ميثولوجيا الاستبداد

حجم الخط
0

ميثولوجيا الاستبداد

عزت القمحاوي ميثولوجيا الاستبدادالأساطير ليست بدعاً من صنع الخيال، ولذلك فإن زمن الميثولوجيا لم ينته كما بشرنا الكثير من المناهج العلمية التي استندت في نبوءاتها إلي انهزام الطبيعة بإخضاعها لأنظمة ومناهج الفكر التجريبي. فالطبيعة لم تنهزم بالكامل، كما أن الواقع احتفظ بمناطق ولحظات من العتمة صالحة لإثارة الخيال الخلاق. لم تكن الأساطير في يوم من الأيام منقطعة الصلة بالواقع تماماً ولم يخلقها الأجداد من محض المخاوف والأشواق للأمن والخلود لتكون موضوع عبادة، أو مجرد فنتازيا طفولية تنتهي بوصول الإنسانية إلي سن الرشد، المستحيل علي أية حال!وحسب ألكسي لوسيف، فإن علي المرء أن يكون أعمي كي لايلاحظ أن الأسطورة هي الواقع الأكثر وضوحاً وملموسية. هي ربما الواقع، بعد إعادة إنتاج نفسه في صورة معني وأمثولة عبر معامل العتمة. والمصريون، كغيرهم من الشعوب، لديهم أساطيرهم بما فيها تلك المتعلقة بعلاقة الحكام بالمحكومين، تلك العلاقة التي تنحو نحو الأسطرة كلما تزايدت مساحات العتمة. وإذا قيض لباحث من عيار لوسيف دراسة السيرة الشعبية للاستبداد والفساد في مصر عبر تاريخها الحديث سيقع علي الأساطير التي ابتدعها الخيال الشعبي الخلاق غير منقطع الصلة بالواقع، بل التي تضع نفسها في خدمته، فهي ليست سوي محاولة لسبر الغور واستشفاف العمق المفترض أن يكون مختبئاً. وعادة ما يلتقي السرد التخييلي في الأساطير مع صورة الحكام في العدل والظلم، القوة والضعف، والتقشف والشراهة. وتتحمل الأسطورة حصتها وتؤدي وظيفتها كسلاح من أسلحة الاحتجاج جنباً إلي جنب مع الأسلحة الأخري كالبذاءة والسخرية وكنس الأضرحة وطلوع المنارات للدعاء علي الظالمين.يحكي ابن إياس عن المملوك الجبار خاير بك الذي شنق وخوزق، فيقول إنه عندما مات كانت الناس تسمع صراخه في القبر وهو يصيح حتي ضجت الناس من ذلك.ولو كان صحيحاً ما رواه ابن إياس ما أمكن للأحياء من المصريين أن يسمعوا بعضهم بعضاَ من كثرة ما توالي علي حكمهم من ظالمين، مع ذلك يسرد صاحب بدائع الزهور الأسطورة كما لو كانت حقيقة تاريخية.أما أسطورة عدل متولي حسبة القاهرة الزيني بركات بن موسي، التي أراد هو وجهاز إعلامه أن يشيعها عن نفسه، فقد قامت علي التجوال في الأسواق لمتابعة الأسعار، والسعي في الطرقات ليلاً لمتابعة كل ما يجري في المدينة، وضمان العدالة حتي في الأمور الجنسية! ويقال إنه استجاب لصراخ امرأة في الليل، وأجبر زوجها علي تطليقها، بعد تحقيق دقيق أثبت من خلاله عدم التناسق الفظ بين آلتيهما. ويبدو أن المرأة دعت عليه بمن يقتص من غفلته أو ظلمه، واستجاب لها الله بعد قرون بجمال الغيطاني الذي فضح في روايته الممتعة الزيني بركات أسطورة الزيني وكل زيني من بعده.في طفولتي كانت الأساطير حول عبد الناصر تتعلق كلها بالقوة، وكانت عبارة التحدي المعروفة بين خصمين أو متباريين (لو كان أبوك جمال عبدالناصر افعل هذا أو ذاك). وفي المقابل كانت الحكايات المتداولة عن الملك المخلوع بوصفها حقائق منزهة عن الشك تتعلق بشراهته للملذات وثرائه الذي يلبي تلك الشراهة، ومنها أنه كان لا يأكل اللحم؛ بل يُعصر له الخروف ويشربه في كأس! كان اللحم أغلي وأمتع الطعام حسب سقف التطلعات بالوجه البحري، وكان عصر الخروف يضمن الانسجام مع الثراء من جهة ومن جهة ثانية مع مقولات الفحولة التي أشاعها الملك المسكين عن نفسه! أما في الوجه القبلي الأكثر فقراً فقد كان سقف الطموح الشعبي للتنعم هو العسل الأسود المصنوع من بقايا تكريرالسكرمن نبات القصب، فكانت الأسطورة تقول إن الثوار عندما دخلوا قصر عابدين لقوا العسل الأسود زلع زلع (أي جراراً جرارا). والآن فإن أسطورة عشبة الخلود التي سعي إليها كلكامش وسها عنها علي الشاطئ عندما نزل إلي البحيرة ليستحم تبدو معكوسة، فالماء الذي أطاح بحلم كلكـامش هو ذاته ما يمنح الخلود، إذ تحكي الأسطورة المطبخية عن فرق من الغطاسين متخصصة في صيد نوع معين من الجمبري للإفطار. جمبري للإفطار، وما علي المتلقي إلا أن يبتدع بخياله الشكل الذي ينبغي أن يكون عليه الغداء!ولا تتحمل المطابخ وحدها عبء السعي إلي الخلود المستحيل، ففي ثنايا الأسطورة المعملية التي لاتبدو حدودها واضحة مع حدود التقدم العلمي تختبئ أجهزة لتنقية الهواء وإنعاش الدم بالأوزون، بينما يتحول الخروف المعصور في الأسطورة الملكية بشراً سوياً، إذ تتحدث الأساطير عن الحقن بخلاصات الأجنة البشرية. ورغم أن الفساد المالي منطقة نفوذ تاريخية للتهكم والنكتة لدي المصريين، إلا أنهم لايتوقفون عن انتاج الأساطير غير المنقطعة الصلة بالواقع، وهذا أمر شرحه يطول.0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية