موقف الشعوب العربية في ذكري سقوط بغداد
د. يوسف نور عوضموقف الشعوب العربية في ذكري سقوط بغداد كان يوم التاسع من نيسان (ابريل) الجاري احتفاليا في مختلف أنحاء العالم العربي وهو اليوم الذي يميزه سقوط تمثال الرئيس العراقي الراحل صدام حسين والذي يرمز به خصومه إلي انتهاء حكم البعث في العراق. ونلحظ أن معظم الآراء التي تداولها الناس في هذه المناسبة ابتعدت عن حقيقة الموقف في العراق وتركزت في أمرين، إذ رأي معارضو الاحتلال الأمريكي لأرض الرافدين إخفاقا أمريكيا في تحقيق الأهداف المعلنة ورأي مؤيدو الاحتلال أنهم تخلصوا من نظام وصفوه بأنه دكتاتوري ولغ في دماء الشعب، وكما نري فقد بسط الموقفان الحقائق وتجاوزا حال الأمة العربية التي سمحت لمثل هذا الاحتلال أن يقع في ارض العراق.ولا نريد في البداية أن ندخل في جدل تقليدي حول حقيقة ما جري ونفضل أن نركز علي بعض المواقف التي نستخدمها مقدمات إلي أمور توضح حقيقة ما يجري في العالم العربي. وأولي هذه المقدمات الصراع الدائر في العراق بين الشيعة والسنة والذي قدم لنا شعب العراق علي أنه شعب تتحكم فيه المشاعر الدينية بشكل كامل. وأما ثاني هذه المقدمات فهو تجاهل الأبعاد السياسية التي جعلت ما يجري في العراق أمرا ممكنا علي الرغم من معرفة الكثيرين أن شعب العراق تميز بوعي مبكر وتوجه بالفعل نحو بناء مجتمع مدني حديث. وقد ظهر ذلك شئنا أم أبينا خلال فترة حكم الرئيس صدام حسين علي مدي ثلاثة عقود حيث كان من المستحيل أن نتابع صدامات أو خلافات تنحو مثل هذا المنحي الطائفي. ولكن ذلك لا يعفي الرئيس صدام من مسؤوليته في خلق ظروف مهدت لهذا الوضع الذي أتي بالاحتلال إلي بلاده، ولعل أول الأخطاء التي ارتكبها الرئيس صدام حسين هي حربه مع إيران التي لا يمكن تبريرها بالأسباب التي أعلنت أو اختصارها علي أنها خلاف حول الحدود أو الطموحات السياسية الغامضة، ذلك أن الإرادة الأجنبية التي حركت صدام حسين كان لها أيضا أجندتها غير المعلنة والتي لا يمكن توضيحها إلا من خلال التطورات التي حدثت في ما بعد والتي كان أهمها حرب احتلال العراق. ولا شك أن حرب العراق ضد إيران كان لها تأثير سيء علي العراق وعلي المنطقة بأسرها لأنها أخطأت حقيقة أن إيران هي في المقام الأول دولة شيعية بل هي المعقل الأول للشيعة في العالم وان معظم شعب العراق هم من الشيعة وبالتالي فإن مشاعرهم لم تكن مع صدام حسين لأسباب وطنية بل كانت مع إيران لأسباب عقائدية وطائفية. وأما الخطأ الثاني الذي ارتكبه صدام حسين ـ وهو هدف قاتل ـ فهو حربه علي الكويت ولا ينظر إلي هذا الأمر علي أنه استخدام قوة غير متوازنة ضد دولة صغيرة بل تجاوز غزو الكويت ذلك إلي كونه أحدث قلقا في منطقة الخليج كلها ولم يقتصر هذا القلق علي دول الخليج بل تجاوزها إلي كل الدول التي لها علاقات نفطية مع الكويت، وهو ما جعل جميع هؤلاء يتعاونون بشكل كامل من أجل طرد صدام حسين من الكويت والتخطيط بعد ذلك إلي إسقاطه من سلطته وإزالة نظامه. ولم يكن أحد ليلوم جميع هؤلاء في إطار الثقافة السائدة بكونهم قاموا بمثل هذا العمل.ولا نريد أن نظهر هنا أن الموقف من العراق كان في مجمله عبارة عن رد فعل لأعمال قام بها صدام حسين لان الغزو كانت له حسابات أخري سواء من جانب بعض الدول العربية أو من جانب المجتمع الدولي بصفة عامة. وهو ما جعلنا أمام فهم جديد للنظام العربي القائم والموقف العالمي الذي يستغل هذا النظام من أجل تحقيق أهدافه الخاصة.ويمكن أن نري ما ذهبنا إليه إذا وضعنا فرضية نظرية تساءلنا من خلالها هل يمكن لأي دولة في العالم أن تقدم علي سبيل المثال علي غزو دولة أوروبية وإسقاط نظامها وإعدام حكامها دون أن تجد مساءلة من الدول الأوروبية أو مقاومة لمثل هذا الاتجاه؟ الإجابة بكل تأكيد هي لا.ولكن هذا حدث في العراق حيث دخلت الولايات المتحدة إليه باتهامات زائفة وادعاءات كاذبة وأسقطت نظام الحكم وأوصلت رئيسه وبعض القادة إلي منصات الإعدام دون أن تحرك الدول العربية ساكنا كما لم تتحرك الشعوب العربية بطريقة إيجابية علي الرغم من أن غزو العراق أفضي في ما بعد إلي قتل واحد من كل ثلاثمئة في العالم العربي وجرح واحد من كل ثلاثمئة وتشريد خمسة من كل ثلاثمئة وتلك مأساة تفوق ما حدث في أرض فلسطين منذ النكبة وإلي هذا اليوم. وإذا كانت فلسطين قد ضاعت بالاحتلال فلا شك أن العراق ضاع ببذر بذور الشقاق الطائفي علي أرضه. ومع ذلك فإن الولايات المتحدة المسؤولة عن كل ما حدث تقول إنها تخوض حربا عالمية من أجل مكافحة الإرهاب وأنها تجعل ميدان القتال خارج الأراضي الأمريكية. ولكن من الذي قال إن أعداء الولايات المتحدة هم أهل العراق وكيف يجوز لها أن تحصر المعركة في العراق ويقبل العالم العربي كله هذه الفرضية الزائفة؟ولكن هل الولايات المتحدة وحدها هي التي تتخذ هذا الموقف الزائف؟ الإجابة تكمن في تفسير مواقف الدول العربية التي تساعد علي تكريس هذا الوضع بل وتساعد في تجميل صورته وقد رأينا ذلك واضحا في مواقف بعض الدول العربية التي شنت حربا مماثلة علي الإرهاب مثل المملكة العربية السعودية التي طالب وزير داخليتها الأئمة بأن يشنوا حربا علي ما سماه بالإرهاب الذي أطل برأسه في البلاد، وكذلك كان موقف الحكومة المصرية التي ما فتئت تحيل زعماء الاخوان المسلمين إلي القضاء وتصادر إمكاناتهم المالية أو تفرض عليها الحظر. ونري مواقف مماثلة في اليمن وسورية والمغرب وهي شعوب تري أن حل مشاكلها السياسية يعتمد علي محاربة المتطرفين ولكنها لا تفكر مطلقا في تحسين أوضاع حقوق الإنسان وجعل الشعوب تشارك في الثروة والسلطة كما لا تفعل هذه الشعوب شيئا في طريق محاربة البطالة ووقف نهب مقدرات البلاد من الثروة وتحويلها إلي المصارف الأجنبية. ولعله من المخجل في ظل هذا الوضع نجد ان أساتذة الجامعات والمثقفين لا يجرؤون علي الجهر بمواقفهم الحقيقية ويصرون علي التستر خلف ما تريده منهم السلطة.ولا نريد فقط أن نقول إن هذا الوضع يحتم علي الشعوب العربية أن تصحو من نومها بل نهدف إلي أن نؤكد علي أن شكل نظام الحكم لا يؤثر كثيرا سواء كان ملكيا أو جمهوريا أو ثيوقراطيا وما يهم هو الكيفية التي تدير بها الدولة شؤون أفرادها وما هو مطلوب في العالم العربي هو الدولة التي ترعي حقوق مواطنيها ولا تتحول إلي مجرد سلطة قامعة تزيد من معاناة المواطنين من خلال هاجس الأمن كما هو الحال في مصر التي لا تفكر في شيء مع تزايد عدد المواطنين وزيادة نسبة الفقر سوي قمع البسطاء وإدخالهم إلي السجون وتوفر من الجانب الآخر الامتيازات للنخب الحاكمة، وهو مشهد لا يقتصر علي مصر وحدها بل يتكرر في السودان وسورية واليمن وليبيا مع غياب كامل لجامعة الدول العربية التي تحولت إلي مؤسسة لتلطيف الأجواء أمام الحكومات العربية حتي تستمر في ممارسة أخطائها السياسية، ومن المؤسف أن يكون هذا هو حال السلطة الفلسطينية التي أصبح هاجسها الأول هو الحكم والسياسة والظهور علي شاشات التلفزة ونسيت قضية البلاد الأساسية المتمثلة في حقوق الشعب الفلسطيني التي تراجعت إلي مجرد إنشاء حكومة في أرض غير مستقلة والمطالبة بإقامة دولة ترضي عنها اسرائيل.ولعلنا لا نجانب الحق عندما نقول إن التنازلات التي تقدمها الحكومات العربية للولايات المتحدة وإسرائيل هي تنازلات مجانية لا يقابلها شيء لأن هاتين الدولتين غير قادرتين علي إخضاع العالم العربي عسكريا إذا كانت هناك إرادة تصميم لوضع حد لنفوذ اسرائيل والولايات المتحدة في هذه المنطقة. وهي إرادة غائبة في الوقت الحاضر ليس بسبب الضعف بل بسبب تواطؤ الحكومات العربية ضد شعوبها وهو تواطؤ لا يجد من يوقفه لأن الشعوب العربية أيضا نائمة وهي تفضل أن تعيش في أجواء المؤامرات الخارجية دون أن تتنبه إلي أخطار العدو الذي هو من الداخل.وما لم يفطن العرب إلي ذلك فإن مصير الجميع سيكون مصير دولة العراق الممزقة لأن الأسس التي تفعل في العراق موجودة في كل البلاد العربية التي تعيش عالما من التناقضات الثقافية والإثنية والعرقية، وهنا يجب أن يتوقف العرب ليتساءلوا هل هم يريدون أن يعيشوا في مجتمعات حضارية أٍساسها الدولة والنظام أم يريدون العيش في مجتمعات تتناوشها الصراعات التي لا تحقق أهداف الأمة بل تحقق أهداف الطامعين؟9