باريس- “القدس العربي”- آدم جابر:
في تقرير تحت عنوان: ابن سلمان “الشرس” الذي يلتهم مملكتَه، اعتبر موقعُ “ميديا-بارت” الإخباري الفرنسي، أنّ ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، ينتقل من فشل إلى آخر على الصعيد الدولي، في وقت يُصاحب فيه القمع الفظيع تدابيره الليبرالية على الجبهة الداخلية، مع بقاء مستقبل مشروعه الاقتصادي الطموح “رؤية 2030” مرهوناً بمستقبل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
“ميديا-بارت” قال إن ولي العهد السعودي قام بحرق العديد من أوراقه وأهدر الكثير من رصيده، وإن زمن صورة الأمير الشاب المنفتح التي روج لها قد ولّى، في ظل الخوف الرهيب الذي بات يثيره. فهو “شرسٌ حقاً”، كما وصفَه صحافيٌ يعمل لدى وسيلة إعلام سعودية طلب من الموقع الفرنسي عدم ذكر إسمه. هذا الأخير، أشار إلى أنه “يلتقي العديد من رجال الأعمال: الكل خائف… خائف من التحدث عبر الهاتف. خائف من الاستثمار. خائف من التعرض للاعتقال دون محاكمة”.
ولي العهد السعودي قام بحرق العديد من أوراقه وأهدر الكثير من رصيده، وزمن صورة الأمير الشاب المنفتح التي روج لها قد ولّى، في ظل الخوف الرهيب الذي بات يثيره
على الصعيد الاقتصادي، توقف الموقع الفرنسي، ذائع الصيت، عند دلالات تجميد مشروع طرح حصة نسبتها 5 في المئة من شركة النفط الوطنية السعودية “أرامكو’’ في سوق البورصة- وهو مشروع كان يمثل حجر الزاوية في خطة ولي العهد السعودي “رؤية 2030”- مشيراً إلى أن أسباب هذا القرار تبقى غير معلنة رسمياً، لكن مصادر سعودية مطلعة جداً أكدت لوكالة رويترز للأنباء أن: “قرار إلغاء الطرح اتُخذ منذ فترة، لكنه لا أحد يستطيع الكشف عن ذلك، لذا تمضي التصريحات تدريجيا في ذلك الاتجاه: أولا التأجيل ثم الإلغاء”.
وقد أكد مصدرٌ سعوديٌ لـ”ميديا-بارت” أن ابن سلمان “يتحقق كالمجنون لمعرفة من هم المسؤولون الذين أبلغوا وكالة رويترز للأنباء بهذا الأمر”.
هروب رأس المال
واعتبر “ميديا-بارت” أن هناك نوعاً من الضبابية وعدم الثقة يسود المشهد الاقتصادي السعودي الأحد، إذ يسيطر التردد والشك على البنوك العالمية التي كانت تسعى إلى التموضع في السعودية في إطار خطة “رؤية 2030”.
هذا التردد، عزاه بيير كونيسا، المتخصص في شؤون المنطقة، إلى عدم وجود محاسبة بأرامكو، أكبر شركة نفط في العالم والتي تمثل أكثر من 80 في المئة من عائدات الدولة، وهو ما يعكس- بحسه- حالة الفوضى التي تشهدها المملكة اليوم، والتي أدت إلى حالات هروب غير مسبوقة لرأس المال’’. ففعلاً، قد غادرت 64 مليار دولار من الأموال الخاصة البلاد في عام 2017 ، مقابل 55 مليار دولار في العام السابق، وذلك وفقاً لمعهد التمويل الدولي. ومن المتوقع أن تتكثف رحلة رأس المال هذه بسبب الابتزاز الذي يتعرض له الأمراء.
لكن السؤال يطرح نفسه بحسب الموقع الإخباري الفرنسي، هو من قرر تجميد طرح أسهم أرامكو في سوق البورصة ووضع خطة “رؤية 2030’’ لولي العهد محمد بن سلمان على المحك؟
رداً على هذا السؤال، نقل “ميديا-بارت” عن مصدر فرنسي، اعتباره أنه: “ربما كان هناك تحكيم للملك سلمان، مشيراً إلى أن خطة طرح أسهم أرامكو في سوق البورصة كان لها أيضا بعض المعارضين، أبرزهم وزير النفط خالد الفالح”.
ويبدو أيضا أن رئيس أرامكو نفسه كان مُعارضا للموضوع. ولكن باستثناء الملك سلمان بن عبد العزيز- البالغ من العمر 82 عاماً- لا يوجد أحد في موقف يَسمح له بمعارضة ولي العهد الشاب وزير الدفاع والمستشار الخاص للملك وأيضا رئيس مجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية (الهيئة التي تشرف على أرامكو)، يوضح الموقع الفرنسي.
المؤكد -يقول الموقع الإخباري الفرنسي- هو أن القرار يشكل ضربة قوية لمحمد بن سلمان، وهو مؤشر على وجود توتر كبير للغاية، جعل المستثمرين الأجانب الذين كان جذبُهم في طليعة أهداف “رؤية 2030’’ في حالة من “عدم اليقين”، كما يقول دافيد ريغولى-روز، مدير مجلة“Orients’’ الاستراتيجية.
“رجالات ابن سلمان يتصرفون كالبلطجية”
“ميديا-بارت”، لفت أيضا إلى أن الملك سلمان الذي يبدو مريضاً ومنهكاً، سمح لابنه بتنظيم عملية “تجريد” الأمراء في فندق ريتز كارلتون، والتي امتدت لتطال هذه المرة رجال الأعمال، إذ يقول مصدر سعودي إن: “رجال ولي العهد يتصرفون تماماً كالبلطجية، حيث يطلقون اتهامات من دون أي دليل ضد بعض الأشخاص بخصوص ممتلكات ليس لهم بها علاقة”. بينما لا تزال حسابات عائلة الملك السابق عبد الله بن عبد العزيز مغلقة.
الملك سلمان الذي يبدو مريضاً ومنهكاً، سمح لابنه بتنظيم عملية “تجريد” الأمراء في فندق ريتز كارلتون، ورجال ولي العهد يتصرفون تماماً كالبلطجية
لكن هذا القمع الذي يمارسه محمد بن سلمان ورجالاته، ليس فقط حكرا على الأغنياء في المملكة، بل إنه طال عشرات الصحافيين (50 ووفقاً لمنظمة السجناء البريطانية) وأساتذة الجامعات (40 وفق نفس المصدر)، و حاملي شهادة الدكتوراه (45) و القضاة والمحامين. وكان رجال الدين أوّل المستهدفين ولا يزال الضغط مشدداً عليهم. فقد تم مؤخرا إلقاء القبض على أحد أئمة الحرم المكي، ومن قبله العشرات من العلماء والدعاة، في مقدمتهم الشيخ سلمان العودة.
أما النساء السعوديات، فقد منحن بعض الحقوق، كالحق في القيادة وإمكانية الانخراط في الجيش، شريطة أن يكون لديهن تعليم متقدم وأن يكون الوصي عليهن يَسكن بالقرب من الثكنات… إلخ، ولكن ذلك لم يمنع ابن سلمان من سجن كل من طالبن بالمزيد من الحقوق للمرأة أو الناشطات اللواتي طالبن من قبل بمنح المرأة حق القيادة، وذلك لأن هذا الأخير يعتبر أنه هو وحده الذي يحق له منح الحقوق في السعودية. وبالتالي فإن هدفه من منح المرأة حق السياق، هو لأغراض اقتصادية لا أكثر. ومن هنا نرى الاعتقالات والتهديدات بالإعدام العلني، مثل تلك الموجهة إلى الناشطة الحقوقية إسراء الغمغام، يقول الموقع الإخباري الفرنسي.
ابن سلمان.. من فشل إلى آخر
على الصعيد الدولي، قال موقع “ميديا-بارت” إن محمد بن سلمان يتنقل من “فشل إلى فشل“، إذ تمثل الحرب التي أعلنها في اليمن في مارس/ آذار 2015 أولى انتكاساته الدبلوماسية والعسكرية. فقد تحول اليمن إلى مستنقع للسعودية وبات شعبها يطرح تساؤلات عديدة بشأن هذه الحرب، بعد أن أيدها في البداية باعتبار أنها “حرب حماية’’. كما أن هذه الحرب أضرت كثيراً بصورة المملكة على الساحة الدولية، بسبب القصف العشوائي الذي راح ضحيته الآلاف من المدنيين ودمر المدن والتراث اليمني.
الفشل الآخر لولي العهد السعودي، يتمثل في الحملة التي شنّها ضد قطر – بدعم من الإمارات العربية المتحدة – لعزلها دبلوماسياً وخنقها اقتصاديا. غير أنه فشل في الأمر. وشاهد العديد من الشركات الأجنبية وبعض الدول مثل تركيا أو هولندا تسارع إلى تقديم خدماتها إلى قطر.
والحلقة الأخيرة من هذه الحصار الذي أثبت فشله، هو تخطيط الرياض منذ أبريل/ نيسان الماضي لحفر قناة من شأنها أن تحول شبه الجزيرة القطرية إلى جزيرة، وهو مشروع يبدو بعيداً عن الواقع.
حتى في إيران – يتابع الموقع الإخباري الفرنسي- فإن الحملة التي أطلقها ابن سلمان لم تسفر عن الكثير، إذ إن السعوديين كانوا يأملون من الحليف الأمريكي القيام بما هو أكثر من الانسحاب من الاتفاقية النووية وإعادة فرض العقوبات. وهو ما لم يحصل.
لكن مستقبل ولي العهد السعودي يُلعب أيضاً على مسرح آخر: المسرح الأمريكي. فهو ( مستقبل ابن سلمان) مرتبط للغاية بمستقبل دونالد ترامب وصهره جاريد كوشنير، وذلك بسبب الوضع شبه “التكافلي” الذي نشأ بين الإدارة الأمريكية الحالية والحكم السعودي الجديد، كما ينقل “ميديا-بارت” عن دافيد ريغولى-روز، مدير مجلة “Orients” الاستراتيجية.
وفي الانتظار، ينتقل محمد بن سلمان من “شعبة مرجانية” إلى أخرى -بالمعنى الحقيقي وكذلك المجازي- يختتم موقع “ميديا-بارت”، مشيراً إلى تعرض يخته “سيرين” الذي يعد أحد أكبر اليخوت في العالم- اشتراه ابن سلمان في عام 2014 من الروسي يوري شيفلر مقابل 330 مليون دولار- لحادث بالقرب من جزيرة صنافير، حيث اصطدم بالشعب المرجانية القريبة من الجزيرة، مما تسبب بأضرار جسيمة في هيكله. وقد فعل ولي العهد السعودي كل شيء لضمان عدم الكشف عن اسم اليخت، ولكنه فشل أيضا في ذلك، بحسب الموقع الفرنسي دائما.