موقف الحكومات العربية بعد حرب لبنان
د. يوسف نور عوضموقف الحكومات العربية بعد حرب لبنانأتعرض في البداية إلي التصريح الذي نسب إلي العقيد معمر القذافي والذي عرض فيه وساطته بين الولايات المتحدة وكوريا الشمالية. وهي وساطة يريد بها القذافي أن يدعم موقفه كرجل سلام تعتمده الولايات المتحدة في حل بعض مشكلاتها. ولكننا نعرف أن الوساطة بين المتخاصمين تعني تقريب شقة الخلاف بينهما، وهو ما لم يهتم به القذافي الذي أعلن قبل قبول وساطته أنه يريد من كوريا الشمالية أن تتخلي عن برنامجها النووي ما يعني أن تقدم كوريا تنازلا مجانيا للولايات المتحدة، ويحدث ذلك في وقت لا يسلم فيه عاقل بأن كوريا الشمالية مستعدة لأن تتخلي عن برنامجها النووي من أجل إرضاء الولايات المتحدة ناهيك بأنها أعلنت بالفعل أنها تمتلك السلاح النووي.والسؤال المهم هو ما الذي يجعل القذافي يتقدم لمساعدة الولايات المتحدة؟ الإجابة ببساطة هي أن القذاقي لا يختلف عن الزعماء العرب الذين رفعوا الراية البيضاء وصاروا يقدمون خدماتهم المجانية للولايات المتحدة التي لا تقدر مثل هذه المبادرات التي تأتي دائما ضد مصالح الشعوب وخاصة العربية التي تصحو في كل يوم علي موقف أمريكي ينتقص من سيادتها الوطنية، ولا أعتقد أن القذافي يجهل أن الولايات المتحدة تقف في الخط المعادي للأمة العربية وال اتحفظ الجميل لأحد وأن مجرد التفكير في إخراجها من مآزقها يعتبر عملا مضادا لمصالح الأمة العربية.وليس القذافي وحده الذي يتخذ مواقف تدعو إلي الإستغراب فقد رأينا كثيرا من الدول والجماعات التي التزمت الصمت خلال حرب لبنان الأخيرة ـ مع اسرائيل ـ تتحرك من أجل تجيير المشهد اللبناني لخدمة أغراضها، فقد رأينا الرئيس السوري بشار الاسد في باديء الأمر يصف بعض القادة العرب بأنهم أنصاف رجال ورأينا قادة لبنانيين مثل وليد جنبلاط وسعد الحريري ينتقدون الرئيس بشار الاسد وهو موقف يعيد المشهد اللبناني إلي المربع الأول وكأن حزب الله لم يسجل انتصارا يستحق عليه الإشادة.وأما الجامعة العربية فقد كان موقفها أيضا غريبا إذ خرجت علينا ببيان يقول إن ثلاث دول هي المملكة العربية السعودية ومصر والأردن ستتقدم بمشروع نيابة عن الأمة العربية إلي مجلس الامن تطالب فيه بإحياء عملية السلام التي أعلنت في وقت سابق أنها قد ماتت. وكان بيان الجامعة العربية غريبا لأنه حصر المشروع في ثلاث دول لم تتخذ موقفا مناهضا لإسرائيل ولامت حزب الله علي حربه معها. كما أن هذه الدول الثلاث في هذه المرحلة لا تمثل الإرادة العربية وينظر الكثيرون إلي مواقفها السياسية بغير قليل من الشك، فهل تريد هذه الدول أن تحقق لإسرائيل والولايات المتحدة ما عجزتا عن تحقيقة باستخدام وسائلهما العسكرية؟الإجابة هي التأكيد لأنه بعد صدور القرار1701 بدأنا نسمع من جديد مواقف جون بولتن الذي دعا بصورة واضحة إلي تجريد حزب الله من سلاحه وهو موقف لم يجمع عليه المجتمع الدولي من خلال قرار مجلس الأمن السابق. ولا شك أن هذا هو الموقف الاساسي للولايات المتحدة التي لم تكن تعتزم احترام القرار بل أرادته مجرد وسيلة لحفظ ماء وجه اسرائيل بعد هزيمتها العسكرية. وهذا موقف يتكرر وقد مارسته الولايات المتحدة في كثير من القرارات التي وجدت نفسها مجبرة علي الموافقة عليها.وإذا تجاوزنا المواقف الرسمية للحكومات العربية وهي مواقف تتطابق في معظمها مع المواقف الأمريكية والإسرائيلية حتي لوكانت ضد مصالح الشعوب العربية، فإننا نجد المواقف الشعبية تختلف كثيرا. فقد اصبحت الشعوب العربية بعد حربي العراق ولبنان مقتنعة بان الولايات المتحدة لا تستطيع أن تحقق أهدافها بواسطة القوة العسكرية. وذلك علي الرغم من أن الحكام العرب يجتهدون في إعلام شعوبهم أن الولايات المتحدة هي أعظم قوة في العالم. وذلك منطق لم تعد تقبله الشعوب الحية التي أدركت أن القوة العسكرية وحدها غير قادرة علي تحقيق الأهداف عي الرغم مما تحدثه من دمار هائل. وهناك شواهد كثيرة علي ذلك منها هزيمة الولايات المتحدة في فيتنام وهزيمة اسرائيل الأخيرة في لبنان.ولكن هل الأمر يقتصر علي دور الولايات المتحدة في هــــذه المنطقة؟الإجابة لا، لان اسرائيل والولايات المتحدة ليستا وحدهما اللتان تقفان في وجه المصالح العربية بل تتضامن معهما أيضا معظم الحكومات العربية التي تتخذ مواقف واضحة ضد شعوبها وقد أتيحت لي خلال هذا الاسبوع حضور ندوة في الجمعية السودانية لحقوق الإنسان حول إصلاح القوانين وكان الموضوع هو قانون الأمن الوطني السوداني في الدستور الإنتقالي وظللت خلال ساعتين أتابع الحوار وأنظر بدهشة إلي اولئك الذين لم يروا في قانون الأمن الوطني قانونا لأمن الدولة يركز علي الكيفية التي يحفظ بها النظام أمنه من خلال الرقابة والمتابعة والتنصت دون أن يكون هناك أي اهتمام بأمن المواطن في مجالات الضمان الإجتماعي والتعليم والصحة وكل تلك مجالات انتكست في السودان بدرجة كبيرة بل لم يتنبه أحد إلي أن القانون موضوع النقاش وضع في دستور انتقالي في القرن الحادي والعشرين بينما استقل السودان في منتصف القرن العشرين.ولا يعتبر السودان في ذلك حالة شاذة لان معظم الدول العربية تسيطر عليها حكومات لا تقيم اعتبارا لتحقيق العدالة أو فرض نظام الدولة المتعارف عليه في النظم الحديثة، وقد رأينا في الأيام الماضية حادثة القطار المصري التي بدأت السلطات في معالجتها بوسائل تقليدية وبدلا من أن تستجيب للمطالب الشعبية بإقالة وزير المواصلات رأينا الحكومة تجعل من مدير الهيئة كبش فداء وهذا هو الاسلوب الذي تمارسه السلطات العربية في الظروف المماثلة.ولا شك عندي أن غياب نظام الدولة الحديثة في العالم العربي هو المسؤول عن الفساد وكل ما يحدث في العالم العربي ولا نعني بالدولة الحديثة السلطة فقط بل النظام العصري الذي تقوم عليه السلطة. ويبدو ذلك في غياب النظم الإقتصادية والمصارف التي تستند إلي اسس علمية ذلك أن السائد في العالم العربي قرارات عشوائية في مجال الإقتصاد تخدم مصالح فئات قليلة بينما تلقي مسؤوليات جسام علي الفقراء من خلال الضرائب المرهقة والروتين الممل وضياع الحقوق بعد تخفيض أسعار العملات وسرقة الأموال من خلال اسهم تباع وتشتري في بورصات وهمية لا تستند إلي نظام إقتصادي حقيقي كما تفتقر الدول العربية إلي النظم العدلية التي تستخلص بواسطتها الحقوق.ولكننا ندرك مع ذلك أن العالم العربي وصل إلي نهاية الشوط بسبب الزيادات الكبيرة في أعداد السكان ونزوح الكثيرين من القري إلي المدن وزيادة الإحساس بفقدان الأمل في نظم تأخذ من الناس الكثير ولا تعطيهم إلا القليل. وهي نظم فقد الناس الثقة بها ويرجح أن لحظة الإنفجار ستكون قريبة وحاسمة وذلك ما حفز كثيرا من الحكومات العربية إلي الهرولة إلي ركوب ما ظنته سفينة نجاة أمريكية اسرائيلية من اجل الإستمرار باساليب قديمة وبالية. وهي في هذه الهرولة تتنازل عن الحقوق العربية وتضحي بمتطلبات السيادة الوطنية ومن المؤسف أن تكون مصر قي مقدمة هذا التيار وبدلا من أن تمارس دورها القيادي في العالم العربي فهي تتحالف مع الأمريكيين والإسرائيليين ضد مصالح الأمة العربية مضحية حتي بتحرير أرضها في سيناء التي تزعم أنها حررتها من يد الغاصبين الإسرائيليين مع أن مصر حتي اليوم غير قادرة علي التحكم في سيناء بشكل كامل ويحظر عليها أن تدخل جنودها إلي المنطقة..ويخطئ أمثال هؤلاء القادة إذا ظنوا أن معركة العرب مع اسرائيل قد انتهت أو أنها حسمت لان المعركة مستمرة ولم تقتنع حتي الآن الولايات المتحدة أو اسرائيل بأن هناك طريقا للسلام لأن كل ما يصدر عن هاتين الدولتين هو احتقار واستهانة بالحكومات العربية ويظهر ذلك بشكل واضح في الموقف من سورية وإيران والسودان. وهو موقف لا يفسر إلا من خلال نظرية التوسع الإسرائيلية المدعومة بالمساندة الأمريكية ولكن حرب لبنان الاخيرة غيرت الصورة تماما وبعثت روح المقاومة من جديد ولأجل ذلك تحاول الولايات المتحدة دفع حلفائها من الحكومات العربية لتبني مشروعات ضد المصالح العربية حتي تكون أكثر قبولا عند العرب، ومن المخجل أنه بعد الإنتصار الكبير الذي حققه حزب الله في مواجهة اسرائيل تخرج علينا الجامعة العربية بموقف هزيل يدور حول استئناف عملية السلام التي ترفضها اسرائيل جملة وتفصيلا. وكان الموقف الصحيح هو أن تتعالي روح التحدي ضد اسرائيل من أجل تحقيق المصالح العربية لا أن تتخاذل الحكومات العربية أمامها وكأنها لم تهزم في معركتها ضد حزب الله.ومؤدي قولنا ان مواقف الحكومات العربية المتخاذلة ليست نهاية المطاف فقد أحيت المواجهة الأخيرة الأمل في أن المعركة النهائية والحاسمة مع اسرائيل هي مسألة وقت إذا لم يسارع المجتمع الدولي إلي إيجاد حل عادل للقضية الفلسطينية. وإذا لم تتفهم الحكومات العربية إرادة شعوبها. 9