عادل العوفيما أحببت بالمرة لهجتنا الانهزامية والتي لا نكف عن ترديدها حتى باتتأشبه بالجينات التي نورثها لابناءنا وبناتنا وهذا ما يمكن استخلاصهمن جلسة قصيرة مع شباب اليوم الذي استلموا المشعل (وأي مشعل) وأضحوا خير خلف لخير سلف إذا تعلق الأمر بالندب والبكاء على اللبن المسكوب وقصف أوطاننا باقدح الصفات ورثاء ضياع فرص هجرة الآباء إلى الغرب الموعود (رغم كل ما يصدره لنا هذا الأخير من ويلات وكوارث واستنزاف لمقدراتنا) قطعا هذا كلام لا يحتاج إلى قدرات فائقة لاكتشافه وخصوصا في هذه الأيام (اعني فصل الصيف) وحشود هائلة من المهاجرين تجتاز الحدود عائدة إلى بلدانها الأصلية لقضاء إجازاتها السنوية ما يعزز من تنامي هذه الظاهرة، وكي تتأكد أكثر ما عليك سوى القيام بجولة قصيرة في دول المغرب العربي كي تشاهد بأم العين ما جناه وما تجنيه مظاهر القادمين من وراء البحار على نفوس أبناء وشباب البلاد العربية. مناسبة كل هذه المقدمة أنني صدمت للأخبار الواردة مؤخرا وتستهدف بالأساس تسويق معلومات تفيد بوجود خطة تركية لدبلجة العديد من الأعمال الدرامية العربية أسوة بما أقدمت عليه محطاتنا المحترمة ‘ منذ فترة طويلة. في الظاهر يبدو الخبر عاديا ولا يتطلب كل هذا ‘العويل اللا مبرر’ بل على العكس تماما هي خطوة مشجعة وستفتح أفاقا واسعة أمام الانتاجات العربية التي ما فتئ صناعها يحلمون ‘بوهم كبير’ اسمه العالمية وظلوا يطاردونه لسنوات حتى إن بعض الفنانين اضطروا لتقمص ادوار ‘الكومبارس’ وبالتالي الإساءة لتاريخهم الفني الطويل ببلدانهم مقابل ظهور باهت في عمل أجنبي يحقق لهم ولو جزءا بسيطا مما يشغل تفكيرهم، ولكن ما غاب (أو بالأحرى غيب) عن ذهن الكثيرين أن ‘صحوة’ هؤلاء الأتراك المفاجئة ليست اعتباطية وبلا معنى ولا تهدف لتعزيز أواصر العلاقات الأخوية (كما العناوين العربية العريضة التي عادة ما تخفي في ثناياهابلاوي سوداء). المتمعن في العمل الأول الذي وقع اختيار هؤلاء عليه وهو مسلسل ‘سقوط الخلافة ‘ للكاتب المصري يسري الجندي والمخرج الأردني محمد عزيزية سيكتشف أن ‘للمديح والغزل’ اللذين يفوح بهما هذا الأخير دور بارز في ‘منحه هذا الشرف’ دونا عن غيره من عشرات المسلسلات العربية المنتجة كل عام وهنا يحق لنا أن نتساءل بل ونلقي باللوم (كتعبير أكثر تهذيبا) على المشرفين على فضائياتنا العربية والتي لم تترك عملا تركيا مهما بلغت رداءته ودرجة تخلفه إلا وعملت على دبلجته غير مبالية بعواقب تهورها هذا على المجتمع الذي يستقبل ذلك المنتوج. هل حقا يتم تخصيص لجان قراءة ومتابعة خاصة بالأعمال المدبجلة؟ وعلى أي أساس يتم اختيارها؟ أليس جديرا بنا ونحن الذين نضع الأوروبيين في الغالب نموذجا يحتذى بأن نضع في الحسبان المتلقي على راس الأولويات؟ من الضروري والأجدى مهما تمادينا في التكبر أن نعترف بفداحة أخطاءنا ونعمل على تصحيحها على الأقل حفاظا على هيبة وكبرياء ‘مفترضين’ وقد لا أبالغ إذا قلت أننا بحاجة لإعادة هيكلة قطاع الإعلام وليس عيبا أننا تأخرنا في تقويم الاعوجاجوإدراك خطورته وهنا استعين بالنموذج التركي والذي كثرت الدعوات لدى الكثير من الدول خصوصا بعد الربيع العربي لوضعه كمثال على الصعيد السياسي وحتى الاقتصادي مع الطفرة الملحوظة لهؤلاء في كل هذه المجالات للاستفادة منها رغم أن هذا لا ينفي حقيقة ‘العلقة الساخنة ‘ التي تلقيناها من لدنهم في ميدان الدراما تحديدا والدليل أننا لم نحفظ الدرس جيدا (كعادتنا دوما ) ‘الهرولة’ الجديدة للمطربين العرب صوب تركيا وأحدثهم المطرب اللبناني راغب علامة المنشغل في عمل يجمعه بالفنانة التركية ‘أشكين نوربانجي’ كي يتوج كل هذا الهيام العربي التركي مؤخرا، ولكن الأهم يلخص في الأتي من المستفيد الأكبر من كل هذا الحراك؟.. قطعا ليس العرب.. عنتريات ميادة الحناوي تمر الأيام ومعها يرسم الشعب السوري ملاحم ستظل خالدة في الأذهان مع صمت دولي وعربي مريب يدحض كل شعارات الإنسانية والرأفة والعدل والمساواة ويترك الباب مفتوحا على مصراعيه لأولئك المدمنين على تقزيم بطولات أسطورية سيحتفظ بها التاريخ في سجلاته مهما ادعى البعض وحاول تزييف الحقائق وفق ما يخدم سياساته ,ليس بإمكان أي احد إنكار كم التداخل والترابط الغريب فيما يخص الشأن السوري لكن تمييز الغث من السمين لا يحتاج إلى كل تلك ‘الفذلكة’ (دون الأخذ بعين الاعتبار آراء الجزيرة والعربية أو ما يطلق عليه رسميا بالقنوات المغرضة)، يصعب حقا على المرء تصديق ‘المسرحيات ‘ التي يتفنن النظام في تسويقها واللاعب على وترها لأنها ببساطة شديدة أضحت منتهية الصلاحية وتحمل في طياتها فشلا ذريعا من لدن كل العناصر الموظفة داخلها ولم تعد تنطلي على احد (مهما بلغت سذاجته) ولا ربما هي أسوء التمثيليات التي تحمل البصمة السورية المعروفة بجودة أعمالها الفنية، وانصحهم بالمناسبة بتجنب إعادة تمثيلها مجددا خصوصا مع اقتراب الشهر الفضيل كي لا يختلط الحابل بالنابل وتفسد علامة الدراما السورية الأصلية بممثلين فاشلين أو ‘أشباه ممثلين’، وهنا استحضر بألم لا متناهي مثالا حيا أبى إلا أن يخدش مسيرة حافلة بالعطاء بوأته مكانة مرموقة في سنوات خلت سرعان ما تبددت كل شعبيتها ووصلت إلى الحضيض بسبب مواقف لا ترقى إلى مستوى انتظارات وتطلعات جمهورها الذي هو بالأساس من يصنع اسم أي فنان مهما بلغت موهبته. ما تابعناه قبل أيام قليلة في برنامج ‘سوري بس’ على فضائية أل أو تي في اللبنانية مع الإعلاميين رجا ناصر الدين ورودولف هلال في حلقة كانت ضيفتها الفنانة السورية ميادة الحناوي انحلال يندى له الجبين وتخبط غير مبرر يعكس بجلاء المستوى الأخلاقي الهابط الذي وصل إليه كل ‘ فناني النظام السوري (الحسرة على صوت من هذه الطينة) ومع تأنيب لأداء الإعلاميين الذي كان من المفترض تسييرهما للنقاش والحوار بشكل أفضل (طبعا الحوار والنقاش ليسا من صفات كل مؤيدي هذا النظام الإجرامي) حيث كانا يكتفيان بإطلاق ضحكات بين الفينة والأخرى ولم نستطع إيجاد فرق واضح بينهما وبين الجمهور الحاضر بالأستوديو ‘المميز بتصفيقاته الحارة ‘ مع كل ‘نشاز جديد للضيفة التي لم يسلم أي احد من لسانها حيث استهلت غزواتها المباركة’ بالهجوم على الفنان اللبناني فضل شاكر بعد ‘قصفه الشهير من هنا لراس النظام السوري في مهرجان موازين لهذه السنة ‘ رغم أن السقطة التي لا تغتفر هي إقحام الشعب الفلسطيني في هذا ‘الجدل العقيم ‘ بأسلوب مثير للاشمئزاز واسترجاع للاسطوانة ‘المشروخة ‘ التي ما فتئ ‘نظام الممانعة’ يصدرها للعالم العربي وأفضاله ونعمه التي لا تعد ولا تحصى على الشعب الفلسطيني (حتى انه بصدد التفكير مليا في قرار تحريرها لكنه منشغل هذه الأيام بمسألة العصابات الإجرامية التي تقتحم الحدود) أليس من العيب حقا على الفنانة السورية الحديث بلهجة ‘المحسنين على أبناء الشعب الفلسطيني؟ ثم ألا يندرج الأمر ضمن مسالة الواجب المفروض على أي ‘نظام عربي أخر إغاثة الإخوة في محنتهم؟ ( هذا إذا سلمنا بوجود تضحيات قدمها النظام السوري من اجل قضية فلسطين)، وفي سياق هجومها على ذات الفنان لا أظن بان الكثيرين تفطنوا لكلمات نطقت بها صاحبة ‘كان يا مكان ومن اجاب بصوت منخفض فحواها أنها تلقي باللائمة على من دعا على راس النظام وعلى من أجاب بكلمة آمين، وهنا ببراءة شديدة أتساءل من تقصد ميادة الحناوي بكلماتها المقتضبة؟ ولماذا لم تؤكد عليها عكس سابقاتها وبصوت مسموع؟ على الأقل كي تنال تصفيقات إضافية من الجمهور الحاضر المسألة في نظري لا تحتاج إلى ‘حذاقة وفهم ‘ ففضل شاكر كان يخاطب الجمهور المغربي ويطالبه بمشاركته الدعاء (للإشارة فقط ميادة الحناوي كرمت هنا قبل فترة ليست بالطويلة وما فتئ التلفزيون المغربي يعيد اللقاء أكثر من مرة وكانت ترتدي ‘القفطان المغربي على غرار الفنانة أصالة أيضالن أتعمق أكثر في الموضوع ولا أريده أن يتم تحميله أبعادا أخرى لأننا في زمننحتاج إلى الوحدة والتكاتف لا إلى الفرقة والشتات ومأساة الشعب السوريفرصة للم الشمل يا أبواق النظام السوري (أو هكذا كنا نتمنى )، وبعد انتهائها من توبيخ صاحب ‘ يا غايب ‘ وبإيعاز من احد مقدمي البرنامج انهالت هذه المرة على مواطنتها وابنة بلدها الفنانة المميزة أصالة نصري بوابل من الشتائم وعادت لذات الأسلوب (أي التذكير بحسنات نظامها مع الفنانين) خصوصا في ما يتعلق بالعمليات الجراحية التي سبق وأجرتها النجمة السورية أثناء فترة مرضها والدور الذي لعبه ‘النظام السوري’ في علاجها وهنا أتساءل أليست أصالة مواطنة سورية؟ إذن من حق الدولة التكلف بمصاريف علاجها على نفقاتها مثلها مثل باقي المواطنين الآخرين؟ اليس المال المقدم لها أولا وأخيرا من أموال الشعب؟ غريب أن تصل الفنانة ميادة الحناوي إلى هذه الدرجة من الحقد على زميلاتها وتحديدا على أصالة نصري والحجة هي حماية نظام قاتل لا يبقي ولا يذر ولا يفرق بين الأطفال والشيوخ والنساء. لا انفي أنني أصبت بعد الحلقة باكتئاب شديد جراء ماعاينته من ضياع لفنانة كانت كبيرة في فترة من الفترات لكنها اخطأت الهدفوأضاعت البوصلة في مرحلة حرجة بلدها في أمس الحاجة إليها كغيرها منأبنائه للتخلص من طاغية لا يود الإصغاء لصوت الشعب الذي قالها مبكرا اللهسوريا بدها حرية وبس. .. مروان صواف يرتدي العباءة المغربية:
ربما هي المرة الثانية التي لا أستطيع فيها تجاهل مسار الإعلامي المخضرم مروان صواف فأجد نفسي دون سابق إنذار أنساق للحديث عن برنامجه المميز ‘فوق السطر’ على فضائية الشارقة والذي لا مجال لفصله عن باقي برامجه السابقة الناجحة بكل المقاييس والتي أسست لبدايات نجم إعلامي خلق الاستثناء رغم نفوري الشديد من التعتيم الإعلامي والتجاهل المستفز الذي يطال مسيرته (وهذا حال كل المميزين في العالم العربي). السبب الرئيسي وراء انبهاري الجديد جاء بعد متابعتي للحلقة السابقة من برنامجه والتي استضاف من خلالها المسرحي المغربي هشام شكيب وهو القادم من فرنسا حيث درس المسرح، اللافت هنا بعد سلسلة عثرات هذا الأخير في الحديث بلغة عربية سليمة رغم انه يستحق الإشادة نظرا لطول مقامه في تولوز الفرنسية حيث استطاع التفوق على الكثيرين من شباب اليوم المقيمين في العديد من الدول المغاربية تحديدا والذين لا يرون في اللغة العربية إلا أداة من أدوات التخلف والرجعية اللتين تطوقان حريتهم وتكبح جماحها. طبعا هي مأساة بكل ما تحمله الكلمة من معنى في ظل تجاهل ممنهج لهذه الحقيقة المرة والتي سنكتشف مدى خطورتها قريبا رغم خوفي إلا ينفع الندم آنذاك والأدلة لا تعد ولا تحصى، وهنا سر انجذابي للحلقة بعيدا عن مضمونها الهادف والذي تناول هموم المسرح واشكاليته لكنه قادني لمتابعة درس كنت أتمنى لو تابعه معي ملايين العرب (كلامي هذا نابع من يقيني بمحدودية متابعي هذه النوعية من البرامج الهادفة) بعد أن انبرى مقدم البرنامج لشرح المعاني الأصلية لكلمات مغربية لطالما اعتقدنا أنها نابعة من عراقة تاريخنا المحلي غير مدركين أنها مستوحاة من لغة عربية أصيلة وسط دهشة الضيف وحتى المشاهدين (وحينما أقول اعتقدنا فإنني اقصد أبناء جيلي تحديدا، ولا أجد حرجا في الاعتراف بجهلي لها سابقا) حقا كم نحن بحاجة للنهل من ثقافة أمثال الأستاذ مروان صواف في أيامنا هذه حيث السطحية والتفاهة العناوين الكبرى لنجوم الإعلام العربي رغم أن السؤال المطروح أين التلفزيون المغربي من حقيقة الخطر المحدق باللغة العربية؟ ومتى يعي إعلاميوه أنهم مجرد دمى متحركة لا تقدم غير الركاكة في حضرة أستاذ من هذا الحجم؟*كاتب من المغرب [email protected]