موقف طاهر بن جلون وليلى السليماني من التحرش الجنسي

ترجمة: عبدالرحيم نورالدين
حجم الخط
0

توالت ردود الأفعال منذ أن تفجرت فضيحة التحرش الجنسي التي كان وراءها المنتج السينمائي الهوليوودي هارفي وانستين. وهكذا أطلقت الممثلة الأمريكية أليسا ميلانو حملة دعت فيها نساء العالم إلى توظيف هاشتاغ «مي تو» (أنا أيضا) للتنديد بالاعتداء والتحرش وفضح المتحرشين. ثم تلتها حملة الهاشتاغ «إفضحي خنزيرك»، لتنتشر الرسائل والتعليقات على وسائل التواصل الاجتماعي، خاصة فيسبوك وتويتر. وتحررت ألسن بعض النساء من عقدة الصمت لحكي ما تعرضن له من إساءات جنسية. وتفاعلت نساء عربيات أيضا مع الدعوتين سابقتي الذكر، إذ تحدين «العيب» ورفضن السكوت عما تعرضن له على يد متحرشين ومغتصبين. وتميزت محامية مصرية بموقفها الداعي للرجال إلى «أن يتحدثوا عن تحرشهم بدلا من أن تقوم النساء بالحديث عن التجارب الأليمة التي مررن بها، لأن هذا لن يغير أي شيء؛ فالرجال يعرفون جيدا ما نمر به ويعتقدون أن هذا خطؤنا». لكن ذلك لم يرق لبعض السيدات اللائي قمن بنشر بيان يندد بالحملة وبالأفعال الغاضبة ضد الرجال.
البيان نشرته جريدة «لوموند» الفرنسية وكان يحمل توقيع 100 سيدة فرنسية، بينهن الممثلة السينمائية كاترين دينوف والكاتبة كاترين مييه. واعتبر البيان أن الحملة المناهضة للتحرش الجنسي، هي دعوة إلى كراهية الرجل وعودة إلى الطهرانية وتضييق على الحرية الجنسية، لأن من حق الرجل التقرب من المرأة ومغازلتها والقيام بقليل من التحرش.
مباشرة بعد ذلك تصدت أقلام كثيرة، للرد على البيان الذي اعتبره البعض «مهادنا» للإساءات الجنسية ضد النساء، أو لمساندته. من بين من عبّر عن موقفه من قضية التحرش الجنسي، الكاتبة ليلى السليماني، والروائي طاهر بن جلون، وهما، كما هو معروف، كاتبان من أصل عربي، حاصلان على جائزة غونكور، ويقيمان في فرنسا.

ليلى السليماني:
«خنزير، تُولَد»1

أن أمشي في الشارع، أن أتنقل بمترو الأنفاق ليلا. أن أرتدي تنورة قصيرة، وفستانا مقورا وحذاء بكعب عال. أن أرقص وحيدة في وسط المرقص. أن أتزين مثل شاحنة مسروقة. أن أركب «تاكسي» وأنا ثملة قليلا. أن أتمدد فوق العشب وأنا نصف عارية. أن أطلب نقلي مجانا. أن أركب حافلة ليلية. أن أسافر لوحدي. أن أشرب كأسا على رصيف مقهى بدون رفقة. أن أركض في طريق قفر. أن أنتظر جالسة على كرسي حديقة. أن اصطاد رجلا، أن أغير رأيي وأتابع سيري. أن أذوب وسط حشد شبكة القطارات السريعة الإقليمية. أن أعمل ليلا. أن أرضع ابني في الشارع العام. أن أطالب بالزيادة في الأجر. في لحظات الحياة المذكورة، اليومية والعادية، أطالب بحقي في أن لا أتعرض للمضايقة. وبحق عدم التفكير في ذلك حتى. أطالب بحريتي في عدم تعليق الآخر على تصرفي، وعلى ملابسي، وعلى مشيتي، وعلى شكل ردفيّ، وعلى حجم نهديّ. أطالب بحقي في الهدوء، في الوحدة، وبحقي في التقدم بدون خوف. لا أريد فقط حرية باطنية. أريد حرية العيش في الخارج، في الهواء الطلق، في عالم هو أيضا ملكي إلى حد ما.
لست شيئا صغيرا هشا. لا أطالب بأن أكون محمية وإنما أطالب بالدفاع عن حقوقي وتثمينها في أمان واحترام، وليس جميع الرجال خنازير. كم عدد الذين أبهروني طيلة الأسابيع الأخيرة، وأذهلوني، وفتنوني بقدرتهم على فهم ما يجري؟ والذين قلبوا أوضاعي بإرادتهم في أن لا يكونوا متواطئين، وفي تغيير العالم، وفي التحرر، هم أيضا، من هذه التصرفات؟ إذ في العمق، وخلف حرية المضايقة المزعومة المذكورة، تختبئ رؤية جبرية بشكل مرعب، عما هو ذكوري: «خنزير، تولد». إن الرجال المحيطين بي يخجلون وينتفضون ضد من يشتمونني. وضد من يقذفون على معطفي في الثامنة صباحا. وضد رب العمل الذي يُفهمني ما سأكون مدينة له بتحسن وضعي في العمل. وضد الأستاذ الذي يقايض التدريب بـ«مصة». وضد المار الذي يطلب مني ما إذا كنت «أضاجع»، وينتهي بنعتي «بالمومس». إن الرجال الذين أعرفهم مشمئزون من هذه الرؤية المتخلفة عن الفحولة. إبني سيكون، آمل ذلك، رجلا حرا، حرا ليس للقيام بالمضايقة، ولكنه حر في تعريف ذاته بشكل مغاير للمفترس المسكون بدوافع منفلتة. رجل يعرف كيف يغري بألف طريقة عجيبة متوفرة لدى الرجال لإغرائنا.

لست شيئا صغيرا هشا. لا أطالب بأن أكون محمية وإنما أطالب بالدفاع عن حقوقي وتثمينها في أمان واحترام، وليس جميع الرجال خنازير.

أنا لست ضحية، لكن ملايين النساء هن ضحايا. وهذا واقع وليس حكما أخلاقيا أو تحديدا ماهويا للنساء. وفي ذاتي، يخفق خوف كل اللائي يمشين في آلاف مدن العالم، مطأطئات الرأس. اللائي يطارَدن، ويتعرضن للتحرش وللاغتصاب وللشتم وللنعت بالدخيلات على الفضاءات العامة. في ذاتي تتردد صرخة اللائي يتخفين، واللائي يشعرن بالخجل، والمنبوذات اللائي يرمى بهن إلى الشارع لأنهن فقدن شرفهن. صرخة اللائي تخبأن خلف حجب طويلة سوداء لأن أجسادهن ستكون دعوة إلى المضايقة.
في شوارع القاهرة، ونيودلهي، وليما، والموصل، وكنشاسا، والدار البيضاء، هل تقلق النساء اللائي يسرن، من اختفاء الإغراء والمغازلة؟ هل لهن الحق في الإغراء، والاختيار، والمضايقة؟ آمل أن تمشي ابنتي يوما ما، في الشارع بالليل، بتنورة قصيرة وفستان مقور، وأن تجول العالم بمفردها، وأن تركب مترو الأنفاق على الساعة الثانية عشرة ليلا بدون خوف، وبدون حتى أن تفكر في ذلك. إن العالم الذي ستعيش فيه آنذاك، لن يكون عالما طهرانيا. إنه سيكون، أنا متأكدة من ذلك، عالما أكثر عدالة، حيث لن يكون فضاء الحب، والاستمتاع، ومداعبات الإغراء، سوى أكثر جمالا وأكثر اتساعا. إلى حد لا نستطيع تخيله اليوم.

الطاهر بن جلون:
«ليس صمت الرجال إقرارا»2

ولدت في المغرب. أنا إذن متحدر من مجتمع لا يُعترف فيه إلى حد الآن بالفرد. من هنا أشكال اللامساواة والظلم الصارخ تجاه النساء. رأيت النور في عالم لم يكن فيه للمرأة حق الكلام والاعتراض والتنديد والثورة. كانت وضعيتها المشرعنة في الغالب بهيمنة الدين، وضعية التواجد هنا في خدمة الرجل، ورفاهيته، ومتعته، واستيهاماته، وكذا رذائله. لم تكن فكرة التحرش جزءا من القاموس المستعمل لاستحضار العلاقة (رجل/امرأة).
أتذكر أنني قرأت كتيبا في البيداغوجيا الجنسية، ألفه خلال القرن 16 الشيخ النفزاوي لأجل أمير كان يتوجب عليه تعلم كيف يحصل من المرأة على أكبر قدر من المتعة. كان النص، الذي هو نوع من الكماسوترا العربية، يحمل اسما جميلا هو «الروض العاطر». ولا مرة تعلق الأمر بالكائن المرأة، التي كانت مختزلة إلى موضوع يغلق فمه، ويجب عليه أن يكون فرحا بخدمة رَجُله. لم تتغير هذه البيئة كثيرا. لقد أثارت الاعتداءات على نساء ألمانيات في كولونيا، ليلة 31 ديسمبر/كانون الأول 2016 ، من طرف مهاجرين متحدرين في غالبيتهم من المغرب الكبير، الكثير من الضوضاء. إلا أن البعض حاول تبرير الوقائع بـ«استفزازات نساء دون حياء». وهكذا، ليست المرأة المغتصبة ضحية، بل هي مسؤولة عما يقع لها، والذي كانت سببا فيه بالضرورة.
في بعض البلدان العربية، يحدد موقع الشرف في مستوى الفرج. ألم يتم إكراه فتاة مغتصبة على الزواج من مغتصبها للحفاظ على نقاء الأخلاق؟ ألم يتم قتل شابات، حفاظا على الشرف، لإقامتهن علاقات جنسية خارج إطار مؤسسة الزواج؟ إنها جرائم لم يعاقب عليها.
يوم 21 أغسطس/آب 2017، تم اغتصاب شابة على متن حافلة في الدار البيضاء من طرف مراهقين، بدون أن يتدخل أحد من الركاب. يعلمنا ذلك الكثير عن العقليات واللامبالاة أو فتور شعور الرجال المتواجدين على متن الحافلة. شاهد كل العالم الفيديو، لكن لا شيء تغير في فكر أولئك الشباب عديمي التربية، وعديمي الحس المدني. لقد ألقي عليهم القبض.
غالبا ما تروي الصحافة والشبكات الاجتماعية في المغرب هذه الاعتداءات. كما أن اطلاع المواطنين والسلطات جيد. ومع ذلك، لم يتم فعل أي شيء لتغيير القوانين أو لخلق أخرى للدفاع عن المرأة. في فرنسا، غابت كلمة الرجال عن النقاشات حول التحرش. ماذا نقول؟ كيف نتصرف؟ ليس الصمت إقرارا، ولا هو شعور بالذنب، بل هو معاينة. إن حضارتنا مليئة بالثقوب. ثقافتنا تسحب وراءها مخفقين. تربيتنا أغفلت تعليم احترام جميع الأفراد. تنقصنا البيداغوجيا الأساسية ومع ذلك الأولية، بيداغوجيا معرفة كيف نعيش مع الآخرين، لكن في مجتمع ديمقراطي، في بلد يقال إنه بلد حقوق الإنسان، حيث تؤبد الدولة اللامساواة بين الرجل والمرأة ( في الأجور مثلا)، بعض الرجال يشعرون وكأنهم حاملون «لرخصة « التصرف كبهائم.
اليوم، تَحررَ الكلام، لكن لا أحد يستحضر جذر المرض. المرض ـ هذا العنف الذي تولده السلطة ـ آت من فراغ، من غياب أو نسيان: التربية. ما الجدوى من تعلم التاريخ والجغرافية إذا لم نعلم الأطفال مفاهيم الاحترام والشرف والكرامة؟ والأمر نفسه يسري على العنصرية. إذا لم يفسر المدرس إوالية العنصرية والتحرش والهيمنة، فمن المؤكد أن الطفل سيكبر مطيعا أكثر لدوافعه عوض طاعة عقله وأخلاقه.

1 ـ جريدة «ليبراسيون»، السبت 13 والأحد 14 يناير/كانون الثاني 2018. الصفحة 22 .
2 ـ مجلة «ماريان» عدد 1088، 19 يناير 2018 . الصفحة 19 .

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية