ميسي ضد مودريتش.. معركة رد الكرامة وحبس الأنفاس!

عادل منصور
حجم الخط
0

تتوجه أنظار المليارات من أهل الأرض نحو ملعب “لوسيل” بعد 24 ساعة من الآن، لمشاهدة القمة الأوروبية اللاتينية، التي ستجمع آخر وصيف لكأس العالم المنتخب الكرواتي، بالبطل السابق في مناسبتين المنتخب الأرجنتيني، لتحديد ومعرفة هوية المحظوظ الأول بالحصول على تذكرة العودة إلى نفس التحفة المعمارية يوم الأحد المقبل، أملا في التقاط الصور التذكارية مع المونديال في يوم العيد الوطني للدولة المنظمة قطر.

الطريق نحو لوسيل
كما شاهدنا، لم يكن طريق التانغو نحو المربع الذهبي مفروشا بالورود، لا سيما بعد الاستيقاظ على كابوس المنتخب السعودي، فيما عُرفت بصدمة القرن في افتتاحية المجموعة الثالثة، التي شكلت صدمة لليونيل ميسي ورفاقه، لدرجة اعتراف البرغوث صراحة، بأن الصقور الخضر تسببوا في دخول نجله في نوبة بكاء، حزنا على الهزيمة غير المتوقعة، لكن سرعان ما أثبتت التجارب، أن هذه الصدمة جاءت بنتائج إيجابية، تجلت في التحول الملموس في عقلية اللاعبين، بطريقة أعادت إلى الأذهان الصورة التي كانوا عليها في حملة الكوبا الناجحة في أرض العدو البرازيلي اللدود، بدأت بتخطي المنتخب المكسيكي العنيد، في المباراة المفصلية في مشوار المنتخب على مستوى المجموعات، وكالعادة جاءت الانفراجة على يد الفضائي، مجسدا المقولة المأثورة “ميسي يأتي عندما تحتاجه الأرجنتين”، وفعلها بلحظة إبداعية على طريقته الخاصة، انتهت بتسديدة حلزونية في شباك أيقونة المونديال أوتشو، ثم بهدية إلى إنزو فرنانديز، كانت كافية لتأمين بقاء بطل نسختي 1978 و1986 في عاصمة كرة القدم حتى إشعار آخر، بعد التهديد الصريح بالإقصاء المبكر، ليأتي موعد استعادة الثقة والتقاط الأنفاس والقبض على صدارة المجموعة، في ليلة الاستقواء على روبرت ليفاندوسكي ورفقائه في المنتخب البولندي، بفوز اقتصادي بثنائية نظيفة بأقل مجهود.
مرة أخرى ظهر ليو في الوقت المناسب، كاسرا نحسه الأبدي مع مباريات خروج المغلوب، بالتوقيع على أول هدف في تاريخه في دور الـ16 في مرمى المنتخب الأسترالي، في المباراة التي كشفت الكثير عن ملامح وشخصية كتيبة المدرب سكالوني، كمنتخب يتمتع بالمقاومات اللازمة للذهاب بعيدا في أم البطولات، أبرزها التسلح بحامي عرين من الطراز العالمي مثل إيمليانو مارتينيز، أو بلغة كرة القدم “قادر على صنع الفارق”، بالطريقة التي سحب بها البساط من الجميع في تصديه المذهل لانفراد السوداني الأصل غارانغ كول في الوقت المحتسب بدل من الضائع، فضلا عن السلاح الرادع، بالاستفادة من عصارة خبرة ميسي، باعتباره الورقة التي تعطي منتخب التانغو أفضلية مسبقة أمام الخصوم، بضغط نفسي هائل على مدافعي المنافسين، الذين لا يملكون إلا الدعاء والصلوات قبل مواجهته وهو في هذه الحالة ومستوى التركيز داخل المستطيل الأخضر، تماما كما جسد المصطلح الشائع “العلامة الفارقة” في صدام الطواحين الهولندية في ربع النهائي، الذي سحر فيه الأعين، بتمريرة من كوكب آخر لزميله مولينا، على إثرها لم يصدق الأخير أنه في لمح البصر، أصبح وجها لوجه مع الحارس أندريس نوبرت، ليغالطه بلمسة ولا أروع في الشباك، وتبعها تكفل بنفسه بإضافة الهدف الثاني من علامات الجزاء، وشاء القدر أن يتعرض ميسي ورفاقه، لاختبار نفسي معقد لشخصيتهم وقوتهم من الناحية الذهنية على الثبات، بعد عودة منتخب الأراضي المنخفضة في النتيجة في الدقائق الأخيرة عن طريق البديل الموفق فوت فيغورست، ولعل من تابع الأشواط الإضافية، لاحظ تماسك المنتخب اللاتيني وتفوقه على نظيره الأوروبي، باستحواذ ومحاولات جادة على المرمى، بيد أن لاوتارو مارتينيز، أصر على منافسة غونزالو هيغواين، في التلاعب بأعصاب ومشاعر أبناء وطنه، باستكمال ما فعله في ليلة ضياع الفرص السهلة أمام أستراليا، ولأن حارس المرمى يستحق ما يُقال عنه إنه “نصف الفريق”، ظهرت قيمة قيمة إيمليانو في ركلات الجزاء الترجيحية، التي أرادت أن تبتسم للتانغو للمرة الثانية على التوالي أمام نفس المنافس، بعد حسم موقعة نصف نهائي البرازيل 2014 من علامة الجزاء.

ملوك الواقعية
أيضا مشوار المنتخب الكرواتي نحو نصف نهائي “لوسيل”، كان مليئا بالعقبات والاختبارات النفسية، التي لا يتحملها إلا الأقوياء ذهنيا وبدنيا، الذين يصعب الفوز عليهم في مباراة كرة القدم ممتدة ليوم أو اثنين آخرين، يكفي أننا نتحدث عن منتخب اكتفى بتحقيق فوز وحيد على مستوى النتيجة، وكان على حساب المنتخب الكندي في المرحلة الثانية لدور المجموعات، وذلك من أصل 5 مباريات خاضها في المونديال الشرق الأوسطي، بدأها بالتعادل السلبي مع فخر العرب المنتخب المغربي، في افتتاح نزاعات مجموعة الموت، وآخر بنفس النتيجة أمام بلجيكا في ليلة تأمين الوصافة مع أسود أطلس، قبل أن يأتي موعد مبارياتهم المفضلة في الأدوار الإقصائية، التي تظهر فيها نقطة قوتهم وكلمة السر في تفوقهم على المنافس، والإشارة إلى واقعيتهم وقدرتهم العجيبة على الحفاظ على تركيزهم على مدار 120 دقيقة، كأنهم يتعمدون استدراك المنافسين إلى الأشواط الإضافية، لإيقاعهم في شباك الاخطبوط دومينيك ليفاكوفيتش في لحظات الاحتكام لركلات الترجيح، كما تفنن في تعذيب الساموراي الياباني في دور الـ16، ثم ملوك اللعبة المنتخب البرازيلي في أمسية الجمعة الماضية، كأننا نشاهد روائع طيب الذكر دانييل سوباسيتش، أمام الدنمارك وروسيا في نفس المرحلتين في نسخة 2018، إما دليلا على حظهم الاستثنائي، كفريق لم يعرف طعم الهزيمة في 4 مناسبات إقصائية انتهت باللجوء لركلات الحظ الترجيحية، وإما دليلا على ذكاء ورباطة الجأش التي يتمتع بها هذا الجيل بالذات، والجينات الكرواتية بوجه عام، باعتبارها المرة الثالثة، التي يتخطى فيها الدور الأول في كأس العالم، وينجح خلالها في حجز مكانه بين الأربعة الكبار، حيث كانت المرة الأولى، بقيادة مُلهم الأجيال دافور سوكر في فرنسا 1998، واكتملت بانتزاع المركز الثالث والميدالية البرونزية من هولندا، وفي روسيا بمقارعة فرنسا في المباراة النهائية.

رد الكرامة
يبدو واضحا وضوح الشمس في ظهيرة يوليو/تموز، أن جيل الأرجنتيني الحالي، يتعامل بحساسية شديدة وقسوة مبالغ فيها مع أعداء الماضي وكل من ينتقدهم، ولعلنا شاهدنا الحرب البدنية والكلامية النارية في ليلة إقصاء الطواحين البرتقالية، التي أسفرت عما مجموعه 14 بطاقة صفراء موزعة على المنتخبين، لأسباب تتعلق بالصراع القديم بين لويس فان خال وصديق ليو، الأسطورة رومان ريكيلمي، الذي رحل عن برشلونة في بداية الألفية، بسبب المدرب الهولندي، بجانب ما قاله الأخير في حديثه الروتيني مع الصحافيين، بشأن عدم اقتناعه بالمحتوى الأرجنتيني ولا الكرة المعروفة عن راقصي التانغو، والعكس لمنتخب بلاده، الذي وصفه بالأفضل والأكثر إمتاعا وإقناعا في العالم، وهذا يفسر احتفال ميسي بهدفه، بمحاكاة الاحتفال الشهير لريكيلمي.. وأين؟ على بعد أمتار من المدرب الهولندي وجهازه المعاون، وسبقها دخل في مشادة كلامية مع نفس المدرب، فيما فسرت على أنها إشارة أو رسالة للتشفي في المدرب، ردا على تهكمه على المنتخب الأرجنتيني، والآن جاء موعد رد الكرامة والثأر من لوكا مودريتش وأصدقائه، بعد الإذلال الكبير أمامهم في مباراة الجولة الثانية في النسخة الأخيرة، تلك المباراة التي انتهت بثلاثية نظيفة حملت توقيع أنتي ريبيتش ولوكا مودريتش وإيفان راكيتيتش، في حضور ليونيل ميسي وأكثر من لاعب شاهد عيان في التشكيل الحالي، أبرزهم أوتامندي وإينزو بيريز وأنخيل دي ماريا، فيما كانت المواجهة المباشرة الثانية بينهما على مستوى كأس العالم، بعد الأولى في الظهور الأول للكروات في المونديال، في فرنسا 1998، وآنذاك فاز غابرييل باتيستوتا وأيالا والبقية بهدف هيكتور بيندا في الدور الأول، والسؤال الآن.. يا ترى من سيكون الحظ في المواجهة الثالثة الأكثر أهمية في المواجهات المباشرة بينهما؟ وبصيغة أخرى.. من الأوفر حظا؟

حبس الأنفاس
كما أشرنا أعلاه ويعرف المتابع البسيط قبل خبراء التحليل، أن مباريات كرواتيا في مراحل خروج المغلوب، لا ينصح بمشاهدتها لأصحاب القلوب الضعيفة، بسيناريوهات تفوح منها الإثارة والتشويق، آخرها العودة من بعيد أمام البرازيل، في مباراة كان يعتقد 99% من المشاهدين، أنها قد انتهت وحسمت عمليا، بعد هدف نيمار جونيور العالمي في الأشواط الإضافية، لكن ما حدث على أرض الواقع، كان صادما لعشاق السامبا والسحر البرازيلي، بعودة هيتشكوكية قبل نهاية الشوط الإضافي الثاني بدقائق تعد على أصابع اليد الواحدة، اكتملت بغارة مفاجئة عن طريق أورسيتش من الجانب الأيسر، أنهاها بعرضية لبرونو بيتكوفيتش، حولها بتسديدة في الاتجاه المعاكس لحركة الحارس أليسون، لكن يظل القاسم المشترك أو التشابه الكبير بين كرواتيا والأرجنتين، في الاعتماد على اللحظات الإبداعية الخارقة لمودريتش هنا وليونيل ميسي هناك، وبدرجة أقل حراس المرمى، لتميزهما في ركلات الجزاء، إلى جانب تمتعهما بالجودة اللازمة بالنسبة للمنتخب الطامح في المنافسة على اللقب، ما يعني أننا بنسبة كبيرة سنكون على موعد مع سهرة مونديالية جديدة قابلة لكل الاحتمالات، والاحتمال الأكبر أن تحبس الأنفاس حتى الدقيقة 120، كما تعلمنا وتعودنا من جُل معارك الكروات في مباريات خروج المغلوب في هذا النسخة والسابقة، وبالمثل، منتخب التانغو، هو الآخر متمرس على لعبة الصمود حتى الأشواط الإضافية والرهان على تألق حارس المرمى في ركلات الجزاء.
بوجه عام، ستكون مباراة متكافئة بنسبة كبيرة، وبنسبة كبيرة ستحسم بالتفاصيل البسيطة، إما بقرار عبقري من البرغوث، لفك طلاسم الدفاع الحديدي، الذي أرهق المرشح الأول للفوز بالبطولة، المنتخب البرازيلي بكل أصوله الثمينة، متمثلة في نيمار جونيور، فينيسيوس جونيور، رودريغو، ريشارليسون ورافينيا والبقية، باستثناء اللحظة العبقرية، التي تكلمت فيها موهبة أغلى وأمهر لاعب في العالم، بشق الدفاع والمرور من الحارس المغلوب على أمره، مثل السكين الحاد في الزبد، وفي الناحية الأخرى، ستتعلق الآمال مجددا على القائد والأسطورة مودريتش، ليواصل نثر إبداعاته وأداءه الفردي، الذي يفوق وصف مذهل، بالنسبة للاعب بعمر 38 عاما، وما زال يفرض احترامه على الجميع، بالظهور بنسخة تحاكي أو قريبة الشبه من سحر الأنيق زين الدين زيدان، في لحظات مجده، أو كما يقال أعظم أداء فردي في تاريخه، في مبارياته الأخيرة أمام إسبانيا والبرازيل والبرتغال وإيطاليا في مونديال ألمانيا 2006، وهذا في حد ذاته، قد يعطي المنتخب الأوروبي ميزة أو أفضلية على التانغو، المهدد بخسارة قلبه النابض في الوسط دي بول بداعي الإصابة، وأسماء أخرى بداعي الإيقاف لحصولهم على بطاقتين صفراوين، في حين سيتسلح المنتخب الكرواتي بكل عناصره الأساسية في الوسط، بروزوفيتش، كوفاسيتش وإيفان بيريسيتش، ما يعني أن المنتخب الأرجنتيني، سيكون مطالبا بتفادي أخطاء المباريات الماضية، والحديث عن داء إهدار الفرص السهلة التي يتفنن لاوتارو والبقية في إهدارها أمام مرمى الخصوم، وإلا ستكون الفاتورة باهظة الثمن، أمام الفريق الأكثر واقعية وذكاء في البطولة، أو قد تصدق أغلب التوقعات، وتذهب إلى الأشواط الإضافية ومن ثم اللجوء إلى ركلات الجزاء، وهذه المرة ستكون الحسبة مختلفة، لتسلح منافس كرواتيا بحارس مرمى على نفس مستوى ليفاكوفيتش، فهل تكون اليد العليا للمنتخب الأرجنتيني ليقترب ميسي خطوة أخرى عملاقة نحو حلمه الكبيرة بمعانقة كأس العالم؟ أم ستفوز مدرسة كرواتيا الواقعية؟ دعونا ننتظر ونستمتع بمشاهدة ما تبقى من المونديال الأجمل والأفضل في تاريخ كرة القدم.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية