ميردوخ والاستثمار في الإعلام العربي

حجم الخط
0

اقبال التميميفي خضم فضيحة التجسس الأخيرة التي قامت بها صحيفة ‘نيوز أوف ذا وورلد’ المملوكة من قبل الملياردير الأسترالي الأصل روبرت ميردوخ وكان ضحيتها ما يقارب 4000 هاتف محمول لشخصيات بريطانية مهمة في عالم السياسة ومشاهير الفن وعائلات الجنود القتلى في أفغانستان والعراق، اضطر أعضاء البرلمان البريطاني الرد على سيل من الأسئلة الموجهة إليهم من قبل الصحافيين المهتمين بنزاهة مهنتهم ومن عامة الشعب، لكشف مدى التواطؤ بين أفراد من الحكومة وبين أقطاب الصحافة في بلادهم التي تتباهى بكونها بلد الحريات الشخصية واحترام حقوق الإنسان.

في بريد الكتروني وصلني يوم أمس من ستيفين ويليامز، نائب حزب المحافظين عن منطقة غرب بريستول حيث أقع ضمن دائرته، أن الحكومة السابقة التي قادها حزب العمال أنفقت 38 مليون جنيه استرليني من مال الشعب ودافع الضرائب، على صحف عالمية ما بين الأعوام 2005 و2010 وذلك لتمرير أجندات أخبارها الخاصة.

كما كشف سؤال برلماني موجّه إلى الرئيس المشترك للجنة الخزانة لعضو حزب الديمقراطيين الأحرار ستيفين ويليامز بأن أكثر من 17 مليون جنيه استرليني أنفقت على تمرير أخبار مدفوعة الثمن لصحيفة الصن، بما فيها مبلغ 4.5 مليون جنيه أنفقت ما بين ابريل 2009 واذار 2010. كما تم إنفاق 877.153 جنيه على الدعاية للحكومة في جميع الصحف العالمية الكبرى ما بين ابريل 2010 واذار 2011. وفي معرض تعليقه على الموضوع قال النائب ويليامز: ‘رغم سوء الأحوال الاقتصادية للمال العام، واصلت حكومة حزب العمال السابقة بإنفاق الملايين على صحف التابلويد المملوكة من قبل ميردوخ. إن هذا الأمر يؤكد الانطباع بأن الحكومة البريطانية السابقة كانت مهووسة وعلى استعداد بأن تنفق أموال دافعي الضرائب من المواطنين من أجل تمرير أجنداتها باستخدام ميزانية إعلانات ضخمة. إنني مسرور بأن حكومة التحالف الحالية قامت بتخفيض هذه النفقات بمقدار 90’ من خلال تخفيض التعامل مع هذه الصحف والإبقاء على دفع نفقات المعلومات الضرورية من الأخبار فقط.

فضيحة التنصت على الهواتف كشفت سترها صحيفة ‘الغارديان’ منذ عام 2005. وقامت بمهمة متابعة التحقيقات المتعلقة بعمليات التنصت القذرة التي تورطت فيها صحيفة ميردوخ وشملت آلاف المواطنين العاديين أيضاً، ومن ضمنهم فتاة مفقودة اتضح لاحقا أنها قتلت. بشكل عام الصحافة البريطانية صحافة حزبية تعتمد ثقافة الفضيحة. وهذا يعني أن لكل حزب توجهاته ومحاولاته لتوثيق صلاته مع صحف معينه لتكون بوقه والمدافع عن سقطاته ولتعمل على التشكيك بمصداقية الحزب المنافس. لذلك فرح حزب المحافظين بفضيحة صحف روبرت ميردوخ واستخدمت هذه القضية كمبرر للهجوم على الخصم، وتحميله مسؤولية هذا الخرق القانوني لأن الفضيحة حدثت أثناء دورة حكم حزب العمال.

صحيفة ‘نيوز أوف ذي وورلد’ أو بؤرة فضيحة التنصت، اعتمدت منذ تأسيسها عام 1843 على نشر القصص الجنسية والفضائحيات التي كانت تحصل عليها عن طريق توظيف مراسل في المحاكم يقوم على الاستفادة من تسريب الأحكام القضائية ومن خلال الاطلاع على وثائق المحاكم من إجراءات طلاق وإفلاس وغيرها. واستمر هذا الخط من سياسة النشر في الصحافة البريطانية لاجتذاب القراء وزيادة أرباح الصحف عن طريق اعتماد قصص التشويق التي أصبحت هوساً يصعب كبح جماحه إلى درجة تخطي حدود القانون ونسيان رسالة الصحافة الأخلاقية والخوض في خصوصيات البشر دون مراعاة لحقوق الآخرين الشخصية.

لكن كيف تعنينا هذه الفضيحة كعرب. لن أتطرق هنا للعلاقة الوثيقة بين روبرت ميردوخ ودولة الكيان الصهيوني ودعمه السافر والمستميت عنها. ولا عن إساءاته الصريحة للعرب والمسلمين بكافة قطاعاتهم من خلال امبراطوريته الإعلامية.

لكن ميردوخ استطاع أن يشتري سكوت السياسيين الذين كانت مصالحهم الخاصة تتوافق مع مصالحه. والمؤشرات تدل على أن ميردوخ ما زال مدعوماً من شخصيات سياسية بريطانية معينة، إذ رغم احتجاج البريطانيين على محاولته شراء شركة ‘بي سكاي بي’، إلا أن ميردوخ ما زال غارزاً عصاه في شارع الصحافة البريطانية محاولاً التحكم في الرأي العام من خلال إحباط جهود بناء صحافة ديمقراطية تعتمد التعددية، لأنه يسعى إلى السيطرة المطلقة على الإعلام ووضعه بيد أشخاص قلائل يتحكمون في الرسالة الإعلامية.

بالنسبة للإعلام العربي، يخشى من أذى ميردوخ الذي اعتاد أن يضع المال وحبه للسيطرة على سياسات الدول واستماتته لخدمة إسرائيل من خلال مشاريعه الإعلامية. وقد فوجىء الإعلام العربي في كانون الثاني 2010، بشراكة ميردوخ رئيس شركة ‘نيوز كورب’، مع الأمير السعودي الوليد بن طلال بن عبدالعزيز الذي بنى امبراطورية إعلامية ذات خط واضح لها أذرع في كل دولة عربية. حدثت الشراكة بينهما في عام أعلنت فيه (13) صحيفة دولية إفلاسها نتيجة الركود الاقتصادي الناجم عن الأزمة المالية العالمية التي كان مصدرها أمريكا. وفي نفس العام نشرت الصحافة الأمريكية خبر انتقال عوائد ربح الإعلانات من الصحف الورقية إلى المواقع الالكترونية وانخفاض مبيعات الإعلانات خلال السنوات الأربع الأخيرة بنسبة 40’ وهذا يعني خسارة أكثر من 20 مليار دولار. بينما الأمير الوليد، يملك شركة روتانا الإعلامية التي تضم خمس قنوات فضائية غير مشفرة هي (روتانا كليب)، و(روتانا موسيقى)، و(روتانا سينما)، و(روتانا زمان)، و(روتانا خليجية)، كما تملك شركاته مكتبة أفلام عربية تحتوي على أكثر من ألفي فيلم سينمائي، إضافة إلى (قناة الرسالة)، هذا إضافة إلى استثماره في شركة (ورلد ديزني(. ماذا يريد ميردوخ الذي يملك شركة نيوزكورب التي تضم 800 مؤسسة إعلامية في 52 بلدا ويملك أكثر من 175 صحيفة عالمية و25 مجلة، و12 محطة تلفزيونية في أمريكا إضافة إلى سبع شبكات تلفزة تبث إلى 53 دولة إضافة إلى امتلاكه دور نشر وغيرها، أن يتعلم من الإعلام السعودي الذي طالما تندر به ونظر إليه وإلى الشعب الخليجي والعربي والمسلم نظرة دونية. وما الذي يمكن أن يقدمه للإعلام العربي رجل لا يتورع عن استخدام طرق ملتوية، للتجسس على شخصيات حكومية للحصول على المعلومات، دون استبعاد أن يكون دوره خالصاً لدعم الإرهاب الصهيوني. أكاد أتخيل حجم الابتزاز الذي يمكن أن يطيح برؤوس عربية كبيرة لو استطاعت إسرائيل من خلال مظلة ‘الاستثمار في مشاريع ميردوخ الإعلامية’ أن تزرع أدوات التنصت على حياتهم الخاصة. ما الذي يمكن أن يفعله الخليجيون عندما يأتي ميردوخ وطاقمه لتركيب أدوات الاتصال اللازمة لتشغيل مشاريع الشراكة الإعلامية الجديدة. هل يستطيعون أن يكتشفوا ما يتم زرعه في أجهزة البث، آخذين بعين الاعتبار أن التقارير الأمريكية كشفت أن 90′ من شركات الاتصال في امريكا مملوكة من قبل إسرائيل. وأن شركة ‘أمدوكس إنك’ التي تعاقدت معها الحكومة الأمريكية لإصدار فواتير الهواتف حول العالم، باستطاعتها التنصت على كل محادثة، وهي أيضاً مملوكة من قبل مستثمرين إسرائيليين. كذلك شركة كومفيرس إنفوسيس في أمريكا التي بنت داخل الهواتف رقائق الكترونية تمكنها من تتبع أي مكالمة حول العالم، هي أيضاً استثمار إسرائيلي. يجب أن لا ننسى أن شركة أمادوكس الإسرائيلية اتهمت بتسريب محتويات هواتف الشرطة الأمريكية التي أدت إلى إحباط وانهيار التحقيق في شبكة دولية ضخمة للتجارة بالمخدرات، كما يجب أن لا ننسى أن قضية تزوير البطاقات البنكية وشبكة الاتصالات المعقدة التي استخدمت في اغتيال المبحوح في دبي كانت مرتبطة بإسرائيل.

هل سيأتي ميردوخ للخليج لأنه يعتقد بأن الإعلام العربي لديه ما يقدمه لإمبراطوريته، أم أنها محطة ترانزيت عبر الجيب السعودي لوضع اليد على الخليج وإفقاره مادياً وأخلاقياً وتفكيكه إلى شذرات وتحويله من منطقة ثرية بالثروات الطبيعية إلى دول ذات مديونية إثر عمليات ابتزاز وإقناع بالاستثمار في مشاريع وهمية. ‘ مديرة المرصد الإعلامي للصحافيات العربيات في بريطانيا

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية