لندن ـ بيروت ـ «القدس العربي»: كثرت التحليلات حول سيناريوهات «نزع سلاح حزب الله» في لبنان، لكن معظمها يحذر من «النزع بالقوة» لأنه فعل عنيف «سيؤدي الى رد فعل عنيف» وبالتالي يدخل لبنان في احتراب داخلي هو بغنى عنه بينما يعيش في ظروف في منتهى الخطورة والتوتر في ظل الانتهاكات الإسرائيلية اليومية و«مشروع إسرائيل الكبرى» والاعتداء على جنوب لبنان المستمر رغم اتفاق الهدنة الموقع منذ تشرين الثاني/نوفمبر الماضي.
وفي السياق، نشر موقع «المونيتور» الأمريكي مقالاً تحت عنوان «أزمة نزع سلاح حزب الله: لبنان على حافة الهاوية» للإعلامي العراقي جاسم العزاوي، تناول فيه تداعيات قرار الحكومة اللبنانية حصر السلاح بما فيه سلاح «حزب الله» في يد الدولة. واعتبر الكاتب أنه مع بدء بعض الفصائل الفلسطينية تسليم أسلحتها في مخيم برج البراجنة للاجئين في بيروت، دخل هذا القرار مرحلة دقيقة. وأكد أن خطوة وضع جدول زمني لتفكيك جميع التشكيلات المسلحة وفي مقدمتها «حزب الله» بأنها أقرب إلى «المغامرة» منها إلى السياسة، لما تحمله من مخاطر دفع لبنان نحو حافة صراع أهلي جديد.
دعم أمريكي مباشر
ويرى الكاتب أن هذه الخطة تحظى بدعم أمريكي مباشر، مع وعود بتقديم مساعدات وإعادة إعمار وتطبيع للعلاقات الدولية. لكن «حزب الله» رفضها رفضاً قاطعاً، وقاطع وزراؤه جلسات الحكومة.
ريفي يهاجم الحزب وسلاحه بعنف وباسيل ينتقد التنازلات
ولفت إلى أن الشيخ نعيم قاسم زعيم «حزب الله» لم يترك مجالاً لسوء الفهم بالقول «أي شخص يدعو اليوم إلى تسليم السلاح، سواء داخليًا أو خارجيًا، على الساحة العربية أو الدولية، يخدم المشروع الإسرائيلي. واعتبر أنه «بالنسبة لـ«حزب الله» ترسانته ليست قابلة للتفاوض. إنها الدرع الذي يردع إسرائيل، الضامن لسيادة لبنان. وأن الدعوات إلى نزع السلاح بينما لا تزال القوات الإسرائيلية تحتل الأراضي اللبنانية هي مطلب بالاستسلام».
وأشار إلى أن واشنطن بدورها دفعت بمبعوثها الخاص توم برّاك، حاملاً خريطة طريق من 6 صفحات تدعو لنزع سلاح الحزب قبل نهاية العام، مقابل وقف العمليات العسكرية الإسرائيلية في الجنوب وتوفير المساعدات الدولية لإعادة الإعمار. إلا أن الحزب وحلفاءه رفضوا المبادرة، واعتبروها «تهديداً وابتزازاً» ومحاولة لفرض وصاية أجنبية مقنّعة.
وذكر الكاتب أنه بالنسبة لواشنطن، فإن «حزب الله» ليس مجرد ميليشيا بل هو العقبة الرئيسية أمام استقرار لبنان. أما الحزب فيرى أن تكليف براك المزدوج بملفي لبنان وسوريا (لا يؤدي) إلا إلى تعميق الشكوك بأن واشنطن تسعى إلى إعادة رسم خريطة بلاد الشام على حساب لبنان.
وحسب الكاتب، فإن المواقف الإسرائيلية لم تقل حدة. فقد شدد وزير الدفاع السابق يوآف غالانت على أن «لا هدوء في بيروت ولا استقرار في لبنان دون أمن لإسرائيل» ملوحاً بمواصلة العمليات العسكرية إذا لم يتم تفكيك هذا الحزب. وفي المقابل، سارع المسؤول الإيراني علي لاريجاني إلى بيروت للتأكيد على وقوف إيران الكامل وراء حليفها، معتبراً أن سلاح «حزب الله» يمثل الضمانة الأساسية لسيادة لبنان بمواجهة إسرائيل.
ولفت إلى أن مراقبين يرون أن المبادرة الأمريكية تعاني ثغرات بنيوية، أبرزها أنها تطالب «حزب الله» بالتخلي عن سلاحه بينما لا تزال إسرائيل تحتل مواقع لبنانية إستراتيجية. كما أن الجيش اللبناني، رغم محاولاته بسط سيطرته، يفتقر إلى العدة والقدرة لمواجهة تنظيم عسكري مدرّب ومتجذّر اجتماعياً كـ«حزب الله». وقد أودى انفجار مميت الشهر الماضي بحياة 6 جنود خلال عملية تفكيك بنية تحتية للحزب جنوباً، مما أعاد التذكير بحجم التحديات. فالجيش اللبناني ليس مدرباً ولا مجهزاً لمواجهة مباشرة مع مقاتلي «حزب الله» والتظاهر بخلاف ذلك هو مجرد أمنيات من أخطر الأنواع.
خيار كارثي
ودعا الرئيس اللبناني جوزف عون إلى حوار وطني لتفادي الانزلاق نحو مواجهة مفتوحة. غير أن ضغوط واشنطن وإسرائيل تضع بيروت أمام معادلة صعبة: إما الاستجابة لشروط نزع السلاح، أو مواجهة خطر انزلاق أمني وطائفي يعيد إلى الأذهان مشاهد الحرب الأهلية عام 1975. ومع تزايد التوترات والمظاهر المسلحة في الشارع، تبدو احتمالات التصعيد قائمة ما لم يتم التوصل إلى تسوية. ووفق الكاتب فالمحللون يجمعون على أن أي حل لنزع سلاح «حزب الله» لا يلحظ انسحاب إسرائيل من الأراضي اللبنانية سيبقى حبراً على ورق. وما لم تتمكن واشنطن من إجبار إسرائيل على الانسحاب، وهو احتمال بعيد المنال، فإن اقتراح نزع السلاح محكوم عليه بالفشل قبل أن يبدأ.
ووفق الكاتب إلى أنه «ليس لدى لبنان هامش كبير للمجازفة، وأي محاولة متسرعة لتفكيك «حزب الله» بالقوة لن تؤمن الدولة، بل ستدمرها» مشيرًا إلى أنه بينما يبدو الحسم بالقوة خياراً كارثياً، يبقى الحوار الداخلي والدبلوماسية الإقليمية السبيل الأوحد لتفادي انفجار جديد. ويخلص إلى أن لبنان يقف اليوم مجدداً أمام مفترق طرق: إما إعادة إنتاج مأساة الحرب الأهلية، أو التوقف مؤقتا وإعادة التقييم والبحث عن التسوية السياسية التي هي وحدها القادرة على تجنب الكارثة، وسط صراع إقليمي تتجاوز رهاناته حدود لبنان.
ومع توالي التصريحات من جانب مسؤولي «حزب الله» الرافضة تسليم السلاح، وآخرها للنائب علي المقداد الذي قال «سلاح المقاومة لن يُسلَّم، وهو ضمانة لبنان في مواجهة العدو الإسرائيلي» فإن النائب اللواء أشرف ريفي خلال إحياء الذكرى الثانية عشرة لتفجير مسجدي التقوى والسلام في طرابلس، أعلن أن «لا دولة بوجود سلاحين واحد شرعي وآخر ارهابي، فالدولة لا تقوم إلا على جيش وطني شرعي واحد يحمي الوطن ويصون سيادته».
محللون: أي اتفاق لا يلحظ انسحاب إسرائيل من الجنوب يبقى حبراً على ورق
ولكن ريفي سأل «ماذا نرى اليوم؟ نرى أن «حزب الله» الذي جلب الويلات للوطن يرفض تسليم سلاحه، ويعلن صراحة أنه فوق الدولة وفوق القانون ونسمع أمينه العام يهدد اللبنانيين بـ«معركة كربلائية» ويقول بلا خجل: «لا حياة للبنان إذا نفذ الجيش مقررات مجلس الوزراء، أي منطق هذا؟
أي منطق يقول لشعب بأكمله: إما أن تخضعوا لسلاحنا، أو نحرق البلد؟».
ورأى «أن رفض «حزب الله» تسليم سلاحه لم يعد خلافاً سياسياً، بل إعلاناً صريحاً للانقلاب على الدولة» معتبراً «أن اللبنانيين باتوا يخافون على أنفسهم من غدر الحزب وسلاحه».
ريفي: لستم مقاومين
وأضاف ريفي: «في هذه الذكرى الأليمة لقادة «حزب الله» أقول: من يقتل شهداءنا لا يمكن أن يكون شقيقاً أو صديقاً أو مقاوماً أو وطنياً: من قتل الرئيس الشهيد رفيق الحريري هو مجرم إرهابي لا يمكن أن يكون مقاوماً.
من قتل الشهيد كمال جنبلاط هو مجرم إرهابي لا يمكن أن يكون مقاوماً. من قتل الرئيس الشهيد بشير الجميل هو مجرم إرهابي لا يمكن أن يكون مقاوماً. من قتل المفتي الشهيد حسن خالد هو مجرم إرهابي لا يمكن أن يكون مقاوماً.
من اجتاح عاصمتنا الحبيبة بيروت هو مجرمٌ إرهابي بكل معنى الكلمة ولا يمكن ان يكون مقاوماً او شقيقاً او صديقاً. والاجرام كان شراكة شيطانية بين النظام السوري البائد وعملاء ايران في لبنان أي «حزب الله»».
وتابع: «تهددوننا بالحرب الأهلية؟ ألا تعلمون أن رجال طرابلس الأبطال الذين وقفوا في وجه جيش الأسد المجرم لا يخافون من جرذان انفاق الكابتاغون. نحن أبناء الكرامة. نحن أحفاد أبو بكر الصديق والفاروق عمر وعثمان والأمام علي رضي الله عنهم جميعاً.
نحن لا نخاف إلا من الله سبحانه وتعالى، فكيف للشجعان ان يخشوا جبناء. استفيقوا من صدمتكم.. وامسحوا الغشاوة عن عيونكم. فنحن الحلماء نريدكم شركاء في بناء الوطن ولكن احذروا الحليم اذا غضب وان لصبرنا حدوداً».
وختم: «نقولها بصدق ووضوح: فلسطين هي قضيتنا جميعاً، هي ليست شعاراً للمزايدة، ولا ورقة لاستغلال مشاعر الناس، ولا جسراً للهيمنة على لبنان أو جره إلى حروب لا يريدها، والى محاور فارسية وغيرها، فلسطين قضية حق، قضية أرض وشعب وهوية.
لا نستغرب التهويلات والتهديدات للبنانيين والجيش اللبناني، ومن يهددنا ويهدد الجيش هو عميل وقد شهدت الأحداث الأخيرة مدى نسبة العمالة في صفوف «حزب الله». والعميل لإيران لا يختلف أبداً عن عملاء العدو الإسرائيلي».
باسيل
وواصل رئيس «التيار الوطني الحر» النائب جبران باسيل إطلاق المواقف التي يحاول فيها الموازنة بين تأييده حصر السلاح وبين عدم فك الارتباط كلياً مع «حزب الله». وفي احتفال لهيئة الزهراني في «التيار» قال «البعض يطالب بما تريد إسرائيل ولا يطالب بأن توقف الاعتداء على ارضنا وأن تقدم الضمانات». وتوجّه إلى السلطة بالقول «تقدمون التنازلات ولا تأخذون أي شيء بالمقابل وتعطون ذريعة لعدم تسليم السلاح ليخطئ من جديد ويكلفنا خطر الحرب والتهديم» سائلاً «أين الحكومة ولماذا لا تتحدث باعادة الاعمار كما تتحدث بتسليم السلاح؟!» مضيفاً «نحن معكم لتسليم السلاح وليس للقيام بمسرحيات ونحن معكم لتكليف الجيش بمهمة يستطيع فعلياً القيام بها وتؤمنون لها بالسياسة ظروف النجاح، وليس ارساله إلى الهاوية ليفشل لأنكم أخذتم قراراً ونريده ان ينجح، ولكن الكارثة ان تأخذوا قراراً وتنفذوه بطريقة تؤدي إلى وقوع حرب أو لا تنفذوه وتفقدوا هيبة الدولة من جديد». و شنت مسيرة إسرائيلية، السبت، غارة استهدفت المنطقة الواقعة ما بين بلدتي راميا وبيت ليف، جنوبي لبنان، في خرق جديد لاتفاق وقف إطلاق النار. وأفادت وكالة الأنباء اللبنانية الرسمية، بأن «مسيرة معادية شنت غارة استهدفت المنطقة الواقعة ما بين بلدتي راميا وبيت ليف» دون مزيد من التفاصيل.
والجمعة، استشهد شخص، بغارة شنتها مسيرة إسرائيلية على بلدة عيتا الشعب جنوبي لبنان. وتواصل إسرائيل بشكل شبه يومي شن هجمات على مناطق لبنانية مختلفة تؤدي لسقوط قتلى وجرحى.
وشنت إسرائيل في 8 أكتوبر/ تشرين الأول 2023 عدوانا على لبنان تحول إلى حرب واسعة في 23 سبتمبر/ أيلول 2024، ما أسفر عن أكثر من 4 آلاف شهيد ونحو 17 ألف جريح.
وفي 27 نوفمبر/ تشرين الثاني 2024، بدأ سريان وقف لإطلاق النار بين «حزب الله» وإسرائيل، لكن تل أبيب خرقته أكثر من 3 آلاف مرة، ما أسفر عن ما لا يقل عن 282 شهيداً و604 جرحى، وفق بيانات رسمية. وفي تحدٍ لاتفاق وقف إطلاق النار، نفذ الجيش الإسرائيلي انسحابا جزئيا من جنوب لبنان، بينما يواصل احتلال 5 تلال سيطر عليها خلال الحرب الأخيرة.