ميتات عربية!

حجم الخط
0

ميتات عربية!

أمجد ناصرميتات عربية!صعد الناقد المصري علي شلش، بهدوء، الي غرفته في فندق (كيمت) ليحضر شيئا ويعود الي اصدقائه المنتظرين في ردهة الفندق، لكن الرجل المعروف بدقته وغليونه (الانكليزيين) لم يعد، فذهب احد المنتظرين الي مكتب استعلامات الفندق لاستعجاله بالهاتف لكن الهاتف ظل يرن بلا جواب، فصعد شخص آخر من المنتظرين في الردهة الي الغرفة وقرع الجرس، ثم خبط علي الباب، ولكن من غير جدوي. صار واضحا لمنتظري علي شلش ان امرا ما قد حدث فأبلغوا ادارة الفندق الذي ينزل فيه ضيوف مهرجان الشعر العربي المنعقد يومها في القاهرة بالأمر فصعد احد المسؤولين مع احد المنتظرين الي الغرفة وفتحاها فوجدا علي شلش يتكيء بظهره الي مسند السرير وبيده محرمة جيب بيضاء.جلس علي شلش بجانبي في الطائرة المصرية المغادرة من لندن الي القاهرة، كما كانت غرفته بجانب غرفتي في فندق (كيمت) ذي الطوابق البابلية والمصعد المحتل دائما بأرواح مصرية منهكة من حراسة الأبد. لم يسكن احد تلك الغرفة التي مات بها رجل وهو يتكئ علي مسند السرير وبيده محرمة بيضاء طيلة ايام المهرجان، وظل مقعده، في رحلة العودة الي لندن، شاغرا، فعلي شلش انهي رحلته الطويلة في المكان الذي خرج منه اول مرة.قلة من الذين اقاموا في المنافي استطاعوا ان يموتوا هذه الميتة: مستندين بهدوء الي مساند الاسرّة وبأيديهم محارم بيضاء (هل كان علي شلش يمسح عرقا مفاجئا تصبب منه عندما داهمه ذلك الموت الذي لا نعرف له وجها عندما يجيء؟) ولا يحتاجون ان يشحنوا مع الامتعة في الطائرات الذاهبة الي اوطانهم.لكن موت الكاتب العراقي نجيب المانع لم يكن يشبه موت علي شلش الا في تلك الجلسة المسترخية علي مقعد وبدل المحرمة البيضاء وجدوا في يده، بعد وقت من موته، كتابا. ولا ادري ان كان يستمع في الاثناء الي اسطوانة من موسيقييه الكلاسيكيين المفضلين، ولا ادري، ايضا، ان ظلت تلك الاسطوانة تدور وتدور كمرثية تليق بواحد من ابرز المتضلعين العرب بالموسيقي الكلاسيكية الغربية. الماغوط مات كذلك وهو يستند الي اريكة، وكان يمكن للماغوط، نزيل الكرسي المتحرك، ان يموت عليه، لكن الماغوط كان يموت وهو حي، كان يفعل هذا بكل ما اوتي من قوة، فعندما رأيته، للمرة الاولي والاخيرة، في دبي لمناسبة تسلمه جائزة سلطان العويس للشعر، كان يمعن في التدخين حتي الموت، وقيل انه كان يشرب من دون انقطاع رغم الادوية وتحذيرات الاطباء.كان شاعر (الفرح ليس مهنتي) يستدرج الموت الي جرمه الضخم، المعبأ بالكحول والنيكوتين، ليستريح، ربما، من عبء هذه الضخامة الباهظة.بدت لي شخصية الماغوط انتحارية في افراطها بما يسمي (التدمير الذاتي) وهذا نوع من الانتحارية لا يشبه انتحارية ميشيل النمري او سمير قصير، فالاخيران كانا يعرفان ان الموت يترصدهما في فوهة مسدس كاتم للصوت او علي شكل متفجرة توضع تحت كرسي السيارة.ميشيل النمري وسمير قصير، المتورطان في قضية لا تراجع عن جلجلتها، كانا يحبان الحياة ويدافعان عن صباحاتها العابقة برائحة القهوة، ولكنهما مثل سنتياغو نصار في رواية ماركيز (قصة موت معلن) لا يستطيعان دفع الموت الذي يترصدهما علي رؤوس الاشهاد. كانا يعرفان ان الموت قادم وكانا يعلمان علم اليقين علي يد من سيكون، ولكنهما، كشخصيتين من التراجيديات اليونانية، سارا، بكل اندفاع، في طريق لا يرد سالكيه.مات ميشيل النمري (37 سنة) برصاصات في الصدر امام مكتبه في اثينا ويده تمسك بحزام الخصر، فيما مات سمير قصير (45 سنة) في تفخيخ مقعد سيارته.ثيمة الكرسي، نفسها، تتكرر مرة اخري في الموت العربي ولكن علي نحو عنيف.وعلي كرسي الموت العربي سيموت الشاعر العراقي كمال سبتي (51 سنة) في منفاه الهولندي البارد، لكن كل ميتات الكراسي والاتكاءات علي قطع الاثاث السابقة لا تعادل هذه الميتة: ان توجد ميتا علي كرسي بعد نحو اسبوع علي موتك!كان كمال سبتي قد اصدر، توا، مجموعته الشعرية الجديدة (صبرا قالت الطبائع الاربع) التي يحاور فيها تواريخ ومدونات تراثية من خلال وعي عربي شقي وحائر بين ما مضي ولكنه لم ينقض (علي ما يبدو) وحاضر لم يبدأ رغم صخبه المجلجل.في منفي بارد وبعيد عكف كمال سبتي علي مساءلة الماضي الذي اوصلنا الي ما نحن عليه، ولم يجد الا الصبر جوابا علي هذا الذي (يأتي ولا يأتي) لكن الصبر لم يكن خيار الموت، فالموت الذي يترصد طرائده الحية بخطم ذئب لا يصبر عندما يتعامد العقربان في برج الساعة، فلما تغيب الحياة، او تتلكأ، يدخل الموت ولو من سم الابرة.كان الموت يخور بصوته في الجوار وعندما جلس الشاعر تلك الجلسة علي كرسيه، ربما بانتظار هاتف او لمجرد تغيير جلسته من وراء شاشة الكمبيوتر التي كان يطل منها علي حياة مفترضة، اقتنصه الموت من قصيدة كان يفكر فيها او من تأمل في احوال بلاد تساق بعينين مفتوحتين الي السلخ.لم يكن كمال سبتي ليبتعد عن الهاتف، حبل سرته مع العالم الخارجي، لكني عندما اتصلت به اخر مرة لاطلب منه ان يوسع مقالته عن الماغوط، لم يجب، كانت هناك آلة التسجيل تطلب بالهولندية والانكليزية ان تترك رسالة، فتركت رسالة، لكنه، علي الاغلب، لم يستلمها. فكرت، لاحقا، عندما علمت انه بقي ميتا علي كرسيه نحو اسبوع قبل ان تفتح الشرطة الهولندية باب شقته عنوة بناء علي طلب صديقته التي انفصل عنها منذ وقت، انني كنت اترك رسالة الي رجل ميت.فكرة ان تترك رسالة علي آلة تسجيل لرجل ميت بالقرب من الهاتف بدت مرعبة، فهي تنطوي علي حسن ظن فظيع بالحياة، فلا يكفي ان اكون حيا وقادرا علي ترك رسالة صوتية ليكون كمال سبتي حياً هو ايضا.كانت آلة التسجيل تؤدي دورها المعتاد بينما المعني بالامر ميت منذ ايام علي كرسي بالقرب منها.لن اسمع صوت كمال سبتي مرة اخري (وطبعا لن اري وجهه عيانا فنحن بيننا موعد للقاء لم يتحقق قط) وبالتأكيد لن اري علي ايميلي في الجريدة مقالة او قصيدة له مرسلة مرات عدة، مرة لتصحيح ما فاته ان يصححه، ومرات للتأكد انها وصلت الي.لكني سأتذكر (طويلا يا تري؟) بعضا من شعره يشبه موته:جلس الجميع علي الاريكة متعبينالليل والاشجار والجنديوالقمر الحزين!0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية