يري ان التوزيع الموسيقي اليوم أرزاق!
القاهرة ـ “القدس العربي” ـ أحمد الشوكي: بدأ عازفا علي الكمان بفرقة بديعة ماصبني وهو دون العشرين ثم عازفا بالفرقة الماسية، ومع كوكب الشرق أيضا، وفي تلك المرحلة تعلم أصول التوزيع الموسيقي علي يد الموزع الشهير أندريه رايدر فوزع آلاف الأغنيات لرواد الغناء من محمد عبدالوهاب ومحمد الموجي وبليغ حمدي ورياض السنباطي وحتي حلمي بكر ومحمد سلطان.
وفي ذات الوقت المصاحب لنشاطه الموسيقي، كانت موهبة أخري قد ظهرت وتمكنت منه وهي الرسم، فقام برسم مجموعة وجوه مصرية يزين بها حجرة موسيقاه، تشعر أن أحد كبار الرسامين قد رسمها.
وهو الآن يقوم بدور ثنائي ما بين مسؤوليته كعضو في لجنة الاستماع في الإذاعة، وما بين تدريسه لعلم التوزيع الموسيقي بأكاديمية الفنون.
وقد انتهي ميشيل مؤخرا من تسجيل أحدث أعماله سألته عنه فأجاب: هو صورة غنائية، أحسبها آخر أو من آخر أعمالي في أفضل الظروف، فقد تجاوزت الثمانين والرحيل قد يناديني وقد عكفت علي تأليفها وتوزيعها لعدة أشهر، وهي من كلمات الشاعر مصطفي الضمراني، ويشارك فيها بالغناء محمد ثروت وغادة رجب والمطرب الشعبي حسن الأسمر الذي لم أعثر عليه حتي الآن لتسجيل ما تبقي من اللحن الذي هو في حب مصر. هل هي أغنية وطنية مناهضة للفساد؟ الأغنية الوطنية هي هي بمواصفاتها الفطرية المعروفة، أما أن تستخدمها أنظمة ديكتاتورية في تجميل وجهها الكالح المشوه فهذه مسألة أخري، يرجع الي نيتها، فأنا أغني لمصر وليس علي حساب مصر، والأنظمة الفاسدة التي تستخدم تلك الأغنيات الطيبة قناع تخفي تحته ملامحها القاتلة، كمن يستخدم آيات مقدسة ليسرق و يرابي. ما هي المراحل التي تعلمت فيها التوزيع الموسيقي؟ تعلمته علي يد أكثر من أستاذ ومر بأكثر من مرحلة، بدأت بأندريه رايدر، ثم مع الأخوين رحباني، حيث كنت عازف الكمان الأول مع فيروز. ما رأيك في التوزيع الموسيقي الحالي؟ وبماذا تختلف عنه؟ التوزيع الموسيقي اليوم أرزاق، فهو عبارة عن خبط ورزع، وقلة ذوق، ويفتقد لأبجديات التوزيع من الناحية العلمية، بالإضافة إلي الجملة الموسيقية الأساسية والتي يضعها أشباه الملحنون وتكون في أغلب الأحوال ركيكة وفي أخري مسروقة، أما فيما يختص بي فأنا قد درست التوزيع بشكله العلمي الذي يعتمد علي علم الهارموني وهو علم تداخل الأصوات، ويتضمن وجود أكثر من خط تلحيني، بالإضافة إلي العلم بالإيقاعات الموسيقية في مصر والعالم العربي وفي أوروبا، والمستحدث من هذه الإيقاعات، وتفاصيل أخري كثيرة تجعل الفارق أكبر بكثير من ما قد يظنه البعض عن شبه بيني وبين الجيل الحديث. لماذا لحن أغنية ليالي الحلمية أكثر شهرة من باقي ألحانك؟ ليالي الحلمية لحنتها ووزعتها منذ ما يقرب من عشرين عاما، وقد دخلت التاريخ الغنائي بفضل نجاحها، فهي أكثر مقدمات ونهايات المسلسلات رواجا وبقاء، لكن مسألة أن تكون أكثر شهرة فهذا أمر في يد الله، فطبيعي أن تختلف مستويات الألحان بعضها عن بعض، وهذا شأن كل إبداع، وهناك أعمال أخري من ألحاني شهيرة مثل ومين ميحبش فاطمة وهو تتر مشهور من كلمات عبدالرحمن الأبنودي، وغناها محمد ثروت، وكذلك هناك موسيقي عشرة بلدي و ع الزراعية وقد شاعا كثيرا منذ أن طرحتهما قبل أربعين عاما. كيف تري الفارق بين كبار الملحنين بصفتك أشهر موزع موسيقي لهم خلال النصف قرن الماضي؟ الأب الأكبر لهؤلاء الموسيقيين جميعا، هو الموسيقار محمد عبدالوهاب، والذي استفاد منه كل من عاصروه ولحقوا به بعد ذلك، ولا مجال للمقارنة بينه وبين أحد حتي زميله السنباطي، وهم يختلفون في موسيقاهم بقدر ما يختلفون في شخصياتهم، فهناك سيد مكاوي صاحب الدم الخفيف، وهناك عبدالوهاب الفيلسوف، وهناك بليغ المذهل والموجي صاحب العاطفة المتوهجة أو كمال الطويل صاحب اللحن القصير الخفيف. ما هي مواصفات الموزع الموسيقي؟ أن يكون دارسا لكل الآلات الموسيقية دراسة نظرية ولا يشترط أن يكون عازفا لها جميعا، وذلك حتي يعلم إمكانات كل آلة، وما هي الجملة الموسيقية والطبقة الصوتية التي تستطيع أن تؤديها، بالإضافة إلي دراسته لعلم الهارموني وهو علم معقد وكذلك عليه أن يلم بكل الإيقاعات الموسيقية، بالإضافة إلي خبرته في اختيار الشكل الأفضل للتأدية، ويعرف امكانات المطرب، ومن أي الطبقات الصوتية يكون غناؤه أفضل، وأحب أن أذكر هنا أن فارقا جوهريا بين التنفيذ الموسيقي وبين التوزيع فالأول لا يعتمد علي علم الهارموني مثل أغاني أم كلثوم وأكثر أغاني عبدالوهاب التي غناها بنفسه. كيف الخلاص من المأزق الفني؟ لقد أعقب فساد فسادا، والذي بدأ بالإفساد هو الإعلام، وبإمكانه أن يعيد تغيير جينات وهرمونات الأجيال التي فسدت بسببه، بالإضافة إلي أن المغنين ابتعدوا عن أهم ما يصنع المطرب، وهو القرآن الكريم، أنا شخصيا لا أكف عن سماع كبار قراء القرآن الكريم، فهو المنهل الأول والأكبر للتلحين والغناء، وما رفع شأن سيد درويش وعبدالوهاب وأم كلثوم وباقي الرواد إلا حبهم للمشايخ محمد رفعت وعلي محمود ومصطفي إسماعيل ومحمد عمران والحصري والمنشاوي وغيرهم. بصفتك مسيحيا كيف تلحن للإسلام؟ أنا مسيحي أسلم، فقد أعلنت أمام العازفين، أني حين أنهي عشرة أعمال موسيقية أقدمها للإسلام، سأعلن أن لا إله إلا الله محمد رسول الله وقد كان هذا قبل فترة قليلة، أكملت عشرة أعمال للإسلام منها موسيقي تصويرية لمسلسلات دينية، وألحان دينية قدمتها للإذاعة، وقلت هذا أمام مجموعة من العازفين، فأنا مسيحي يؤمن بالإسلام ويصدقه. لماذا لم تعد تكوين الفرقة الماسية وأنت أهم عازفيها؟ لقد سافرت، فتفككت بعد رحيل أحمد فؤاد حسن ومجموعة من كبار عازفيها، وكذلك رحيل مجموعة من أهم الملحنين في مصر تباعا، وقد قدمت لوزارة الإعلام خطابا لتكوين فرقة موسيقية جديدة تسمي فرقة الإذاعة، لكن أحدا من المسؤولين لم يجب. لماذا تخليت عن عزف الكمان؟ انشغلت عنها للأسف بالتوزيع والتلحين. هل لديك أغنيات لجيل الكبار تحتفظ بها؟ أحتفظ بألبوم كامل لعبدالوهاب لم يظهر للنور، به أفكار موسيقية طلب مني توزيعها، وأعطته لي بعد رحيله زوجته السيدة نهلة القدسي، وأحتفظ بثلاث قصائد لفيروز كان السنباطي قد لحنها، وأحتفظ بأغنية سهران لوحدي بصوت السنباطي علي العود، وطلب مني توزيعها، وكل هذه التسجيلات لا توجد عند غيري، ولن أطرحها أو أقدمها لشركة إنتاج إلا بشروطي، حيث هي أمانة أئتمنت عليها. هل تفكر في عمل معرض للوحاتك الفنية؟ ربما في الفترة القادمة يكون ذلك، وعلي كل الأحوال أنا أحتفظ بأكثرها في حجرتي حيث أقضي أوقاتي مع الموسيقي.