ميخائيل باختين
كنا في سنة 1981 نحضر شهادة استكمال الدروس في مقرر الرواية، وكان تصور باختين جزءا منه. بعد بحث مضن عن كتابه «قضايا بويطيقا دوستويفسكي» (1929)، حصلت عليه، كما حصلت بعد ذلك على كتابه حول رابليه، الذي لم يكن اسمه غريبا عني. لقد كانت منتخبات من عمله السردي حول غارغانتيا وبانتاغوييل، مقررة علينا في مادة الفرنسية في الثانوي.
آراء باختين كانت بالنسبة إلينا جديدة ومختلفة عن الدراسات التي كانت تعنى بالرواية وتاريخها وتحليلها. وكانت مفاهيمه حول الكرنفال، والحوارية والبوليفونية من أكثرها جاذبية وحضورا في الكثير من الكتابات العربية منذ أواسط الثمانينيات وحتى بداية الألفية الجديدة. لكننا بعد ذلك أجهزنا عليه، تماما كما قلنا بموت الكثير من التصورات والنظريات التي اشتغلنا بها ردحا طويلا من الدهر.
ولعل مواقفنا الآن من لوسيان غولدمان الذي استهلكته الدراسات الأدبية العربية خلال السبعينيات، والبنيوية خلال الثمانينيات والتسعينيات، يكشف لنا ذلك بجلاء؟ لكننا بالمقابل نجد الدراسات الأجنبية في الجامعات العالمية تعيد النظر الآن في منجزات باختين، وتناقش آراءه، عاملة على تحقيقها، وتدقيقها من خلال إعادة النظر في ما قدمه للدراسات الأدبية وغيرها، خاصة من خلال مفاهيمه حول «الحوارية» و»البوليفونية»، أو ما يترجم إلى العربية بـ»تعدد الأصوات». ولا داعي للمقارنة بين واقع الدراسة الأدبية العربية التي تنهض على القطيعة، ونظيرتها العالمية المبنية على الاستمرار.
آراء باختين كانت بالنسبة إلينا جديدة ومختلفة عن الدراسات التي كانت تعنى بالرواية وتاريخها وتحليلها. وكانت مفاهيمه حول الكرنفال، والحوارية والبوليفونية من أكثرها جاذبية وحضورا في الكثير من الكتابات العربية منذ أواسط الثمانينيات وحتى بداية الألفية الجديدة.
دراسات كثيرة بمختلف اللغات تعيد النظر الآن في منجزات باختين، لأن مصطلحيته حول الحوار والحوارية وتعدد الأصوات، تعدت مجال الدراسات الأدبية واللسانية وتحليل الخطاب وصارت متداولة بشكل كبير في الأبحاث الفلسفية والحقوقية والاجتماعية والنفسية والأنثروبولوجية، وقد جعلها هذا الانتشار في حقول متعددة تأخذ دلالات ومعاني مختلفة، وأحيانا متعارضة. كما أن إعادة النظر اهتمت كثيرا بالترجمات المختلفة عبر الرجوع إلى نصوصه باللغة الروسية، ومناقشة كيفيات تلقيها في مختلف البيئات التي رحلت إليها، بل تعدى الأمر البحث في صحة نسبة بعض النصوص إليه، والتشكيك في شيء اسمه «حلقة باختين».
يعود كل هذا الاهتمام بباختين في رأيي إلى عدة عوامل مجتمعة ساهمت في ذلك، فمن جهة نجد ذلك في تعرضه للاعتقال في الاتحاد السوفييتي، واعتماده اسمين مستعارين للكتابة؟ ومن جهة ثانية في مغايرته لما كان سائدا في الدراسات الأدبية، وتجديده لها. وثالثا في كون أعماله لم يتم التعرف عليها إلا في وقت متأخر جدا من حياته. وأخيرا في تدخل عوامل خاصة في تلقيه وترجمته. كل هذه العوامل جعلتنا أمام شخصية متعددة الأبعاد والأصوات، وحوارية بشكل متميز، كما يعبر عن ذلك جينيت ميشو في دراسته حول، «باختين قارئا لباختين»، داعيا إلى استكشاف باختين آخر مختلف عن الذي تم الترويج له منذ بداية ترجمة أعماله إلى الفرنسية في بداية السبعينيات.
أثار تلقي باختين وترجمة أعماله آراء كثيرة.. وفي الملف الذي أعدته مجلة «دفاتر البراكسيماتية» (2011) حول موضوع «الحوارية: من تاريخ مفهوم إلى تطبيقاته»، تبحث إينا تيلكوفسكي في الجذور الاجتماعية لتصور الحوار لدى باختين من خلال كتابه حول دوستويفسكي، فتشير إلى أن كريستيفا في تقديمها لكتابه هذا (1970) أدرجت أولا: «الحوارية» كما قدمها باختين في نطاق اللسانيات، وتحليل الخطاب، ضمن السياق الذي كان سائدا في بداية السبعينيات، في الوقت الذي انتشرت فيه آراء بنفنست حول نظرية التلفظ، وميشيل بيشو حول تحليل الخطاب. كما إنها من جهة ثانية، أقامت علاقة بين تصور باختين والتحليل النفسي عند جاك لاكان، الذي كان مهيمنا آنذاك. وأخيرا تبين تيلكوفسكي أن كريستيفا اقترحت مفهوم «التناص»، وجعلته متصلا بتعدد الأصوات عند باختين، واعتبرت أفكار باختين، تبعا لذلك، مشابهة لما كان يروج له بارث وفوكو حول «موت المؤلف» من خلال تصوره حول تعدد الأصوات. وتستنتج الباحثة أن كريستيفا قرأت باختين في ضوء مباحث ومجالات لا علاقة له بها: تحليل الخطاب، ونظرية التلفظ، والتحليل النفسي اللاكاني، مؤكدة أن هذه التصورات لم تكن شائعة ولا متداولة في الاتحاد السوفييتي في العشرينيات؟ بل إن الباحثة تذهب أبعد من ذلك في إشارتها إلى أن مفهوم «الحوارية» ليس من ابتكار باختين. لقد سبقه إلى توظيفه ومن خلال روايات دوستويفسكي نفسه، ليونيد غروسمان في كتابه «بويطيقا دوستويفسكي» (1924)، أي قبل خمس سنوات من ظهور كتاب باختين، مبينة أن باختين يحيل على الكتاب، وينتقد صاحبه الذي ربط الحوارية بالحوار الدرامي أو الأفلاطوني، كاشفة عن كون حوارية باختين مختلفة عما جاء به غروسمان.
يذهب المذهب نفسه ألان راباتيل (2013) بقوله إن باختين اعتبر في فرنسا السبعينيات رائد نظرية التلفظ، والقائل بموت المؤلف، وفي أمريكا الثمانينيات نظر إليه على أنه المفكر الليبيرالي المناهض للنظام الشمولي، والمنظر الأخلاقي والأرثوذكسي المحافظ. كل هذه المناقشات وهي تعيد النظر في باختين تجتهد في إعادة استكشاف التصورات والمفاهيم والمصطلحات والنظريات بهدف تجديد المعرفة العلمية، وتطويرها. أما عربيا فنحن لم نعرف باختين الأول، فأنى لنا استكشاف الآخر؟
كاتب مغربي