الدوحة ـ «القدس العربي»: تتجه الأنظار نحو الإمارات العربية المتحدة، لسبر موقفها الحقيقي من تطورات الأحداث في اليمن، والتوافقات التي حدثت في الرياض.
ومنذ إعلان الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي، تشكيل مجلس قيادة رئاسي ونقل إليه جميع صلاحياته، طرح المراقبون تساؤلات عن الموقف الحقيقي لأبو ظبي، التي تمتد أذرعها في الجارة الجنوبية للسعودية.
رسمياً أعلنت الإمارات دعمها الكامل لمجلس القيادة الرئاسي، والهيئات والجهات المساندة له، لتمكينه من ممارسة مهامه وإنهاء الأزمة اليمنية، وتحقيق الأمن والاستقرار في اليمن.
لكن المتابعين للملف والعارفين بخبايا تحركات أبو ظبي، توقفوا أمام فقرة وردت في خطاب وزارة خارجيتها.
حيث جددت الإمارات في البيان، «التزامها بالوقوف إلى جانب الشعب اليمني الشقيق ودعم طموحاته وتطلعاته».
ويرى كثيرون أن تطلعات الشعب اليمني في حسابات أبو ظبي، تتعلق أساساً في طموحاتها جنوب البلاد، حيث تدعم الفصائل والقوى الانفصالية.
ومنذ بداية التحالف العربي في اليمن الذي تقوده السعودية، 26 مارس/آذار 2015 عملياته العسكرية، كان واضحاً تأثير الإمارات على المشهد في البلد الذي أنهكته الحروب.
وأبرزت صحيفة «واشنطن بوست» الأمريكية، في تحليل نشرته، النفوذ الإماراتي المتعاظم حتى آخر لحظة في اليمن، من خلال إدارتها لعدد من القيادات المحلية.
وقدمت الصحيفة تحليلاً لبيتر سالزبوري، الخبير اليمني في مجموعة الأزمات الدولية، الذي وصف نقل السلطة بأنه «التحول الأكثر أهمية منذ بدء الحرب».
وتكشف تركيبة أسماء مجلس القيادة الرئاسي المعلن عنه مؤخراً، البصمات الإماراتية في التشكيل.
ويضم المجلس الجديد عدداً من الأسماء المحسوبة على أو المقربة من الإمارات، أو التي لا تخفي ولاءها لأبو ظبي.
ومن أبرز الأسماء، عيدروس الزبيدي رئيس «المجلس الانتقالي الجنوبي» أكثر القوى الجنوبية نفوذاً والمنادي بالانفصال. ومعروف عن هذه الشخصية المحورية التي يضمها المجلس، أنه مقرب جداً من الإمارات.
كما يحسب العضو المحوري الآخر في المجلس، طارق صالح نجل شقيق الرئيس اليمني الراحل علي عبد الله صالح، الذي اغتاله الحوثيون في 2017 على الإمارات.
يضاف للقائمة محافظ مأرب سلطان العرادة، وهي المحافظة الشمالية الغنية بالطاقة التي يحاول الحوثيون منذ أكثر من عام التقدم نحو مركزها.
كما يضيف مراقبون للائحة مجلس القيادة الرئاسي المشكل، المقربين من أبو ظبي، عبد الرحمن أبو زرعة، وهو قائد كتائب العمالقة المدعومة من الإمارات، والتي لعبت دورًا مهمًا مؤخرًا في صد هجوم الحوثيين على مدينة مأرب وسط البلاد.
عدن والجنوب محمية إماراتية
يرى مراقبون أن البصمة الإماراتية واضحة في عدن جنوبي اليمن، والتي تتمتع فيها بنفوذ قوي.
وتشير قراءات أن الإمارات ستلعب أوراقها في المرحلة المقبلة لتحقيق مصالحها في المشهد اليمني الجديد الذي يتم تشكيله على أرض الواقع.
وبشكل منفصل، أصبحت عدن مسرحًا للاقتتال الداخلي بين التحالف عندما استولى الانفصاليون على المدينة لفترة وجيزة في عام 2019. وحاول اتفاق بوساطة الرياض في وقت لاحق من ذلك العام التوفيق بين الانفصاليين وقوات هادي، لكن الصراع على السلطة استمر.
كما أنه حتى مع الاتفاق الموقع في الرياض، كانت أبو ظبي تعزز من نفوذ حلفائها ميدانياً. كما تم تقويض حكم هادي بسبب نفوذ الإمارات في المناطق التي كانت اسمياً تحت سيطرته. وكانت الإمارات حسب تقارير عدة، تدرب، وتسلح ميليشيات في اليمن وأقامت السجون. وهي معلومات وثقتها العديد من المنظمات التي أبرزت النفوذ الإماراتي المتعاظم جنوب اليمن، وحول عدد من الموانئ الاستراتيجية في البلد.
ويرى مراقبون ومحللون أن الإمارات ما تزال تنظر بعين الريبة لتشكيلة مجلس القيادة اليمني، مع وجود عناصر قريبة منها.
وتتعلق المخاوف الإماراتية أساساً من وجود قيادات قريبة أو محسوبة على تيار الإخوان المسلمين الذي تعاديه أبو ظبي.
شماعة الإخوان
وتتخذ أبو ظبي من «محاربة الإخوان» ذريعة لتبرير سياساتها وتدخلها في البلد الممزق بين الحوثيين شمالاً، والانقلابيين المدعومين منها جنوباً. واتهم وزير يمني، في وقت سابق، الإمارات باتخاذ حزب «الإصلاح» ذو التوجه الإسلامي شماعة لتنفيذ مخططات خاصة بها في اليمن.
وتتناغم تصريحات المجلس الانتقالي بإنه يخوض صراعاً مع مكون الإصلاح داخل الحكومة والجيش مع الإدعاءات الإماراتية.
وترى مجموعة الأزمات الدولية، أن المجلس الانتقالي الجنوبي، المتحالف على نحو وثيق مع الإمارات العربية المتحدة، يشاطر أبو ظبي كراهيتها للإخوان المسلمين، الذين تربطهم بالإصلاح صلات تاريخية.
وحسب تحليل نشرته المجموعة، يخلط المجلس الانتقالي الجنوبي الإصلاح والإخوان بجماعات جهادية مثل القاعدة في شبه الجزيرة العربية. وسعى المسؤولون الحوثيون إلى دق أسفين بين السعودية والمجلس الانتقالي الجنوبي، مدّعين أن السعوديين يحاولون بناء قوات «تكفيرية» أو سلفية جهادية خاصة بهم لمنافسة المجلس الانتقالي الجنوبي في المناطق التي يسيطر عليها المجلس.
وسعى المجلس الانتقالي الجنوبي إلى استغلال الفوضى التي تسببت بها المكاسب الحوثية في البيضاء. فأعلن في وقت سابق، رئيس المجلس عيدروس الزبيدي قانون الطوارئ في جنوب اليمن، ومنح قوات الأمن المتحالفة مع المجلس صلاحيات أكبر في الاعتقال. واعتبر مسؤولون حكوميون أن منح تلك السلطات، ليس من صلاحيات الزبيدي، والتي يرون فيها آخر حلقة في سلسلة من انتهاكات اتفاق الرياض.
وقبل التوصل لتفاهمات الرياض الأخيرة (نيسان/أبريل 2022) دعا مسؤولو المجلس الانتقالي الجنوبي الوحدات العسكرية المرتبطة بالحكومة في أبين، إلى التنحي جانباً وترك قوات المجلس تدخل المحافظة للدفاع ليس عن مأرب بل عن جنوب اليمن، حيث يريد المجلس استعادة جمهورية مستقلة. رداً على ذلك، يحمّل بعض المسؤولين الحكوميين والمقاتلين المحليين المجلس المسؤولية عن نجاح الحوثيين في البيضاء، متهمين الانفصاليين بأنهم أعاقوا عمداً تقدم الحكومة إلى البيضاء من الجنوب في حزيران/يونيو 2021. البعض يذهب حتى إلى اتهام المجلس الانتقالي الجنوبي بالتواطؤ مع الحوثيين، وذات أسهم الاتهامات توجه للإمارات.
سوابق إماراتية
ينطلق المحللون للشأن اليمني، في إبراز الدور الإماراتي في اليمن، من سوابق وشواهد كثيرة. وكانت الإمارات تلعب لصالحها ولمصلحتها، وتسعى وراء مكاسب استراتيجية في اليمن.
ومؤخراً فقط نشبت بحسب تقرير لمجموعة الأزمات، حرب كلامية بين مسؤولين حكوميين وقادة من مدينة تعز، من جهة، وطارق صالح، الذي كان حليفاً للحوثيين فيما مضى، وابن شقيق الرئيس السابق علي عبد الله صالح، الذي يقود قوات مدعومة إماراتياً تواجه الحوثيين على ساحل اليمن على البحر الأحمر، من جهة أخرى.
ويشك بعض قادة تعز أن صالح مهتم بالسيطرة على تعز أكثر من اهتمامه بهزيمة الحوثيين. كما يردد مسؤولون حكوميون كبار نفس الشكاوى، ويجادلون بأنه ينبغي على صالح إعادة فتح جبهة البحر الأحمر والتحرك على ميناء الحديدة الذي يسيطر عليه الحوثيون، حيث أوقف اتفاق بوساطة من الأمم المتحدة هجوماً وشيكاً في عام 2018.
بالمقابل يرى مراقبون أن الإمارات خسرت إلى حد كبير رهاناتها في اليمن. ويستدلون لتأكيد الأمر إدراج أعضاء من حزب الإصلاح الإسلامي الرئيسي في اليمن، والذي تنظر إليه الإمارات بريبة، وهو يدل على أن الإمارات لم تحتكر تشكيل المجلس، بحسب أنصار هذه النظرية.
أحد أعضاء الإصلاح هو محافظ حضرموت، وهي محافظة كبيرة غنية بالنفط نجت إلى حد كبير من عنف الحرب الأهلية، إضافة إلى شيخ من محافظة صعدة مسقط رأس الحوثيين وعضو في مؤتمر الشعب العام، الحزب الحاكم السابق.
مقابل التشكيك في دور الإمارات في المشهد اليمني الأخير من قبل بعض المحللين، إلا أن وقائع عديدة تستبعد هذه النظرية.
وتذهب تقارير دولية، إلى أن الأطماع الإماراتية قد لا تكون جميعها ظاهرة وبينة. وترى أن أيدي أبو ظبي مستترة في الكثير من الأحيان، وتتحرك في كل الاتجاهات، للتمدد في المحافظات الجنوبية في اليمن.
وتستند شيفرة الإمارات في اليمن على تحركات الانفصاليين، والمجلس الانتقالي في تحد صارخ للقرارات السعودية.
إزاحة هادي
ويمكن الاستدلال باستمرارية نفوذ أبو ظبي في اليمن، تحقق أحد أبرز طموحاتها السابقة وهي تهميش عبد ربه منصورهادي.
والإستراتيجية الإماراتية في اليمن كانت تراهن على تهميش الحكومة الشرعية، ومصادرة صلاحياتها، والحيلولة دون اضطلاعها بمهامها، حتى تمنح الفرصة لوكلائها للتدخل. وتؤكد هذه الإستراتيجية ما كشف عنه الناطق الرسمي باسم حزب الإصلاح في اليمن علي الجرادي، من وجود توجهات ومخططات دولية لإنهاء دور الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي من المشهد السياسي اليمني.
وصرح الجرادي في وقت سابق، بوجود «توجهات جديدة تحيكها قوى دولية وإقليمية، لإنهاء دور الرئيس هادي، واستبداله بصيغة توافقية جديدة من شأنها تقسيم اليمن جغرافيا ومذهبيا بعيدا عن الشرعية».
وتهدف هذه الترتيبات لإفقاد الشرعية، المشروعية الدولية بصيغة جديدة تتجاوز قرار مجلس الأمن 2216 وتتضمن تشكيل ما يشبه نظام الحكم الفدرالي- كانتونات على الأرض، وحكومة في منطقة خضراء- بحيث يصبح كل فصيل مسيطراً على ما لديه حالياً.
وشرعت الإمارات، خلال الفترة الماضية، العمل على هذا المخطط بشكل جدي، وذلك من خلال بناء تحالفات سياسية جديدة تعمل ضد الحكومة الشرعية، والتهيئة لهذه الخطوة من خلال التصعيد الإعلامي الواسع، والتحرك الدبلوماسي غير المباشر ضد الشرعية والجيش الحكومي وبقية الأحزاب الوطنية.
ومنذ تدخّلها العسكري في الحرب اليمنية، ضمن التحالف العربي آذار/مارس 2015 لم تترك أبو ظبي وسيلة إلا واستخدمتها لتعزيز نفوذها على حساب الحكومة اليمنية، التي باتت عدوها الأول. وتركز إمكاناتها على تشكيل جماعات موازية للشرعية تعمل على تنفيذ مشروعها الذي تجلّت أبرز صوره بالانقلاب الذي نفذه أتباع أبو ظبي في المجلس الانتقالي الجنوبي على سلطة الرئيس عبد ربه منصور هادي في العاصمة المؤقتة عدن.
وعملت الإمارات في كل مرحلة من الصراع على تغيير وتطوير أدواتها التي لم تعتمد فقط على تعزيز وجود ودعم جماعات مسلحة خارج سلطة الشرعية اليمنية، بل أيضاً عرقلة تحرير بعض المناطق من سيطرة الحوثيين لأهداف خاصة.
موازين القوى ميدانياً
يرى مراقبون أن الإمارات ستسعى جاهدة خلال المرحلة المقبلة على الاحتفاظ بكل أوراقها في اليمن.
وتعول أبو ظبي على الكيانات التابعة لها والتي أنشأت بعضها، لتكون غطاء لتلك الميليشيات، على غرار، «المجلس الانتقالي الجنوبي» لتنجح في بسط سيطرتها عبر هذه الأدوات على أغلب مناطق جنوب وشرق اليمن، بل تحوّلت هذه السيطرة إلى احتلال إماراتي مكتمل الأركان.
وتتحكّم أبو ظبي في كل شيء في المناطق المحررة، بما في ذلك منع هادي وأركان حكومته من العودة إلى اليمن، بعدما أحكمت قبضتها على منافذ البلاد البرية والجوية والبحرية، ومناطق الثروة.
وستتضح خلال الفترة المقبلة إمكانات مجلس القيادة الرئاسي المشكل في فرض هيمنته في اليمن، أمام تمدد أذرع الإمارات.