سعد الياس بيروت ـ ‘القدس العربي’: ما زالت خطوة رئيس الحكومة نجيب ميقاتي المتمثلة بطلب وزارة المال سلفة خزينة لسداد حصة لبنان من تمويل المحكمة الدولية الخاصة به عن العام 2011 محور متابعة، ورأت أوساط حكومية أن تحويل الموضوع الى مجلس الوزراء للبت به هو دليل على عزم رئيس الحكومة الجدي في حسم الملف ونقل مواقفه من مرحلة القول الى الفعل، بحيث يحاول ترجمة وعوده التي قطعها لأوروبا والغرب من طريقين: اما عبر سلفة خزينة يوقعها ووزير المال واما من خلال وزارة العدل، وهو للغاية حرك الجبهتين في آن معاً الا ان وزير العدل شكيب قرطباوي لم يحدد موقفه بعد من سلفة الخزينة. وفي الانتظار تبقى الموازنة معلقة على تمويل يمرّر من احتياطي الموازنة وليس منها مباشرة.
غير ان حسابات الرئيس ميقاتي لا تبدو حتى الساعة اقله، متوافقة وقراءة الفريق الاكثري للتمويل الذي يحاصر برفض الملف برمته ولا سيما لجهة شرعنته من خلال تمريره عبر الموازنة، وهو ما تسبب في وقف اقرار الموازنات منذ العام 2005، وحتى اليوم بعدما ضغطت المعارضة في هذا الاتجاه ووضعت الاكثرية ثقلها لصدّ هجوم 14 آذار الذي كان عبر عنه رئيس كتلة المستقبل الرئيس فؤاد السنيورة بالقول ان ما يهمنا الالتزام وليس التمويل. وكشفت اوساط في قوى 8 آذار ان التمويل لا ولن يمر من خلال الموازنة، مؤكدة انه بعدما كان في مرحلة معينة ممكناً اصبح اليوم في حكم المتعثر في ضوء التطورات الدراماتيكية في سورية والضغط العربي والدولي لمحاصرتها الذي انعكس تصلباً في المواقف وقطع الطريق على التمويل الذي كان سيستخدم في المرحلة المقبلة ورقة مقايضة بين النظام السوري ودول الغرب.
واعتبرت الاوساط ان الملف اذا ما طرح على مجلس الوزراء سيسقط الا ان الرئيس ميقاتي سيرفع عنه المسؤولية باعتبار انه قام بكل جهد ممكن في هذا الاطار، لكن الاكثرية رفضت، وهو امر يعرف الفريق الاكثري مدى مضاعفاته ولا سيما تعريض الحكومة لهزة داخلية وخارجية في آن وانقلاب المجتمع الدولي الاوروبي والامريكي عليها لطعنها بميثاق الشرعية الدولية. لكن الاوساط نفسها، وعلى رغم المحاذير الكبيرة لخطوة مماثلة، تؤكد ان رئيس الحكومة لن يستقيل والمحكمة الدولية لن تمول لبنانياً، استناداً الى معطيات توافرت لدى فريق الاكثرية تشير الى ان قراراً دولياً على مستوى من الاهمية اتخذ بضمان استقرار الساحة اللبنانية وعدم تعريض امنها لأي خضة قد توفر في حال حصولها منفذا للنظام السوري لتعويم نفسه، بحيث يستخدم المسرح اللبناني لفرض اوراقه وفق ما يرتئي.
وشددت الاوساط الاكثرية على انها تضع في حسابات الحد الادنى استقالة الرئيس ميقاتي، لكنها تؤكد انها في حال حصلت فإن 8 آذار لن تسمح في اي شكل للمعارضة بالعودة الى الحكم، فتستمر حكومة تصريف الاعمال حتى نهاية عهد المجلس النيابي، واعتبرت ان الغرب لن يسمح بهذه المجازفة خشية سقوط الدولة وانفلات الامن فيها بحيث يعطي من دون ان يدري جرعة اوكسيجين للنظام السوري الذي يحاول خنقه من خلال التضييق عليه اكثر فأكثر. ولفتت الى ان بعض قوى 8 آذار استوضحت اخيرا عدداً من الدبلوماسيين الاجانب عن طبيعة التداعيات التي قد تترتب على لبنان في ما لو تخلف عن تسديد حصته للمحكمـة، فكـان الجواب أن الموضوع سيدرس في حينه.
تزامناً، جدد وزير حزب الله محمد فنيش ‘رفض الحزب تمويل المحكمة الدولية’. ونفى علمه بطرح بند التمويل على طاولة مجلس الوزراء في 30 الجاري’، لافتاً الى ان جدول اعمال اي جلسة يضعه رئيس الحكومة ويطلع عليه رئيس الجمهورية قبل اطلاع الوزراء عليه.
وفي ما يخص المحكمة الدوليّة، أكد رئيس جبهة النضال الوطني النائب وليد جنبلاط ‘اننا إذ نتفهم توجس حزب الله من هذه المحكمة، فإن الحزب التقدمي الاشتراكي لا يزال على موقفه من أن تمرير تمويل المحكمة فيه مصلحة وطنية لبنانية لن تتحقق في حال الاحجام عن التمويل. كما أنه من الأنسب لحزب الله، مع الأخذ في الاعتبار لتحفظاته بعد صدور القرار الاتهامي، التعاون الايجابي في هذه المسألة بما يخفف من حدة الاحتقان’. وبالنسبة للأزمة السورية، رأى جنبلاط ‘أن الحل الامني أثبت أنه ليس المقاربة الصحيحة لمعالجة الوضع القائم الذي تفاقم بسبب عدم الاستجابة للنداءات المتكررة للاصلاح من كل حدب وصوب، وها هي الدول الصديقة للنظام، كما الدول المعادية له تحذر جميعها من الانزلاق الى الأسوأ. ويبقى المدخل الأساس للحل التطبيق الحرفي لبنود المبادرة العربية والقبول بالمراقبين، ما قد يتطلب الدخول في حوار ولو لمرحلة إنتقالية حتى بلوغ الهدف المنشود أي التعددية والتنوع’. واضاف ‘لا بد من التحذير من الاستمرار في الأعمال الأمنية التي كلما استفحلت، عرّضت البلاد الى توترات طائفية ومذهبية وهو ما يشكل خطراً كبيراً.
ويجدد الحزب رفضه التدخل الأجنبي تحت أي ذريعة لأي سبب كان. وفي ما يتعلق بالواقع الداخلي اللبناني خلال الأزمة السورية الراهنة، فكم هو من الأفضل لو تحتكم كل القوى السياسيّة اللبنانيّة الى التعقل والهدوء، فلا يُجر لبنان الى حيث لا يستطيع الاحتمال بفعل التصاق البعض بالنظام أو مراهنة البعض الآخر على قرب سقوطه، ويبقى الحل الأمثل هو البحث في سبل تحصين الساحة الداخليّة اللبنانية إزاء هذه الأزمة والسعي لعدم إنزلاق لبنان الى توترات ميدانية تصعب السيطرة عليها لاحقاً بفعل الانقسام الحالي والقطيعة الكاملة التي تحكم العلاقات بين اللبنانيين. وهذا أحد البنود التي يمكن أن تناقشها هيئة الحوار الوطني عند إلتئامها’. وختم الزعيم الدرزي قائلاً ‘إن حساسيّة الوضع الحالي تحتم أقصى درجات التضامن الحكومي للحؤول دون سقوط لبنان في الفراغ في ظل هذه اللحظة الاقليمية الحساسة، وكم كان من الأفضل تلافي إعتراض لبنان في الجامعة العربية وأن يتم إتخاذ موقف أكثر توازناً’.