موقع بريطاني: نقل تراس سفارة لندن إلى القدس سيكون كارثيًا وغير أخلاقي

حجم الخط
5

لندن – “القدس العربي”:

في مقال بعنوان “نقل ليز تراس سفارة المملكة المتحدة إلى القدس سيكون كارثيًا”، نشره بموقع “ميدل إيست آي” البريطاني، حذر آفي شلايم المؤرخ الإسرائيلي ـ البريطاني، الأستاذ الفخري في العلاقات الدولية بجامعة أكسفورد، حذر من تفكير رئيسة الحكومة البريطانية، ليز تراس في نقل سفارة بريطانيا في إسرائيل، الذي سيكون تراجعا مفاجئا في السياسة البريطانية طويلة الأمد.

وكتب المؤرخ، ومؤلف كتاب “الجدار الحديدي: إسرائيل والعالم العربي” (2014)، أنه أثناء حملتها للتنافس على زعامة حزب المحافظين البريطاني، أخبرت ليز تراس مجموعة “أصدقاء إسرائيل” في حزب المحافظين بأنها، لو انتخبت، فستنظر في أمر نقل السفارة البريطانية من تل أبيب إلى القدس.

ويشير إلى أنه في لقاء عقب ذلك في الأمم المتحدة، كررت رئيسة الوزراء ليز تراس الوعد بإعادة النظر في الأمر، في حديث مع “صديقها العزيز” يائير لبيد، رئيس الوزراء الإسرائيلي المؤقت.

صُنع الصراع الإسرائيلي الفلسطيني في بريطانيا. وبدأ ذلك كله في عام 1917 بوعد بلفور الذي أيد إقامة وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين، رغم أن اليهود لم يكونوا في ذلك الوقت يشكلون سوى عشرة بالمائة من سكان البلاد.

ويذكر بأن وضع مدينة القدس يعتبر أصعب القضايا في الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، وأشد الصراعات الدولية في زمننا المعاصر مرارة وأطولها وأكثرها استعصاء. وقد استولت إسرائيل على شرق مدينة القدس مع بقية الضفة الغربية وقطاع غزة في حرب حزيران/ يونيو من عام 1967، ولم تزل تُعد من المجتمع الدولي منطقة محتلة.

ويؤكد مؤلف “إسرائيل وفلسطين: إعادة تقييم وتنقيحات ودحض” (2009)، أن إسرائيل تزعم أن المدينة بأسرها هي عاصمتها الأبدية غير المجزأة، بينما يؤكد الفلسطينيون أن الجزء الشرقي هو عاصمة دولتهم التي يرجون قيامها في المستقبل.

وبطبيعة الحال، اغتبط المسؤولون الإسرائيليون بإثارة ليز تراس لفكرة نقل السفارة إلى القدس، معترفة بذلك بسيادة إسرائيل على المدينة، في أول خطوة لها في السياسة الخارجية كرئيسة للوزراء.

الموقف الفلسطيني

وينوه إلى أنه لقد حذر الزعماء الفلسطينيون من أن نقل السفارة سوف يقوض حل الدولتين، ويدمر العلاقات مع بريطانيا.

وأشار إلى ما قاله حسام زملط، السفير الفلسطيني لدى بريطانيا، من إنه من “المؤسف للغاية” أن تستخدم ليز تراس أول ظهور لها في الأمم المتحدة كرئيسة للوزراء كي “تقدم على ما يمكن أن يعد انتهاكا للقانون الدولي”.

وبحسب الكاتب يصعب التفكير في مسألة من مسائل السياسة الخارجية هي أقل حاجة للمراجعة من موقع السفارة البريطانية في إسرائيل.

ويحذر من أن من شأن نقل السفارة إلى القدس أن ينتهك قائمة من قرارات الأمم المتحدة، وأن يشكل تراجعا فجا عن السياسة البريطانية المعتمدة منذ عام 1967، وهي السياسة التي تشكل جزءا من الإجماع الدولي الواسع والتي ترى أنه يجب إبقاء جميع السفارات في تل أبيب إلى أن يتم التوصل إلى اتفاق سلام شامل بين إسرائيل والفلسطينيين، تصبح القدس بموجبه عاصمة مشتركة للدولتين.

ويلفت إلى أنه خلال الفترة التي شغلت فيها منصب وزيرة الخارجية، لم تسع ليز تراس إلى نقل السفارة. ويقول الكاتب إنه لا يملك المرء إلا أن يخمن أنها إنما أثارت قضية إعادة النظر في الأمر لما يعود عليها شخصيا من منفعة سياسية، فراحت تتزلف لدى إسرائيل وأنصارها في بريطانيا، وبشكل أكثر تحديدا لدى مجموعة “أصدقاء إسرائيل” في حزب المحافظين، التي يشارك في عضويتها معظم أعضاء وزارتها وثمانون بالمئة من أعضاء البرلمان الآخرين في المقاعد الخلفية عن حزب المحافظين.

ووصفت إحدى الصحف الإسرائيلية ليز تراس مؤخرا بأنها من الممكن أن تغدو “رئيسة وزراء بريطانيا الأشد تأييدا لإسرائيل على الإطلاق”. ما من شك في أن القصد من ذلك كان الإشادة، ولكن في ذلك أيضا تجاهل لمسؤولية بريطانيا التاريخية عن خلق المشكلة من الأساس.

وعد بلفور ومسؤولية بريطانيا

ويذكر المؤرخ فقد صُنع الصراع الإسرائيلي الفلسطيني في بريطانيا. وبدأ ذلك كله في عام 1917 بوعد بلفور الذي أيد إقامة وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين، رغم أن اليهود لم يكونوا في ذلك الوقت يشكلون سوى عشرة بالمائة من سكان البلاد.

وتجاهلت الحكومات البريطانية المتعاقبة بشكل تام التعهد بألا يكون ذلك على حساب “المجتمعات غير اليهودية”. وبذلك مكن الوعد الصهاينة من الاستيلاء الاستعماري المنتظم على فلسطين، وهي عملية لا تزال مستمرة حتى اليوم.

وفي حزيران/ يونيو من عام 1967، أكملت إسرائيل استيلاءها على كل فلسطين التاريخية. وبعد أسبوعين من صمت المدافع، أعلنت إسرائيل بشكل منفرد ضم شرق القدس، فما كان من مجلس الأمن إلا أن ندد فورا بتلك الإجراءات، معتبرا إياها غير قانونية وباطلة.

وفي عام 1980، عندما قرر الكنيست رسميا ضم شرق مدينة القدس، وبخ مجلس الأمن إسرائيل “بأشد العبارات”، وكانت بريطانيا من بين الذين صوتوا لصالح جميع هذه القرارات.

ويذكر الكاتب بأن رئيس الولايات المتحدة دونالد ترامب كان أول زعيم في العالم يخرق اتفاق المجتمع الدولي القائم منذ زمن طويل، والقاضي بعدم فتح سفارات في القدس إلى أن يتم التوصل إلى حل الدولتين للصراع الإسرائيلي الفلسطيني.

وقد قوبل قراره بنقل السفارة الأمريكية إلى القدس في 2018 بالسخط في كافة أرجاء العالم العربي، وجلب عليه تنديداً دولياً واسع النطاق. ونجم عن ذلك انطلاق موجة من العنف استشهد فيها العشرات من الفلسطينيين على أيدي القوات الإسرائيلية. وحينذاك انتقدت رئيسة وزراء بريطانيا الإجراء.

وكانت “صفقة القرن” التي طالما تبجح بها ترامب محاولة لإعادة توصيف حل الدولتين، بحيث يتضمن إسرائيل العظمى التي تشتمل على ما يقرب من ثلث الضفة الغربية والقدس بأسرها ودولة فلسطينية صغيرة مقطعة الأوصال تحيط بها المستوطنات والقواعد العسكرية الإسرائيلية من كل جانب، ولذلك فقد رفضتها السلطة الفلسطينية فورا وبازدراء.

ورغم كل ما بذله ترامب من جهود، فإنها لم تتبعه في نقل السفارات إلى القدس سوى ثلاث دول: كوسوفو وغواتيمالا وهوندوراس.. بينما اختارت البلدان الأخرى التي لديها بعثات دبلوماسية في إسرائيل، وعددها 82 دولة، إبقاء سفاراتها في تل أبيب. وبعض هذه البلدان، بما في ذلك بريطانيا، لديها قنصلية عامة في شرق القدس تخدم كقناة اتصال مع السلطة الفلسطينية في رام الله.

في موقفها الفردي المناصر لإسرائيل غير العابئ بالحقوق الفلسطينية كما هو ظاهر، تنتمي تراس إلى الخط العام في حزبها. فجميع رؤساء الوزراء الذين خدمت في حكوماتهم كانوا من أشد مؤيدي إسرائيل

وينوه الكاتب إلى أنه في موقفها الفردي المناصر لإسرائيل غير العابئ بالحقوق الفلسطينية كما هو ظاهر، تنتمي تراس إلى الخط العام في حزبها. فجميع رؤساء الوزراء الذين خدمت في حكوماتهم كانوا من أشد مؤيدي إسرائيل، ومنهم ديفيد كاميرون الذي وصف نفسه بالصديق الحميم لإسرائيل، وأصر على أنه لا يمكن لأي شيء أن يفصم تلك الصداقة.

أما تيريزا ماي، فربما كانت أشد أنصار إسرائيل في أوروبا عندما كانت تشغل منصب رئيس الوزراء في بريطانيا. ففي خطاب لها أمام مجموعة “أصدقاء إسرائيل” في حزب المحافظين في عام 2016، وصفت إسرائيل بأنها “بلد رائع.. ديمقراطية مزدهرة، منارة للتسامح، قاطرة للتجارة والأعمال ونموذج يحتذى من قبل بقية العالم”. ويشير الكاتب “أنها رفضت بغضب عريضة شعبية، كنت واحدا من الموقعين عليها، تطالب بإصدار اعتذار رسمي عن وعد بلفور”.

ثم جاء بوريس جونسون الذي ابتدع سياسة “إسرائيل أولا” في حزب المحافظين، في خطوة إضافية تضع إسرائيل فوق القانون الدولي.

وقاوم المساعي المطالبة بمحاسبتها على أفعالها غير القانونية، وعلى ما ترتكبه من جرائم حرب. وفي عام 2021، أعلن أنه يعارض تحقيق المحكمة الجنائية الدولية في المزاعم بارتكاب جرائم حرب في المناطق المحتلة، مشيراً في خطاب إلى مجموعة “أصدقاء إسرائيل” في حزب المحافظين إلى أن حكومته تحترم استقلالية المحكمة، ولكنها تعارض هذا التحقيق بالذات.

وكتب يقول: “يعطي هذا التحقيق الانطباع بأنه عدوان متحيز ومجحف على صديق وحليف لبريطانيا”. والمنطق المنحرف في تصريحه هو أنه نظرا لكونها صديقا وحليفا لبريطانيا، فإن إسرائيل تغدو فوق القانون الدولي ومحصنة من الرقابة والمساءلة الدولية.

ومثلها مثل جونسون، تؤيد ليز تراس بحماسة فكرة “بريطانيا العظمى” ما بعد بريكسيت (الخروج من الاتحاد الأوروبي). إلا أن انتهاك القانون الدولي لن يجدي نفعا في الترويج لهذه الماركة –كما أنه لن يساعد بريطانيا في إبرام اتفاق تجاري مع الولايات المتحدة، وهو الأمر الذي قيل إنه سيكون من أكبر منافع انتهاج سياسة خارجية مستقلة.

موقف البيت الأبيض

وكانت نية تراس، التي أعلنت عنها بشكل صريح عندما كانت تشغل منصب وزيرة الخارجية، بأنها ستقدم بشكل أحادي على شطب الاتفاق الذي أبرم مع الاتحاد الأوروبي حول شمال إيرلندا، قد وترت علاقاتها مع الرئيس الأمريكي جو بايدن لما رآه في ذلك من خطر داهم على اتفاق الجمعة العظيمة.

وبحسب الكاتب لن يروق للبيت الأبيض أن تقتدي بريطانيا بالنهج الذي سلكه ترامب، وتقوم بنقل السفارة البريطانية إلى القدس. فعلى الرغم من أن بايدن لم يتراجع عن نقل السفارة الأمريكية، إلا أنه اتخذ سلسلة من الإجراءات التي تحد من الضرر الذي سببه سلفه، وعاد للعمل مع الحلفاء من خلال الأمم المتحدة.

بدلا من إعادة النظر في مسألة مقر السفارة، فإنه ينبغي على الحكومة البريطانية إعادة تقييم علاقتها مع إسرائيل في ضوء الوقائع الحالية، حيث خلصت تقاريرثلاث منظمات حقوقية كبرى، إلى أن إسرائيل دولة فصل عنصري

ويشدد المؤرخ على أنه لا يمكن أخلاقيا الدفاع عن نقل السفارة البريطانية من تل أبيب إلى القدس، بل إن ذلك سيكون إجراء مشتبها من الناحية القانونية، وضارا من الناحية السياسية. وسيكون واحدا من أكثر الضربات البريطانية همجية لمشروع الدولة الفلسطينية منذ وعد بلفور. كما أنه سوف يشجع إسرائيل على الاستمرار في التصرف بحصانة من المساءلة والمحاسبة، وسوف يزيد من طغيانها.

ومن المؤكد أن إسرائيل وأنصارها في هذا البلد، سوف يرحبون بالإجراء، على الرغم مما سيسببه من إضرار بمكانة بريطانيا في العالم.

ويقول الكاتب إنه بدلا من إعادة النظر في مسألة مقر السفارة، فإنه ينبغي على الحكومة البريطانية إعادة تقييم علاقتها مع إسرائيل في ضوء الوقائع الحالية.

فخلال العامين الماضيين، خلصت تقارير صادرة عن ثلاث منظمات حقوقية كبرى، إلى أن إسرائيل أصبحت دولة أبارتايد (فصل عنصري).

وتوثق هذه التقارير لما تمارسه إسرائيل من تطهير عرقي، ومصادرة للأراضي، وهدم للبيوت، وتنكيل بالمدافعين عن حقوق الإنسان، واعتقال للقصّر، والتغاضي عن عنف المستوطنين.

ويختم المؤرخ بالقول إن الحقيقة المحزنة هي أنه منذ 1967، باتت إسرائيل مدمنة على الاحتلال. وإن الصديق الطيب لا يساهم في بقاء صديقه على إدمانه، بل يسعى لحمله على الإقلاع.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية