تجمع رواية « ميلاجرو..» بين الخيال والواقع وهي ترصد محنة سوريا مع ما تعيشه من أحداث قتل وتطاحن وتقاتل بين أخوة أعداء، ومن ها هنا يبدأ التحدي والرهان حول كيفية تحويل هذا الواقع إلى فن وجمال أدبي، ما يجعل القارئ متضامنا مع ما ترسمه هذه الرواية من مشاهد.
وليس من السهولة بمكان تحقيق متعة من وراء كل المشاهد المروعة، التي ستقف عندها هذا الرواية؛ وهي ترصد واقعا صعبا، إن على المستوى الاجتماعي، وإن على المستوى النفسي وحتى الجمالي، ذلك أن الكتابة تنطلق من أفق فني وجمالي كان لا بد أن يتأثر بالأحداث التي تقف عندها الرواية؛
الكتابة عن الحرب في سوريا فكرة قد تراود كل من يملك حسا فنيا ورؤية جمالية، لكن الرهان يبقى قائما في أن نجعل ذلك ممكنا، بالقدرة على توظيف الخيال للوصول إلى قيم ترصد هذا الواقع الجديد، انطلق من هدم البناء لمحاولة البناء من جديد، لكن ماذا لو أن المحاولة أدت إلى الدمار، ولا شيء غير الدمار على مستوى الواقع وعلى مستوى التصور الفني. ما أصعب الكتابة لما تتحول إلى خيبة أمل وإلى الضياع وإلى التشتت، ما أصعب الكتابة عن الإنسان لما يفقد كلّ إنسانيته في الحرب أو في الغربة، أين المفر لمّا يكون الانهيار شاملا؟ بما سنتمسك في بحر هائج وكل ما حولنا قش بالٍ مبتل؟ من الغريق؟ ومن المنقذ؟ وهل بالضرورة أن تغيير المكان يؤدي إلى تغيير الوضع نحو الأحسن؟
تطرح الرواية قضية جوهرة تتعلق بمسألة الوعي، فهل أن وعي الذات في هذه الرواية وعي فردي؟ أو أنه وعي يرتبط حتما بوعي أكبر، وعي جمعي يتعلق بواقع معقد ومركب يقتضي النظر إلى القضية من منظر شمولي يتجاوز بالضرورة وعي الذات. إن الأمر يتعلق بالحرب في حلب أو في سوريا في إطار نظام دولي جديد يعيد ترتيب الأوراق في الشرق الأوسط خصوصا؛ وفي العالم عموما في الألفية الثالثة، انطلاقا من موازين القوى الجديدة التي تطرح نفسها بديلا لموازين القوى الكلاسيكية، التي لم تعد قادرة على مواكبة هذا الوضع.
إن رواية «ميلاجرو.. بين طاحونة الحرب ومعجزة الحياة» للكاتبة ريما بالي الصادرة عن الدار العربية للعلوم ناشرون، تقع في حوالي ثلاثمئة وثمان وستين صفحة. وتأخذ الرواية الحرب في حلب عينة لما يحدث في سوريا، وتتفرع إلى مواضيع ذات العلاقة، من تهجير وبحث عن وطن بديل، ومن ثم تصور واقع السوريين في أوروبا، بعد رحلة الموت في بحر هائج وعبر حدود غير آمنة، هربا من الموت والتعذيب والتحقيق والاستجواب الذي لا ينتهي.
قراءة في العتبات
لعل من مفاتيح قراءة هذا النص الوقوف عند بعد عتباته؛ ومن ذلك صفحة الغلاف التي جاءت بلون أزرق سماوي يميل إلى البنفسجي، لامرأة تحمل طفلا تطل من شرفة، وكُتب على أعلى الصورة اسم الكاتبة ريما بالي باللون الأبيض، وتحت وفي وسط الصفحة ميلاجرو بالحرف العربي وبالحرف اللاتيني، وتحته عنوان جانبي بين طاحونة الحرب ومعجزة الحياة، وكُتب في أسفل الصفحة رواية على سبيل التجنيس وتحته دار النشر. ولعل القارئ يجد نفسه أمام ثنائية بين ما توحي به الصورة، وما تدلّ عليه هذه الكلمات من جهة، وما علاقة كل ذلك بالمتن الروائي، خطاب الصورة ومرجعيتها في الذاكرة، وخطاب الكلمات ودلالتها، وخطاب الأحداث والوقائع وحركية الشخصيات. إن الصورة في الغلاف تعول كثيرا على نقل مجموعة من المشاعر والأحاسيس والعواطف، لامرأة من دون ملامح واضحة؛ صورة لكل أم تستشرف الواقع والأحداث من شرفة بيت قد يكون رمزا لوطن، وتتطلع لقادم منقذ أو مسافر طال غيابه، أو زوج خرج قسرا، ولم يعد وغيبته الحرب، أو السجن، أو الهجرة أو القتل. وتتغذى الصورة من إيحائية حمل المرأة لهذا الطفل، نحو أفق غد مشرق، وهروب من وضع مضجر كله قنوط ويأس.
لعل اللافت في هذا الغلاف أيضا عنوان الرواية «ميلاجرو Milagro بين طاحونة الحرب ومعجزة الحياة، الذي يقوم على مفارقة بين عدة متناقضات تبدأ باختيار كلمة ميلاجرو، التي تعني بالإسبانية «المعجزة» ويبدو أن استراتيجية كتابة هذا النص قامت على رؤية ترتسم في ذهن القارئ وهو يتتبع ولادة أمل جديد سيتشكل عبر تسعة فصول سبقت بصورة غير شخصية تقول فيها: «ميلاجرو.. اسمها ميلاجرو.
قلت له، وأنا أتأمل معجزتي الصغيرة الوردية اللون، وهي تحرك أصابعها الحريرية الفاتنة، وتفتح عينيها الرماديتين الساحرتين على عالم من هلوسة وضباب، فينقشع الضباب.
ـ ووالدها؟ سألني من خلال ذهوله.
ـ لقد أحببته أكثر من أي رجل آخر في هذا العالم. أجبت بهدوء.
ـ أكثر مني؟
ـ أنت؟
فاجأني سؤاله!
ـ أنت لست رجلاً من هذا العالم؛ أنت شبح. شبح ينتمي إلى عالم آخر».
ولعل عبر هذه المحاورة بين العنوان والمتن ينكشف الكثير من الخصائص الفنية لبنية الحكاية في هذه الرواية؛ التي تقوم على حكاية حرب وتهجير وهجرة وغربة ووطن بديل إن وُجد، أو أمكن إيجاده بالحب والمحبة والمودة، لما تفقد كل الأشياء معانيها وقيمتها في عالم قد يكون بحاجة لإنسانيته أكثر من أي شيء آخر.
يأتي الإهداء ليضع الرواية في سياق ثقافي واجتماعي، يعكس الترابط العائلي ويعبر عن الوفاء ويتوق إلى الحرية والمساواة والعدل والإنصاف.. «إلى أبي القارئ الجميل، الذي أورثني حلمه بعالم حر.. جميل. إلى أمي.. المرأة الفريدة، التي تشع دائما وأبدا.. كالجوهرة بين الزجاج…» إن هذا الإهداء بقدر ما هو نص موازٍ للنص، بالقدر ما هو رديف له وخير متمم له بما تحمله هذه الكلمات من دلالة لربط الصلة بين سرد حكاية الرحلة القسرية والاختيارية على حد سواء.
تقوم الرواية على محاولة مخاتلة القارئ في عدة محطات، سواء ما تعلق بالعنوان الذي جمع بين الغرابة والألفة، والمهادنة والاستفزاز، وبين الاستعطاف والإثارة، وبين التعمية والتصريح، وبين الإيحاء والمباشرة، وبين التكثيف والتفصيل. قام العنوان على محطات هي ميلاجرو وطاحونة الحرب ومعجزة الحياة، ولعل هذا الثالوث محرك قرائي بامتياز، يدعو إلى ضرورة توظيف أدوات إجرائية كفيلة باستنطاق هذا العنوان من خلال نسقه اللغوي، ومن خلال حواريته مع المتن من خلال بنيته الثلاثية، وكأنها المحطات الرئيسية للحكاية.
يتظافر عنوان الرواية مع عناوين الفصول التي جاءت منطقية تراعي حركية السرد وبنية الحكاية، ولعل قراءة أفقية لهذه العناوين ترسم لنا البناء الدرامي لهذه الرواية، ومن ثم تمدنا ببعض المفاتح لقراءة هذه النص ضمن أفق تأويلي للهدم والبناء للأفكار والأحلام والأمنيات، ضمن أفق توقع وانتظار بين الألم واللذة، والحزن والفرح. جاءت عناوين الفصول متوالية: الانهيار، إيه دنيا، رؤيا 1، بيت، الطاحون، وطن غير شرعي، ميلاجرو، رؤيا2، الانعتاق. وهكذا تؤسس هذه العناوين البناء الدرامي للرواية، التي تبدأ بالانهيار وتنتهي بالانعتاق عبر تداخل للأحداث، وتقاطع للشخصيات ورحلة في الزمان والمكان، عبر رمزية نظام إشاري يعتصر تجربة الحياة والموت، الاستقرار، فالحركة ثم الاستقرار مرة ثانية حتى لو كان في وطن غير شرعي، انطلاقا من سوريا ومرورا بالنمسا والاستقرار في إسبانيا. جاء في بداية فصل وطن.. غير شرعي «حلّ أخيرا اليوم الذي طال انتظاره، الثاني من أيلول. الوضع في إسبانيا كان مختلفا تماما عمّا كان عليه في النمسا. المقابلة أُجريت لي في مكتب مدني، وليس في مخفر للشرطة، ومن أجراها كانت سيدة أنيقة مبتسمة، ترتدي تنورة قصيرة وأظافرها جميلة مطلية بعناية، وليس ضابطا متجهما».
كاتب جزائري