موعد مع كلكامش في «إيستاد»

إلى باسم قهار ومناضل داود ـ في شغف الحكاية والمسرح

تلقيت اتصالاً مجهولاً على رقم هاتفي. قدّم المتحدث نفسه على أنه كلكامش، وأنه يريد مقابلتي! لم أُضيّع وقتي في الاستفسار عن كيفية حصوله على رقمي، فتقنيات التجسس بإمكانها، اليوم، فعل كلّ شيء. لكن السؤال الأهم الذي أضمرته له، هو، كيف أنه تمكن من البقاء حياً كلّ هذا الوقت، بعد أن قال لي هاجس داخلي، أن المتحدث هو، حقاً، كلكامش! أعطاني عنواناً مفصلاً للقائه في مدينة «إيستاد» (1)، وكم سررتُ حين تلفّظ بالاسم، فأنا أحبّ هذه المدينة التي بُهرت بها عند زيارتي لها، أول مرة، قبل عشر سنوات، وقلت إنها دعوة في وقتها، وإن كانت غير متوقّعة، لمعاودة رؤيتها، وقد ارتبط اسمها لديّ بزرقة بحرها. اتفقنا على اللقاء في مقهى يطلّ على الساحة الكبيرة للمدينة وكنيستها التاريخية، فأعاد إليّ ذلك، ذكرى الشوارع الصغيرة، الحميمة والأليفة، التي تؤدي إلى الساحة، فهي تذكرني، على نحو ما، بشوارع مماثلة في بغداد ودمشق. من بعيد لمحته، جالساً إلى طاولة صغيرة وأمامه فنجان قهوة وقدح ماء وبين يديه صحيفة. كان طوال الوقت يوجّه إليّ رسائل نصية عبر هاتفه الجوال، ويرشدني إليه، وبهذا استطعت أن أتعرف عليه بسهولة، من بين آخرين يقاسمونه المكان، فهو لم يكن يتميّز عنهم بشيء، سوى ضخامة بنيته وشعره الطويل، وكان في ملابس عصرية. عانقته بحرارة كصديق قديم. سألته عن أنكيدو، وكنتُ أتوقع أن أجده بصحبته. فقال، أرهقته حياة المدينة، ففضل العودة إلى البريّة، وأنا شجعته على ذلك، بعد أن لاحظت اعتلاله، هناك يستريح أكثر. وماذا عنك، يا كلكامش؟ سألته مباشرةً. قال، هناك سر لا يعرفه أحد، ولكن سأُفصح عنه لك وحدك، فلأجل هذا دعوتك. لقد كنتُ محتجزاً، طوال ما مضى من وقت لدى الرجال العقارب (2)، وقد وصلتُ إلى هنا منذ عام، وأنا في انتظار جواب مصلحة الهجرة حول طلب اللجوء الذي قدمته. وحين سألته عن الكيفية التي بقي فيها على قيد الحياة ومحتفظاً بمظهر الشباب، حتى اليوم، قال إنّ احتفاظي بمظهر الشباب ووجودي هنا أمامك، سببهما واحد، وحين استفهمته عن قصده، أجاب: حين عدت من رحلتي إلى أوتنابشتم ومعي عشبة الشباب، عرف بأمرها الرجال العقارب، فاستبْقوني عندهم، لهذا السبب، فلم يكن لأحد غيري رخصة قطف هذه العشبة، وهكذا كانوا يشربون ويسقونني معهم، ماءها، طوال الوقت، حتى لم يبق من أثر لهذه العشبة هناك، عندها صاروا يتوسلون بي من أجل إحضارها من مياه «إيستاد»، هذه المرّة، فأنا الوحيد الذي بإمكانه تحقيق ذلك، لمعرفتي بها. قلت له متعجباً: ألم تسرق الحية عشبتك، حين نزلت إلى البركة لتستحم، وفقدتَها إلى الأبد؟ ضحك بصوت عالِ لفت معه انتباه رواد المقهى، إلا انه لم يأبه وكأن لا أحد سواه في المكان، وقال هذا، فقط، في نسخة الملحمة التي وصلتكم. ثمّ سألته، وما هي معرفة الرجال العقارب بإيستاد؟ أجاب، هؤلاء لديهم أطلس العالم الذي يتجدّد على الدوام، وهو يمتاز بخاصية فريدة، هي الكشف عن أسرار الأمكنة وما تحتوي من كنوز، لذا فهم الوحيدون الذين يعرفون سر هذه المدينة وتفردها بعشبتها السحرية، التي لا وجود لها، الآن، في أي مكان من العالم، عدا هذه المدينة الزرقاء. وأكمل: لقد أحببت «إيستاد» بمجرد أن وقعت عليها عيناي، وقد قررتُ الإقامة فيها، ونسيان الرجال العقارب وكلّ ما مضى. وماذا ستصنع بموضوع عشبة الشباب، قال: لستُ متعجّلاً للحصول عليها، وأنا واثق من أنني سأجدها، سـأعطيك شيئاً منها، إذا أحببت، فكانت إجابتي ضحكة تعبّر، قبل كل شيء، عن سعادتي بهذه القصة الغريبة المشوّقة. قبل أن أنهض مودعاً، قال: لكَ أن تكتب أو لا تكتب عن هذا اللقاء، فأنا أعرف أنك من نوع الكتّاب الذين تسحرهم القصص الغريبة، لهذا اخترتك لأفضي إليك بحكايتي، ولثقتي بك. وأضاف، كمن يحسم أمراً: أنت تستحق. وعاد إلى مطالعة صحيفته. قلتُ في نفسي وأنا أخطو مبتعداً عنه، طالما أنه أحبّ هذه المدينة فستكون له بديلاً عن كلّ شيء، حتى عشبة الشباب، التي كانت سبباً في وجوده وبقائه حتى هذه اللحظة. التفتّ إليه مجدداً فرأيته مندغماً في ما حوله وبدا سعيداً، مطمئناً تحت أشعة شمس مفتقَدة.

جنوب السويد: 27ـ8ـ2019

1ـ إيستاد، بالسويدية «Ystad» مدينة تقع في مقاطعة سكونه، جنوب السويد. تطلّ على بحر البلطيق، توصف باللؤلؤة، لجمال طبيعتها.
2ـ الرجال العقارب، أو كما ترد التسمية بالضبط في ملحمة كلكامش، «البشر العقارب»، «مخلوقات أسطورية مركّبة من إنسان وعقرب»، وقد أوكلت إليهم حراسة الشمس في شروقها وغروبها. وبإرشاد من الرجل العقرب استطاع كلكامش إكمال طريقه إلى «أوتنابشتم» في رحلته المعروفه إليه، والذي كافأه هذا، مقابل تجشمه مشقة الرحلة، بأن دلّه على نبتة الحياة الجديدة.

٭ كاتب عراقي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية