ميشال بورجا… الترجمة أو فن الرحلة

تُلخص هذه الدراسة مُعظم القضايا المرتبطة بنظرية الترجمة وممارستها.. الترجمة رحلة ممتعة تُمكِّن من اكتشاف عوالم جديدة والاستفادة منها، واستثمار إمكاناتها لتغذية الذات وتطعيمها.. الترجمة غزوٌ لفضاءات مُحصَّنة واختراقٌ لتضاريسها الوعرة ورؤيةٌ للآخر بعين الذات وأهوائها.. الترجمة فعلُ ذهابٍ وإيابٍ متواصلين بين نقطتين لاختراق الآخر دون التماهي فيه.. بين رحلة الاستجمام ورحلة الغزو ورحلة الذهاب والإياب، تستحضر هذه الدراسة، بلغة مكثفة وبأسلوب أدبي راق، قضايا الترجمة ومفاهيمها الأساس: الذات والآخر، الثقافي واللغوي، التقارب والتباعد، الحرفي والأدبي، الأمانة والخيانة، التحصين والاختراق، وغيرها من تجليات إشكالات الفعل الترجمي في أبعاده المختلفة. إنها دراسةٌ تُفصِح وتُضمِر، تسأل وتجيب، تُجادِل وتُحاوِر؛ بعنفٍ أحيانا.. وبهدوءٍ أحيانا أخرى…

النص:

نقرأ نصا مثلما نعبر مدينة أو بلدا. تعني القراءة القيامَ بنزهة. يوجد أولئك الذين يعرفون ذلك والذين يجهلونه، أولئك الذين يبحثون عن الآخر وسط منظر طبيعي، وأولئك الذين يبحثون عن ذواتهم.. ثم هناك الآخرون.. تعني الترجمةُ القيامَ بنزهة في بلد أجنبي. إنها تعني الرحلةَ. ويُعَد هذا النشاط، أكثر مما تقوم به القراءة، شاهدا على القدرات التي يمتلكها الفرد لإقامة علاقات باتجاه الآخر، كما يكشف عن نوعية هذه العلاقات ودوافعها العميقة. إنها نشاط يُغري بالتسلل بين ثنايا الآخر وامتصاصه أيضا. وتُفصِح الترجمةُ، في الحالتين معا، عن الرغبة في التعرف على الذات، وعن إرادة التقريب كما نُعبِّر عن ذلك باللسان البرازيلي. يخون هذا التقاربُ باستمرار؛ وكذا الانتقالُ من فضاء إلى آخر، سواء أكان جغرافيا أم لغويا وأدبيا، أيديولوجيةَ العلاقةِ القائمةِ. يوجد من بين الترجمات ما يشبه الرحلة الأولى. نلاحظ المشهد الطبيعي. نُدرك بعض الاختلافات. نقوم، ونحن مُنبهرون، بتفكيك بعض عادات الكتابة وتباين بعض الأفكار. نقتفي أثر النص، كما كنا سنقتفي أثر مرشد سياحي؛ مُتقيِّدين بخط السير المبرمج سلفا. نسمح لأنفسنا بالهبوط على امتداد التركيب اللغوي الأجنبي، دون المجازفة بالتوقف فقط عند المواقع، لنرتقي من جديد صعودا نحو أصْل الكلمات الاشتقاقي. نصطدم، في بعض الأحيان، ببضع وحوش دلالية؛ فنعمل على تصويرها. نصغي، بقلمٍ شاردِ الذهن، إلى أغنيةِ كلمةٍ؛ نعكس صورة مُبهَمة بعض الشيء؛ لكنها صورةٌ جميلة. نقف، في أوقات أخرى، مكتوفي الأيدي أمام بنيةٍ تنتصب أمامنا، نُعيد إنتاجها بشكل متواضع.

يَفقد النص المُستباحُ بهذا الشكل، والمنزوعُ من تربته، غَيرِيتَهُ. لم تعد الكلمات بالكل علامات متألقة بالمعاني المحتملة، وإنما غدت مجرد حقائق جافة. ليست الترجمة باستمرار سوى صورة زائفة. إنها تقوم بدور المحتل على غرار رجل هندي يرتدي الجينز.

نكْتب الدُرْجَة السائدة في البلاد، غير أن الروح تنقُصها. تقوم الترجمة بما هو غريب أيضا، إنها ليست سوى صورة زائفة، زاخرة بالألوان ومبهرة، لكنها صورة غير أصيلة أيضا. إنها تتظاهر بكونها كذلك؛ مثلما يتظاهر هندي يرتدي الريش أثناء الاستعراضات. يُعتبر المترجم، في هذه الحالة، سائحا بارعا. إنه متحمس ويحترم الآخر، كما يَعتقد بأنه يخطو صوبَه خطوةَ فضولٍ، لكنه لا يفهم سوى ما هو شفاف ومُشابِه له. يتقدم كلمة تلو الأخرى وبوعي تام، دون التزام أو عاطفة حقيقية، دون عبقرية. ولا يحمل من رحلته سوى بعض الكلمات التافهة، بعض القوالب النمطية، وبعض الصيغ المُنَسَّمَة بطعم الفلفل الحار، كما لن يتحصل من رحلته، في نهاية المطاف، سوى الاغترابِ والمتعة.
ثم هناك ترجمات تُشبه الغزوات، تَحمِل وسط أمتعتها سلاحا كاملا من أحدث القيم الجمالية والأخلاقية. نرسو بالنص مُدجَّجين بقلم مُستعِد للاختراق، مُحَملٍ بمشاريع يَود تحقيقها. ونبدأ باستغلال الخيرات الأدبية، بعد أن نكون قد قمنا بمسح استكشافي للحقل اللغوي، واكتشاف المجالات الغنية بالأفكار الأولية، وذلك بفضل تقنية مجربة للغاية.
نبدأ بنفض الغبار عن الفقرات المتشابكة جدا، وإيقاد النار في الأفكار الرديئة، والمقترحات الخِلافية للغاية التي يمكن أن تثير الحساسيات. ونُعيد، بعد أن نقوم باقتلاع النعوت الغريبة قليلاً والأقوال المأثورة، زَرْعَ طُرق تعبيرٍ مستوردة وتطعيمَها. ثم نعمل، لتسهيل الوصول إلى الفكرة المختارة، على إعادة رسم سُبُلِ بناء الجملة، أو تشذيب باقة من الصور الملوَّنة، دون الإحساس بأدنى ندم، أو تحويل مَسِير فكرة معينة. وبعدها فقط، نُنبِتُ التعبير المصاغ بطريقة أخرى. ونقوم، بانتقالنا من الفصل إلى الوصل، بوضع بُدلاء جدد يضمنون إعادة النمو.
أخيرا، ولجعل الكل مُعدا للتصدير، نُخضع النص لمعالجة مناسبة. نقوم بالحفر في صُلب قِدَمٍ أثريٍّ جِدِّ مُشرقٍ مُنتسِب إلى ماضيه، ونَقتلع نُموا مجازيا سالفا. يأتي القليل من الغبار الشعريِّ ليضفي لمسة على الملفوظ، في الوقت الذي تَهُز فيه لمسةٌ عاطفية القارئَ المفترضَ. نحن نهذب الذوق ونستوعب. ترتدي بعض الصيغ، الفجة إلى حد ما، صوتا يليق بفرنسية أكثر صفاء، كما يمكن لكل صورة بلاغية أن تتباهى بألفاظها ومعانيها الدخيلة على الألسنة الأخرى.
يَفقد النص المُستباحُ بهذا الشكل، والمنزوعُ من تربته، غَيرِيتَهُ. لم تعد الكلمات بالكل علامات متألقة بالمعاني المحتملة، وإنما غدت مجرد حقائق جافة. ليست الترجمة باستمرار سوى صورة زائفة. إنها تقوم بدور المحتل على غرار رجل هندي يرتدي الجينز. ليس المترجم إذن سوى مستعمر يستقر في النص، كما لو أنه مستقر في منزله. يقوم، بِتسلُّحه بجهاز لغوي كامل، بإخضاع النص وتحويله والاستحواذ عليه. يتقدم المترجم في عمله، باستخدامه العنف والإغواء، فلا يضم سوى ما قام بتكييفه؛ موظِّفا لأجل ذلك قلمه الحاد. توجد، لحسن الحظ، رحلات أخرى تشبه عمليات الذهاب والإياب اللانهائية بين مَنظرين طبيعيين. وإذا كنا نثق في الأصل الاشتقاقي لفعل «تَرْجَمَ» فإن المترجم ليس رحالة ولا مغتصبا، إنه المُهَرِّبُ المحترف، العامل المشتغل على الحدود بين الضفتين؛ الذي يرفض أن يذوب في الآخر بقدر ما يقوم بامتصاصه.

إنه يمحو المسافات مع الحفاظ على الاختلافات وذلك بتحديده نقطَ الالتقاء، ونسجه شبكات تواطؤ خفية بين لسانين وثقافتين، عن طريق خضوعه لإحداهما وقلبه الأخرى رأسا على عقب؛ والعكس بالعكس. وتصبح كلٌّ من الثقافة واللسان، بِبَثِّه الحياة في كل منهما، قطبَ جذبٍ محفّزٍ على تبادلٍ يُسهِّل «التفاعل بين شعريتين» ويؤدي إلى ولادة نمط جديد من العلاقات؛ يَكون نمطَ علاقاتِ حبٍّ ضمنيٍّ، لا نمطَ فضولٍ أو عنفٍ. ينبذ المترجم المتفرغ بما فيه الكفاية، المتقبل أيضا للآخر بطبيعة الحال، اعتمادَ دائرة كلمةٍ بكلمةٍ المفروضة، والمسيرَ المسَطَّر بواسطة ضروراته الثقافية الخاصة به. ويُغامر، بركون حساسيته لأدنى أصداء النص وتعايشه معه، بإلقاء ذاته وسط رحابة العمل الدلالية، ولا يقوم بترجمة «الكلمات وإنما بترجمة التأثير الذي تُحدثه». يَعبُر المترجم النصَّ بالقرب من أشكاله اللغوية والأدبية الخاصة، مثلما يَعبُر رحالة حاذق بلدا بالاقتراب من جغرافيته وثقافته. ويقبل، في كل مَعبر، القيام بالمهمة السرية التي أَلزم بها ذاته بسبب الاحتكاك اللانهائي بين نص ولسان. كما يصبح هو ذاته المكان الذي يجري فيه تحوُّل هذين الأخيرين، حيث يقوم «بإزاحة النص – المصدر عن مركزه» (عبارة لجورج مونان في كتابه اللسانيات والترجمة). ونقله إلى لسان لم يَعد يتطابق بالكل مع لسان-الوصول، لكنه لا يخلو من انسجام مع لسان – الانطلاق.
ربما تعني الترجمة عندئذٍ معرفة كيفية القيام، برفقة نص ولسان مُعيَّنين، بهذه الرحلة اللغوية والأدبية التي تُعبِّر عنها بشكل جيد كلمةُ(translation) الإنكليزية.

كاتب مغربي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية