كان السودان بعد نهاية الحكم البريطاني بلدا واعدا بكل ما تحمله هذه الكلمة من معنى، ذلك أن الإنكليز وضعوا الأسس الصحيحة لقيام دولة حديثة تتميز ببنيتها الأساسية السليمة خاصة في نظام المواصلات والنظام الإداري، وكذلك النظام التعليمي وتدريب المعلمين، وقد أسس الإنكليز مشاريع زراعية واسعة، كما خلفوا مئة مليون رأس من الماشية إلى جانب وضع الأساس الإداري المتمثل في نظام المديريات وذلك من أجل قيام بلد متماسك تساعد في بناء الوحدة الجغرافية التي هي أقوى من الوحدة السياسية..
غير أنه بعد خروج الإنكليز فشل السودان في إقامة نظام سياسي متطور بكونه خضع للزعامات الطائفية والقبلية والأيديولوجية التي تركز اهتمامها على الوصول إلى السلطة دون اهتمام بإقامة نظام الدولة الحديثة، وكان هذا الاتجاه بسبب فقر في الخبرة السياسية الكاملة، ذلك أن معظم السياسيين لم يكونوا يعرفون حتى تلك المرحلة ما يعنيه نظام الدولة، وكان جل تركيزهم على نظام الحكومة، أما الأنظمة العسكرية التي حكمت معظم الفترة منذ الاستقلال، فكانت تعيش تحت وهم الأفكار الأيديولوجية التي تبيع للناس الشعارات دون أن يكون لديها التصور السليم لما تريد أن تحققه.
ويعتبر نظام الإنقاذ الذي يحكم البلاد الآن ومنذ عام ألف وتسعمئة وتسعة وثمانين نظاما فريدا في هذا المجال، ذلك أنه خلال أكثر من اثنين وعشرين عاما في الحكم لم يستطع حتى الآن أن يبلور نظاما يقوم على أفكاره الإسلامية المعلنة، وهو الآن يبحث عن وضع دستور جديد تشارك فيه أحزاب المعارضة التي لا تتبنى أفكار النظام، ما يعني أن هذا النظام لا يفكر الآن إلا في الاستمرار في الحكم ولا يفكر في تطبيق أيديولوجيته التي لم تتضح معالمها بعد.
ولا شك أن مثل هذا التحول سببه سياسات النظام التي أدت إلى انفصال جنوب السودان والتي قد تؤدي إلى أوضاع مماثلة في أقاليم أخرى، على الرغم من الآثار السلبية التي قد تحدث في الأقاليم المنفصلة، وقد ظهر أنموذج ذلك عندما توقفت المشاركة النفطية بين جنوب السودان ودولة الشمال، الأمر الذي أدى إلى نقص حاد في دخل البلاد من العملات الصعبة، وجعل الحكومة تفكر مباشرة في زيادة أسعار المحروقات ،وكان ذلك هو القرار الذي انعكس على السوق الذي ظل يعاني أصلا من التضخم و أصبح الآن في وضع لا يحتمله المواطنون وهو ما جعل جماهير الشعب تخرج في مظاهرات عامة تصدت لها قوات الشرطة والجيش بعنف ما خلف كثيرا من القتلى والجرحى وجعل الجماهير تغير شعاراتها داعية إلى إسقاط النظام أسوة بثورات الربيع العربي التي كان الرئيس البشير قد قال إنها لن تصل إلى السودان، ولدى الإحساس بالخطر قامت مجموعة من قيادات الحزب الوطني الحاكم بتقديم مذكرة إلى الحكومة تطالب بإنهاء العنف وعدم قتل المواطنين لكن التلفزيون الرسمي ظل يهاجم المتظاهرين وينكر أعداد القتلى التي تؤكدها كثير من وكالات الأنباء الأجنبية العاملة في السودان على الرغم من الحصار الذي تواجهه هذه الوكالات.
ويبدو واضحا بعد هذا التطور أن نظام الحكم لا يريد أن يعيد النظر في أمره بعد هذه الفترة الطويلة من الحكم بحيث يتساءل إن كان هناك أي نظام دولي أو شرعي يتيح لأي جماعة أن تقبض على السلطة وتمارسها مثل هذه المدة الطويلة ولا تفكر مطلقا في التغيير الذي يؤدي إلى المشاركة الوطنية الشاملة، وهو تغيير يوفر الظروف الملائمة للأفكار الجديدة التي قد تحقق الإبداع وتحسن ظروف الموطنين حتى لا يواجهوا مثل هذه الأحوال التي يواجهها السودان في الوقت الراهن..
وأعتقد أنه من المناسب هنا أن نرسم صورة لما حدث في السودان بكون ذلك سوف يوضح الفجوة الشعبية القائمة بين النظام وجماهير الشعب .بحسب تقديرات المراقبين.
تقول الأخبار الواردة من السودان، إن مظاهرات هادرة خرجت في ضاحية ‘بري’ في الخرطوم هتفت بسقوط النظام، وطالبت بإطلاق سراح المعتقلين، وكانت تظاهرات سلمية غير أن قوات النظام بحسب وكالات الأنباء هاجمت تلك المظاهرات التي بدأت بعد تأبين السنهوري الذي قتلته القوات في إحدى التظاهرات، وقد تكرر المشهد نفسه في تظاهرة ‘بري’ حيث قامت قوات النظام بقتل مواطن آخر.
ولم تقتصر التظاهرات على منطقة ‘بري’ وحدها، بل خرجت مظاهرات مماثلة في مدينة كوستي تهتف ‘مادايرنك مادايرنك ملكة جانسي أحسن منك’ وجانسي هو مسلسل هندي، كذلك تواصل الأمر في مدينة ‘بورتسودان’ حيث كانت ردود السلطة مماثلة لما حدث في مدن أخرى، والغريب أن وسائل الإعلام لا تدرك حتى الآن أن جماهير الشعب تعرف ما تقوم به وبالتالي فإن الأخبار الإعلامية غير الصحيحة لم تعد تلقى قبولا من المواطنين خاصة عندما تكون منافية للواقع الذي تعيشه جماهير الشعب.
وفي حوار أجراه الإعلامي ‘صلاح شعيب’ مع الأمين العام للحركة الشعبية قطاع الشمال ‘ياسر عرمان’، قال ‘عرمان’ إن ‘الجبهة الثورية’ التي هي إحدى فصائل المعارضة جاهزة لدخول الخرطوم إذا طلب منها ذلك، وقال إن ذهاب الإنقاذ سيوفر سبعين في المئة من ميزانية البلاد تنفق على الحرب في أقاليم السودان المختلفة، وسيبعد ذلك بالتالي الضائقة المالية عن معظم سكان البلاد..
وكانت مبادرة نداء الإصلاح والنهضة التي تسمى ‘سائحون’ قد لخصت الأزمة الاقتصادية بأنها جزء من الأزمة السياسية الشاملة، بسبب أحادية الحكم وانفراده بالقرار دون مكونات الشعب السوداني الأخرى، وترى ‘سائحون’ أن أي محاولة لإصلاح الوضع الاقتصادي ستكون وقتية ولن تغير الواقع بسب غياب الرؤية السياسية الشاملة في البلاد في ظل نظام الحكم القائم، وقالت ‘سائحون’ إن الخطوة الأولى لإحداث تطور في السودان، هي تكوين حكومة انتقالية ذات طابع قومي تشارك فيها سائر القوى الوطنية، ويتبع ذلك تغير أخلاقي وسياسي واجتماعي لفكرة العدالة، ويشتمل ذلك على معاني المساءلة والمحاسبة والتعافي، وطالبت ‘سائحون’ المجتمع السياسي بمواصلة التظاهرات السلمية من أجل إحداث التغير في النظام الذي تدار به البلاد.
وقال ‘مالك عقار’ رئيس ‘الجبهة الثورية’ إن السودان تعرض للقهر والإذلال وبيوت الأشباح على مدى ربع قرن من الزمان وحان الآن أوان التغيير، وهو يرى أن التغيير يكمن أساسا في إسقاط النظام.، وقال ‘عقار’ في ذلك، إن النظام اتبع سياسة فرق تسد التي مزقت الشعب، ومع ذلك فإن، لا يدعو إلى مواجهات حادة ضد النظام بل يطالب بأن تكون تحركات الجماهير المستهدفة إسقاط النظام ذات طابع سلمي.
أما أحمد حسين أمين العلاقات الخارجية لحركة العدل والمساواة فلا يتبع الخط السلمي وينادى بالقصاص لمن يسميهم شهداء الحركة في سائر المواجهات التي خاضتها حركته في مختلف أقاليم السودان، وبالإضافة إلى ذلك حدد ‘حسين’ أجندة سياسية واضحة وتشمل هذه الأجندة ما يلي:
أولا: مناشدة المجتمع الدولي بان يعقد جلسة خاصة لمجلس الأمن لمناقشة الوضع في السودان واتخاذ الإجراءات المناسبة لحماية المواطنين في البلاد. الذين تحصد الحكومة أرواحهم في الوقت الحاضر بالذخيرة الحية بحسب رأيه.
ثانيا:العمل على تجميد عضوية نظام الإنقاذ في الأمم المتحدة.
ثالثا:التحقيق في كل ما جرى في السودان
رابعا: مطالبة المنظمات الدولية مثل الاتحاد الأفريقي والجامعة العربية بالقيام بدورها.
خامسا: مطالبة مجلس الأمم المتحدة لحقوق الإنسان في جنيف باتخاذ القرارات المناسبة لحماية المواطنين العزل في السودان.
ويبدو من كل ما عرضناه أن هناك أزمة حقيقية في السودان، وأن هذه الأزمة لا يمكن أن تحل بالمواجهات العسكرية والأمنية بل يجب أن تحل بالطرق السلمية عن طريق الحوار والاقتناع بأن أكثر من ربع قرن في الحكم كافية ويجب أن يحدث التغيير الذي يحقق مصالح سائر الشعب في السودان، لكن الحكومة حتى هذه المرحلة تنظر إلى الأزمة من جانبها الاقتصادي وقد بدأت في تنفيذ إصلاحات اقتصادية لتحسين أحوال الفقراء وأصحاب المعاشات، ولكن ذلك وحده لن يكون كافيا في ظل مناخ يريد أن يرى تغييرا في أسلوب الحكم.
‘ كاتب من السودان