظيفي ومظلة المسؤول ومراتب الطبقات الإدارية الضاغطة والمكّسرة لهامات بعضها البعض، والحفرة السحيقة التي تفصل بين رتبة وظيفية معينة وأخرى أقل منها مقدارا ما زالت مثلما وصفها تشيخوف في قصته آنفة الذكر؟! هل كل ما قاله تشيخوف في القرن التاسع عشر مقبول عندنا ويدب في مسام حياتنا الدقيقة؟ إن كان الأمر كذلك، فالصورة تبدو كاريكاتورية لأبعد الحدود، حتى أن تشيخوف لو عاد إلى الحياة ووجد موظفه يمارس فعله العدمي ويتمسح بأعطاف المسؤول بتلك الطريقة الماحقة للكرامة الإنسانية، لضرب الصفح عن بطل قصته ووجد له مخرجا من مأزقه وذلك رفقا بنا وتغليبا للأمل في حياتنا. مع ذلك فموظف تشيخوف ما زال يعيش فينا، وهو يموت كل يوم بعد أبوبته من الوظيفة. ‘ كاتب عماني [email protected]