ميركل عقدة الذنب المركبة

حجم الخط
0

من المتعارف عليه عالميا أن ألمانيا وشعبها يعانيان من عقدة ذنب تجاه اليهود بسبب المحرقة التي ارتكبتها حكومة هتلر النازية ضد اليهود في أوروبا، بل إن عقدة الذنب هذه تتعدى ألمانيا وشعبها لتلاحق حتى بقية الشعوب الأوروبية التي مارست سياسة الصمت واللامبالاة تجاه هذه المحرقة في حينها. وهذه العقدة والشعور بالذنب والعار كثيرا ما يدفعان الألمان والأوروبيين إلى السعي الدؤوب للتكفير عن جريمتهم بكل وسيلة وعدم تفويت أي فرصة تتاح لهم لتملق ورثة ضحايا المحرقة ممثلين في الكيان الإسرائيلي الذي يتفنن في استخدام فزاعة المحرقة لابتزاز الأوروبيين والغرب بشكل عام ماديا ومعنويا كلما احتاج لذلك. إلا أن هذه العقدة وكما تبدو لدى المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل مركبة، ذلك أنه فضلا عن شعورها بالعار تجاه ما ارتكبته بلادها وشعبها تجاه اليهود في أربعينات القرن الماضي، فهي تعاني من عقدة انتمائها إلى نظام شيوعي قبيل انهيار النظام في ألمانيا الشرقية وإعادة توحيد ألمانيا. فميركل التي شبت وترعرعت وعاشت فترة شبابها في ظل النظام الشيوعي المعروف بدكتاتوريته وقمعه للحريات وتحويله البلاد إلى سجن كبير، تعاني كثيرا في داخلها من أجل التخلص من هذه العقدة المركبة، فنجدها تبالغ في اصطياد الفرص لمغازلة اليهود وخطب ودهم بكل الطرق وبأي وسيلة حتى ولو كان فيها تعد على ثقافات ومقدسات شعوب أخرى للتنفيس عن عقدة المحرقة، وتستغل أي سانحة لتعبر لشعبها عن ندمها لكونها واحدة من أفراد تلك الجمهورية الشيوعية البائسة التي كبلت جزءا من الشعب الألماني بقيود الايديولوجيا المتحجرة.

ولا يمكننا أن نفهم ونتفهم استقبال السيدة ميركل لرسام كاريكاتير مغمور من الدنمارك وتكريمها له لأنه فطن إلى أسهل وسيلة للشهرة والانتشار في أوروبا والغرب اليوم، وهي المجاهرة بالإساءة لمقدسات إسلامية والتهجم على شخصيات إسلامية مرموقة وفي مقدمتها النبي محمد (ص)، لا يمكننا أن نفهم ذلك إلا في هذا السياق، فميركل خريجة المدرسة الشيوعية التي تستهتر بكل الأديان والقيم السماوية، والمسؤولة عن أكثر من خمسة عقود من القمع ودكتاتورية البروليتاريا، وميركل الموصومة بعار المحرقة كأي ألماني، تحتاج لكل سانحة للتنفيس عن هذه العقدة المركبة وهي لن تفوت أي فرصة تصادفها أو يتم الإيحاء لها بها لتستغلها في التخفيف من هذا الشعور بالعار ونبذ ماضيها المرتبط بقمع الحريات والدكتاتورية باعتبارها واحدة من رعايا النظام الشيوعي، وللتخفيف من عقدة المسؤولية عن جريمة المحرقة وهي عقدة لم ينج من عذابها أي ألماني حتى ممن ولدوا في الألفية الثالثة.

وفي خضم هذا الاندفاع المسعور للتخلص من هذا العار القديم المركب نسيت ميركل أو تجاهلت عن عمد أنها تضيف عارا جديدا لنفسها ولشعبها الذي اختارها على رأس المستشارية الألمانية ولأوروبا بشكل عام، عندما تنزل رئيسة المستشارية إلى هذا المستوى المبتذل من الانتهازية للتنفيس عن عقدها بإضافة عقد جديدة وعار جديد إلى رصيدها البغيض باستقبالها لذلك الرسام المهووس بمعاداة الأديان وخاصة الإسلام والمدفوع بقوى صهيونية تعمل بمنهج منظم لتأليب الرأي العام الأوروبي ضد الإسلام والمسلمين، مستغلين جهل المسلمين وعجزهم عن التعامل مع هكذا نماذج بعقلية علمية تترفع عن الاستجابة لهكذا استفزازات رخيصة ومبتذلة.

وميركل عندما تستقبل هذا الرسام المدفوع بالكراهية للإسلام والمسلمين دونما سبب جوهري تعرف جيدا أن ما قامت به لن يمر مرور الكرام في العالم الإسلامي الذي يشكل ربع ساكني المعمورة، وأن المساس بمقدسات المسلمين ونبيهم هي الخط الأحمر الذي لا يسمح المسلمون لأي شخصية اعتبارية في أي مكان من العالم بالاقتراب منه، ذلك أن ميركل لم تستقبل الرسام الدنماركي بصفتها الشخصية، فهي اليوم على رأس السلطة التنفيذية في أقوى دولة بالقارة الأوروبية تقود القاطرة الأوروبية الموحدة، وبالتالي فإن المسلمين يرون في هذا التكريم والاستقبال المبرمج تبنيا رسميا ألمانيا وأوروبيا لوجهة نظر ذلك المهووس بالكراهية والعداء لثقافة ومقدسات مليار وربع مليار مسلم، والذي يسيء وبشكل مباشر برسومه تلك لواحدة من قيم التنوير الأوروبية التي ضحى أجداده من أجلها وهي احترام عقائد وثقافات الآخرين والتسامح معهم. ولعل السيدة ميركل هي الأخرى بل يمكننا القول إنها من الأرجح أن تكون قد استسهلت طريقة ذلك الرسام في نيل المزيد من الشهرة من جهة ونيل رضى الحركة الصهيونية ولوبياتها من جهة أخرى بانضمامها إلى جوقة استفزاز المسلمين واستثارتهم وإن بشكل غير مباشر ومن خلال استقبال مغمور مفلس لم يجد طريقا للشهرة سوى التهجم على الإسلام ومقدساته، خاصة وأنها (ميركل) كما أسلفت تحتاج هذه الأيام لتبييض صفحتها لدى اللوبي الصهيوني المستأسد في أوروبا، والتخفيف من عقدة كونها عاشت فترة شبابها في ظل نظام شيوعي لم يحترم آدمية الإنسان وسحق بقبضته الحديدية أرواح مئات الآلاف من الألمان طيلة النصف الثاني من القرن العشرين.

وإن كانت ردود فعل العامة من المسلمين إزاء هذه التهجمات والاعتداءات الغربية المنظمة ضد عقائدهم ومقدساتهم والتي كثيرا ما تتبناها الحكومات الغربية تحت ستار حرية الرأي والتعبير، إذا كانت هذه الردود تفتقر للعقلانية والانضباط في بعض الأحيان، إلا أننا نجد في التبني غير المباشر لهذه التعديات من قبل الحكومات والمسؤولين الأوروبيين ومنهم ميركل ما يبرر بعض الردود المنفلتة لمسلمين في أوروبا أو خارجها، فمسألة التعدي على ثقافة ومقدسات الآخرين وبث الكراهية ضدهم من خلال تصريحات أو رسوم أو مقالات أو أفلام تعرض وتذاع وتنشر بشكل مبرمج وتلقى الرعاية من مؤسسات رسمية ومسؤولين رفيعي المستوى مثل ميركل، هي في الواقع تصرف ينبئ عن توجه عام ورسمي في مناصبة العداء والكراهية لتلك الثقافة والمقدسات، وتعمد استثارة أتباعها واستدراجهم للمواجهة وارتكاب أخطاء يتم تضخيمها وتسويقها إعلاميا بين الأوروبيين كمنتج إسلامي أصيل بما يؤيد الأراجيف والأكاذيب التي يسوقونها عن الإسلام والمسلمين.

وأمام هكذا تصعيد مبرمج يفتقر للعقلانية والمنطق نحو خلق حالة من العداء غير المبرر بين المسلمين والغرب، إن من جهة الطبقة السياسية الأوروبية أو من جهة الشارع الإسلامي، فإن طبقة المثقفين والمتنورين الأوروبيين والمسلمين مدعوة اليوم للتحالف والعمل معا لإحباط هذه المخططات المدفوعة بعقد ذنب لا تبرر اختلاق هذه الحالة من العداء والكراهية ولا تربطها أي رابطة بتلك الجرائم، والعمل على إبراز كل ما يقرب بين الثقافتين ويبعد شبح التصادم بينهما، خاصة وأن ما يجمع بين المسلمين والأوروبيين اليوم من مصالح هو أكبر وأهم من كل الخلافات والاختلافات التي يتم الترويج لها وتعميقها بمنهجية متآمرة ومعادية لمصالح الشعوب.

محمد أحمدطرابلس – ليبيا

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية