لا يرى نقاد فن مختصين ويعتبر ان اصحاب الغاليريات غير قادرين على تقييم الفنمراكش ‘القدس العربي’: ولد مولاي يوسف الكهفعي في مراكش عام 1969، ودرس في مدرسة الفنون الجميلة بتطوان في الاعوام 1989-1993. قدم الفنان مجموعة معارض فردية وجماعية في المغرب وبلاد اخرى منها اسبانيا، فرنسا وايطاليا، كما توجد لوحاته ضمن مجموعات مهمة في العالم من المكسيك الى اليابان وامريكا وفرنسا. كما يدير مع زوجته ايزابيل تورنيير صالة ‘بوينت اند لاين’ في مراكش.
التقيته خلال معرض له في مراكش وجرى معه هذا الحوار:
ـ هي يمكنك ان تعطيني فكرة عن تطور الحركة التشكيلية في المغرب؟
ـ بدايات الفن التشكيلي في المغرب كان عبر مجموعة فنانين اشتغلوا في مراسم الفنانين الاجانب في المغرب وكان طابع اعمالهم فطريا، بعد ذلك نشأت مدرسة الفنون الجميلة بتطوان ثم مدرسة الفنون الجميلة بالدار البيضاء ومن هاتين المدرستين تخرج فنانون بأسس وقواعد اكاديمية في فنون التصوير والنحت والديكور.
مدرسة الفنون الجميلة بتطوان اسسها برتوتشي وهو اسباني عشق المدينة وعشق المغرب واسس في البداية مدرسة صناعة اقام فيها محترفا له ضمن مجموعة محترفات صناعة تقليدية بالمغرب. بعد ذلك تطورت لتصبح مدرسة للفنون الجميلة وكان التأثير الاسباني، بالتالي، قويا فيها. بالنسبة لي هي مدرسة كانت ربرتوارا للفنون بحيث تؤهل متخرجيها للحياة والمستقبل اما للدراسة في الخارج او للعمل في الميدان الفني مباشرة. بعد ذلك بدأ بعض الفنانين الذين اشتغلوا على افكار اخرى لأنها كانت بعد خروج السبان فقد اشتغلت على اظهار الهوية المغربية.
مدرسة الدار البيضاء بالمقابل اتخذت اتجاها تزيينيا اكثر مما هو فني وكان ممن بدأوا العمل فيها فنانون معروفون مثل بلكاهية والمليحي، اما في تطوان فعرفت اسماء مثل سعد بن السفاج، مكي مغارة، وعزيز ابو علي.
المليحي من الفنانين الذين درسوا في ايطاليا وفرنسا ويوغوسلافيا وقد بداوا في الدار البيضاء، وكان له تأثير قوي في مدرسة الدار البيضاء.
ـ هل نتكلم هنا عن اتجاهين فنيين يتبعان مدرستين مختلفتين؟
ـ لا. لم يكونوا يشكلون اتجاهين. كانت تلك في فترة غلب فيها الفن الساذج والتجريدي، ولكن بعد خروج الاسبان والفرنسيين بدأ الفنانون يشتغلون على اساليب خاصة.
كلا المدرستين استمرتا كمؤسستين تعليميتين، لكن التركيز في تطوان كان باتجاه اكاديمي وفي الدار البيضاء اخذ اتجاها تزيينيا.
ـ من هم الفنانون الذين بدأوا باستكشاف قضية الهوية المغربية في الفن؟
ـ الفنانون الذين بدأوا باستكشاف قضية الهوية هم مجموعة من الرواد. منهم فنانون عصاميون لم يدرسوا الفن اكاديميا. لم يكن للمدرستين علاقة مباشرة بالاتجاه للتعبير عن الهوية المغربية.
ـ هل تريد ان تقول بتقسيم الفن التشكيلي لمدارس واجيال؟
ـ تماما. المدارس التي طغت على الساحة لمدة 80 عاما تقريبا هي الفطرية والتجريدية والواقعية.
الفطري كان في البداية نتيجة عدم وجود مدارس في المغرب وبعد ذلك جاءت المرحلتان الواقعية ثم التجريدية التي واكبت التجريدية في العالم كله.
كان هناك تأثير كبير لبول كلي الذي جاء لتونس والفنان تابياس الذي كان له تأثير كبير على مجموعة كبيرة من الفنانين في المغرب.
تابياس بدأ الاشتغال على المواد في المغرب، وبدأ الفنانون يغادرون الحجم المربع والمستطيل وعمل تابياس كان بهذا الاتجاه.
بالمحصلة يمكننا التحدث عن اربعة اجيال واضحين في الساحة المغربية: الجيل الاول من المؤسسين كان بينهم شعيبية طلال، السفاج، مغارة وغيرهم، والجيل الثاني كان فيه محمد بناني، الادريسي، عزيز ابو علي، الوزاني، والجيل الثالث كان فيه الذين تتراوح اعمارهم بين اربعين وخمسين سنة حاليا.
الجيل الرابع هو من جاء بعدنا.
في المغرب حصل حراك في المجال الابداعي بحيث حاليا صار عندنا مجموعة اتجاهات وضمن الاتجاه الواحد نرى فنانين مهمين حروفيين وتجريديين، ومن يشتغل على المادة منهم، ومن يشتغل على الرمز.
هناك مجموعة اتجاهات تجمعها التجريدية، وكان هناك تطوير في التشخيصية التي تحاكي الواقع والمعاش والمرئي والبسيط. في الوقت نفسه ظهرت مجموعة من الفنانين الشباب الذين يعملون على فن سهل وطرق بسيطة لا تستخدم الطرق الاكاديمية.
ـ كيف ترى الى وضع السوق الفنية الآن في المغرب؟
ـ المغرب دخل السوق الفنية التي تمنعت بعض الحين على الانتاج الفني بصورة عامة. ازدهرت السوق الفنية في المغرب وهذا اثر على عملية الابداع بحيث ظهر فن بسيط ليس فيه عمق ابداعي.
ـ هل نتحدث هنا عن اتجاهات متصارعة؟
ـ يمكن الاعتبار وجود تمايز بين الاكاديميين وبين العصاميين، وبين التجريدي والواقعي. هناك صراعات بالطبع وهذا حال الفن في العالم كله.
ـ هل تعتقد بوجود تقليد ناجم عن تبعية غربية في الفن المغربي؟
ـ انا ضد هذه الفكرة. الغربي عنده الحق على الاشتغال على فنون اخرى. ماتيس وجياكوميتيه اشتغلا على فنون شعوب اخرى.
نحن كفنانين عرب مغاربة عندنا الحق بالاشتغال على الفنون كلها، وبالتالي يمكن ان نتأثر بالفن المصري او الياباني. هناك مجموعة فنانين اشتغلوا على فنون شعوب اخرى. انا ضد النقل اما الاستفادة من فنون الاخرى فهذا امر صحي وصحيح. نحن نعيش في عصر الانترنت والعولمة والتفتيش عن شخصية خاصة بنا لا يتناقض مع التفاعل مع ما يجري في العالم. الشخصية الفنية موجودة والا لا يكون الفنان فنانا. قضية الهوية بالنسبة لي هي موضوع تم تجاوزه.
ـ لكنني ارى تأثرا بالفنون الغربية ولا ارى تأثرا بفنون اخرى مثل فنون الصين واليابان؟
ـ في الصين لديهم فن عريق استفادوا فيه من الفن الغربي وتجاوزوا فيه الفن الرسمي التقليدي. هذه قضية يعيشها الفنانون في كل انحاء العالم.
ـ هل يمكنك ان تشرح لي على ضوء من هذه الفكرة كيف تطور عملك الفني وضمن اي تأثيرات؟
ـ تطور مسيرتي تبع مسارا متعرجا فقد كنت متأثرا بالانطباعية الفرنسية والاسبانية، ثم مزجت بين الانطباعيتين واهتميت دائما برسم الشخوص والوجوه. في البداية كان يمكن وصف عملي بأنه اكاديمي وبعد التطور الذي طرأ على شغلي بدأت اخرج عن موضوع هذه القواعد والموضوع عبارة عن تشويه ومبالغة في بعض الاماكن، من ناحية الشكل ومن ناحية التلوين كذلك.
خلال 4 سنوات حصلت عندي نقلة في عملي وقطيعة، واتجهت للحفر بما فيه النقش والليثوغرافيا، بعد دراسة هذه التقنيات بدأت اراجع اصباغي وصرت ارى اشياء اخرى لم اكن قد اكتشفتها من قبل وهذه التجربة اعطتني خلال عامين ثلاثة معارض في مراكش والدار البيضاء.
ـ ما الذي تعمل عليه حاليا؟
ـ في المعرض الاخير وحتى الآن اشتغل على كتلة واحدة غالبا كتلة ستاتيكية كحجم لكنها تتحرك بتقنية محددة لأن العمل هو فن حركي بنفس الوقت.
في هذا المعرض اردت الخروج من كتلة واحدة لكتل متعددة في نفس الاطار مع الاقتراب الكثير من التجريد لا كفكرة ولكن كتكوين.
ـ ما النقاط التي تجدها سلبية في الفن التشكيلي المغربي؟
ـ بالنسبة لي فكرة الهوية التي استمرت 50 سنة يجب ان نتجاوزها والفن يجب ان يتحرر من القيود والتصنيفات من قبيل: هذا اكاديمي وهذا يشتغل على التشخيص وهذا على التجريد. المهم في الفن هو القيمة الفنية والابداعية فيه.
كذلك نشير الى قضية السوق يجب ان يتم تقنينه. وصراع الاجيال ليس فيه قيمة لأن فنانا شابا قد يكون عنده طاقات ابداعية كبيرة بينما فنان اخرى لديه تجربة 50 سنة والطاقة لديه محدودة.
ـ هل يمكن ان نتحدث عن وجود مركز يستمتع بالاضواء والمراكز وعن اطراف مهمشة في مجال الفن المغربي؟
ـ هناك اسماء ليس لديها تاريخ تمت صناعتها وصارت لها اسماء كبيرة. هذه الاسماء تقرر في السوق الفني بمعيار خاطئ. بالنسبة لي هؤلاء الناس ليس لهم دراية بالفن.
ـ كيف يستطيع هؤلاء التحكم بالسوق الفنية؟
ـ انهم عمليا يشكلون اوساطا مغلقة يمنعونها على الآخرين بحيث يمكن ان نشبههم بالعصابة او اللوبي. الشللية موجودة في كل شيء وبما في ذلك التشكيل.
ـ ما هو دور الغاليريات في هذا الأمر؟
ـ الغاليريات تكرس هذه اللعبة. هناك مجموعة من الصالات والاروقة التي تقوم بخدمة الفن في المغرب وهناك ايضا مجموعة من الصالات التي تعرض وتعيد عرض المنتوج نفسه دون دراية بالفن.
اصحاب الغاليريات ليسوا محترفين في مجال تقييم الفن. هم محترفون بترويج الفن ولكنهم ليسوا مختصين بتقييم الاعمال الفنية.
ـ ماذا عن دور النقاد الفنيين؟
ـ ليس لدينا هذا التقليد. لا وجود حقيقي لنقاد فن مختصين في المغرب.
هناك كتابات ولكن ليس لمختصين. هناك كتاب وصحافيون يهتمون بالتشكيل ويكتبون مقالات مهمة لكن هذا ليس اختصاصهم.
ـ ما سبب اختيارك لنوعين فنيين تعمل عليهما؟
ـ انا بطبيعتي فنان لا استطيع العمل بمادة واحدة ولذلك ارغب بالتغيير دائما. انا اعمل بالنحت، في مزج بين الحفر والنحت، حيث اخضع الحديد لعمليات الحفر كعنصر في تكوين المنحوتة. ارتب وقتي بين النحت والحفر والتلوين.