باريس- “القدس العربي”:
تحت عنوان: “إسرائيل.. بداية وعي داخل الجيش تثير قلق السلطة”، قال موقع ميديابارت الاستقصائي الفرنسي إنه بينما يعلنُ رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، باسم الحرب ضد حركة حماس، عن توسيع هجومه الدموي على غزة، تظهر علامات تململ داخل الجيش الإسرائيلي. فقد انطلق الحراك من طيّاري الاحتياط، وبدأ ينتشر تدريجياً.
يبدو أن هناك نسيم عصيان بدأ يهبّ داخل الصفوف في إسرائيل.. فمنذ هجوم 7 أكتوبر 2023، يعملُ نتنياهو على خلط متعمّد بين الحق في الدفاع عن النفس ضد “الإرهاب”، وحق الانتقام من الشعب الفلسطيني، يقول موقع ميديابارت.
يعملُ نتنياهو على خلط متعمّد بين الحق في الدفاع عن النفس ضد “الإرهاب”، وحق الانتقام من الشعب الفلسطيني
فشهر مارس/آذار لم يكن فعليًا شهر حربٍ في ضمير كثير من المدنيين والعسكريين، بسبب كسر الهدنة التي كانت سارية في غزة منذ يناير/كانون الثاني، بشكلٍ غير مبرر. وقد بدأت حينها تظهر حالات رفض للالتحاق بالخدمة، الأمر الذي غطّته الصحافة الإسرائيلية مراراً. في هذا السياق، وقّع نحو ألف من المتقاعدين أو جنود الاحتياط في سلاح الجو الإسرائيلي نداءً يدعو إلى ضمان إطلاق سراح الرهائن المحتجزين لدى حماس، حتى لو تطلّب ذلك إنهاء الحرب على غزة.
وقد نُشر النص في عدد من الصحف يوم الخميس 10 أبريل/نيسان الجاري في شكل رسالة مفتوحة جاء فيها: “الاتفاق وحده يمكن أن يعيد الرهائن بسلام، بينما يؤدي الضغط العسكري في المقام الأول إلى مقتل الرهائن وتعريض جنودنا للخطر”. ولفتت الانتباه جملة محددة: “الحرب تخدم بالأساس مصالح سياسية وشخصية، وليست مصالح أمنية”. وسرعان ما جاء ردّ السلطة على هذا الاتهام الضمني لسياسة رئيس الوزراء اليمينية المتطرفة.
في اليوم ذاته – يُشير موقع ميديابارت- أعلنت قيادة الجيش أن الموقعين على الرسالة سيكونون موضع إقصاء: “أي جندي احتياط نشط وقّع على الرسالة لن يُسمح له بالاستمرار في الخدمة”. كما أصدر مكتب رئيس الوزراء بيانًا أضاف فيه: “الرفض هو رفض، حتى لو جاء ضمنيًا أو بعبارات مخفّفة”. وتابع البيان: “التصريحات التي تُضعف الجيش الإسرائيلي وتقوي أعداءنا في زمن الحرب، لا تُغتفر”.
استأنف الجيش الإسرائيلي غاراته الجوية وهجومه البري في غزة في 18 مارس/آذار، بحجة إرغام حركة حماس على إطلاق سراح الرهائن الإسرائيليين المحتجزين لديها. علماً أن الهدنة التي تم التوصل إليها من 19 يناير/كانون الثاني حتى 17 مارس/آذار كانت قد أسفرت عن تحرير 33 رهينة إسرائيلية – من بينهم 8 جثث – مقابل إطلاق سراح نحو 1800 أسير فلسطيني.
وقد زاد هذا الخرق للهدنة من انقسام المجتمع الإسرائيلي، الذي استُخدمت “مشاعره المشروعة” عقب هجوم 7 أكتوبر/تشرين الأول كذريعة لسلسلة من عمليات الانتقام الدموية، مما زرع بذور الشك والتساؤل. ويتجلى ذلك في ردود الفعل المتباينة على الرسالة المفتوحة لطياري الاحتياط أو المتقاعدين في سلاح الجو، يوضح موقع ميديابارت دائما.
قال أحد الموقعين، مفضلاً عدم الكشف عن اسمه، لموقع صحيفة “يديعوت أحرونوت” باللغة الإنكليزية: “الأمر لا يتعلق برفض أو تحدٍّ للجيش، ولا يُوجّه ضده”. ووفقاً للصحيفة، فإن الجيش لم يصنّف الرسالة رسمياً كفعل عصيان أو تمرد، لأنه لم يتلقَّ أيٌّ من الموقعين أوامر مباشرة رفض تنفيذها.
في المقابل، اعتبرت صحيفة “إسرائيل هايوم” المجانية – وهي ذات أكبر توزيع في إسرائيل، رغم أنها نشرت الوثيقة – أن الرسالة كتبها “مُشعِلون للفوضى” و“عملاء الفوضى”، هدفهم الوحيد هو “تشويه سمعة أبطال سلاح الجو”، و“الضغط سياسياً على الحكومة بطريقة غير مبررة”.
رغم الدعاية الإعلامية وضغوط الجيش، يبدو أن حركة الوعي هذه – التي قد تمهّد للعصيان – آخذة في التوسع
ورغم الدعاية الإعلامية وضغوط الجيش، يبدو أن حركة الوعي هذه – التي قد تمهّد للعصيان – آخذة في التوسع. ففي يوم الجمعة 11 أبريل/نيسان، نُشرت رسالة أخرى في وسائل الإعلام الإسرائيلية، موقعة من نحو 250 جندي احتياط من وحدة الاستخبارات العسكرية 8200، يؤيدون فيها الطيارين الذين تحدثوا في اليوم السابق، يتابع موقع ميديابارت.
وجاء في الرسالة: “نحن نشاركهم القلق العميق والمُقلق بأن الحرب في الوقت الراهن تخدم بالأساس مصالح سياسية وشخصية، لا أمنية. نحن قلقون من تآكل قوة الاحتياط وارتفاع معدلات عدم الالتحاق بالخدمة، ونخشى من العواقب طويلة الأمد لهذا التوجه”.
وتساءل موقع ميديابارت إلى متى سيتمكن بنيامين نتنياهو من الاكتفاء بشجب من يصفهم بـ “الفوضويين” الذين “يسعون لإسقاط الحكومة”؟ لا سيما أن قدامى سلاح البحرية أيضاً أطلقوا نداءً لإنهاء العمليات الدموية ضد غزة، وانضم إليهم أطباء احتياط.
وفي صحيفة “هآرتس”، خرج جاي بيرل، جندي ممرض، من دائرة المجهولية ليعبّر بقوة عن رفضه بعد أن خدم دون اعتراض، قائلاً إنه رفض استئناف الحرب في مارس/آذار: “كان سيتم القضاء على أطفال أبرياء وعائلات بأكملها في غزة، فقط لتفادي مواجهة النظام الحاكم في إسرائيل للمساءلة التي ستأتي حتماً بعد انتهاء القتال”.
واختتم بيرل مقاله بعبارة جريئة: “حكومة من المجرمين لعبت على رغبة الشعب في الانتقام وضخّمتها، كي تهرب من المسؤولية وتعزز سلطتها”.
ورغم توقعه أن يُسجن، لم يُعاقب سوى بغرامة مالية، ليختم قائلاً: “لا يجب على أحد أن يتعاون مع نظام كهذا. أقوى وسيلة مقاومة لدينا – وربما الوحيدة الفعالة – هي رفض الخدمة العسكرية، مقروناً بالعصيان المدني”.