ميلان كونديرا: حالة فارقة في الرواية العالمية

محمد عبد الرحيم
حجم الخط
0

القاهرة ـ «القدس العربي»: «الأنظمة المجرمة لم يُنشئها أناس مجرمون، وإنما أناس متحمسون ومقتنعون بأنهم وجدوا الطريق الوحيد الذي يؤدي إلى الجنة، فأخذوا يدافعون ببسالة عن هذا الطريق، ومن أجل هذا قاموا بإعدام الكثيرين، ثم في ما بعد أصبح جلياً وواضحاً أكثر من النهار، أن الجنة ليست موجودة وأن المتحمسين كانوا مجرد سفاحين». (ميلان كونديرا) رحل الثلاثاء الماضي الروائي التشيكي ميلان كونديرا (1 أبريل/نيسان 1929 – 11 يوليو/تموز 2023) أكثر الأصوات تأثيراً في الرواية الغربية الحديثة في ما يقارب الأربعين سنة الأخيرة، وربما هو وغابرييل غارثيا ماركيز مثالا التجديد والسعي بالرواية إلى آفاق جديدة أوسع وأرحب، رغم التناقض ما بين الاثنين في الرؤية والاتجاه، حيث العقل الأوروبي الناقد، وإحساس أمريكا اللاتينية الذي يخلق أساطيره ويعيشها. العالم العربي من جهة أخرى لم يستطع الإفلات من تأثير كل منهما، خاصة الأصوات الجديدة التي تأثرت بكونديرا في تسعينيات القرن الفائت، وبداية الألفية الجديدة، بعد انتشار ترجمات أعماله إلى العربية. وفكرة تمثّل أسلوب كونديرا في العديد من الكتابات العربية أكثر من ماركيز له أسبابه التي يمكن مناقشتها في مقال آخر.

السياسة وأشباحها

«في عالمنا الذي ينوء بأيديولوجيات متعارضة، يتلهّف المضطهَدون على أن يصيروا مضطهِدين». ( من حوار مع كونديرا) دائماً ما حاول ميلان كونديرا في حواراته القليلة أن يبتعد بالخلفية السياسية عن تفسير أعماله، ويرى أنه يجب النظر إليها من وجهة جمالية فقط، فما يهمه حسب قوله هو تاريخ الرواية، لا التاريخ السياسي، لكن كان اسم كونديرا من الأسماء المرشحة دوماً على قائمة جائزة نوبل، إلا أن النغمة السياسية التي لم تخفت، رغم الإطار الفلسفي الساخر لحكايات رواياته، كانت هي السبب في خفوت عالم كونديرا الروائي بعد سقوط الاتحاد السوفييتي هذا لا ينتقص مما قدمه الرجل لفن الرواية إبداعاً ونقداً حتى إن هناك العديد من النقاد ينفي ارتباط إنتاج كونديرا الروائي بالظرف السياسي، بل تكمن قيمة أعماله في مناقشة قضايا وجودية بأسلوب فلسفي هزلي، لا يخلو من رؤية شديدة العمق. هذا على مستوى أعمال كونديرا الإبداعية، أما الموقف الشخصي فلا يمكن بدوره أن يبتعد عن الرؤية السياسية، بداية من قبوله جائزة (جيروسالم) الإسرائيلية الجائزة الكبرى في الأدب عام 1985 والتي جاءت كلمته بمناسبتها (ذكرها سليم البيك في مقال له في «القدس العربي» عدد 13/2/2015) التي يتغافل المترجمون العرب عن ذكرها، إذ قال كونديرا «إن كانت الجائزة الأهم التي تمنحها إسرائيل مكرّسة للأدب العالمي، فلا يُعد ذلك صدفة، إنما يعود لتراث طويل. إنها الشخصيات اليهودية الرفيعة التي بإبعادها عن أرضها الأصلية وتعاليها على المشاعر القومية، أبدت دائماً حساسية استثنائية تجاه أوروبا ما فوق القوميات.. فإن إسرائيل، مكانهم الصغير الذي وجدوه أخيراً، تبرز أمام عينيّ كالقلب الحقيقي لأوروبا، قلب غريب موضوع في ما بعد الأجساد. أستقبل اليوم بمشاعر جياشة هذه الجائزة التي تحمل اسم جيروسالم ودمغةَ هذه الروح الكبيرة العالمية اليهودية». ونترك الجائزة والكلمة الغريبة التي استقبلها بها الرجل، ونأتي إلى موقف آخر ربما حقيقي أو ملفق ففي عام 2008 أصدر معهد جمهورية التشيك لدراسة الأنظمة الشمولية، وثائق تشير إلى أنه في عام 1950، عندما كان كونديرا طالباً يبلغ من العمر 21 عاماً، أخبر الشرطة عن شخص ما في مسكنه، فأُدين الرجل في النهاية بالتجسس وحُكم عليه بالأشغال الشاقة لمدة 22 عاماً. لكن في عام 2019 ذهب سفير التشيك لدى فرنسا ليسلّم كونديرا شهادة جنسية وطنه الأم، قائلاً إن ما قام به هو «عمل رمزي مهم جداً وعودة رمزية لأكبر كاتب تشيكي باللغة التشيكية». وقدّم السفير اعتذار شعبه للكاتب الذي تعرض خلال سنوات منفاه لكثير من حملات الهجوم والتشويه.

الشعر والرواية

ونترك السياسة ومواقف الرجل ونستعرض بعضا من رؤاه التنظيرية في الرواية وهو الأهم من خلال أحد حواراته الصحافية القليلة، فيرى أن .. الغنائي يتماهى دوماً مع عواطفه، أما الموقف المضاد للغنائية فهو الارتياب حيال الأحاسيس والمشاعر الخاصة، وحيال أحاسيس الآخرين ومشاعرهم. إن الموقف المضادّ للغنائية هو الاقتناع بأن ثمّة مسافة لا نهائية، بين ما نتمثّله عن ذواتنا، وما نكونه حقيقة في الواقع، مسافة لا نهائية بين ما تهفو الأشياء إلى أن تكونه، أو تتصوّر بأنها عليه، وما هي عليه بالفعل. والقبض على هذه الإزاحة الفارقة هو فن (السخرية) والسخرية هي المنظور الروائي … فرواية «جاك القدري» لدينيس ديدرو، هي استهزاء مستمر بالجنس الروائي، وهي في الآن ذاته إحدى الروايات الكبرى في تاريخ هذا الجنس. ولا يخلو هذا من دلالة.. إذ الرواية هي الجنس الفني الوحيد الذي يقوى على السخرية حتى من نفسه! ونعود إلى البطل (الشاعر) في رواية كونديرا «الحياة في مكان آخر» فـ(جاروميل) الشاعر في بلد ديكتاتوري، كيف سيكون مصيره، وكيف سيبرر كونديرا موقفه كواشٍ بشقيق حبيبته، يذكر كونديرا.. في إمكاننا أن نتحمّل تعاطف فيلسوف كبير مع الفاشستيين، دون فضيحة كبرى، وأن نتحمّل تحوّل محارب عتيد إلى مجرد نذل، دون فضيحة كبرى، أو أن نتحمّل أن يصير عالم عبقري مجرد جبان، لكنّنا لا نستطيع تحمّل أن يكون شاعر كبير وأصيل، مجرد واشٍ يُبلّغ عن الآخرين، إن بطلي جاروميل سيشي بأخ حبيبته، ليس من منطلق كونه وغداً بغيضاً، لكن من منطلق حماسة الشاعر الأصيل. إن عبقريته الشعرية قد ساهمت بشكل تام في عملية التبليغ هذه. إن أكبر الجرائم المرتكبة في التاريخ، ظلت ترافقها أنغام الموسيقى، وأبيات الشعر الحماسي!

مزحة لودفيك

«أنا أجد نفسي مضطراً للكذب، حتى لا أحمل على محمل الجد ما يصدر عن المجانين، وحتى لا أصير أنا نفسي مجنونا». (من غراميات مرحة)
«التفاؤل أفيون الشعوب… عاش تروتسكي». بهذه (المزحة) سيدفع لوفيك الثمن غالياً، فستشي به صديقته، وستتحول حياته إلى جحيم، فيُطرد من الجامعة، وينضم كرهاً إلى الجيش في أعمال أقرب للأشغال لشاقة، ليجد نفسه فجاة عدواً للنظام السياسي القائم. ورغم كُره كونديرا إلى كتابات السيرة الذاتية، التي يرى كتابتها في شكل مذكرات أفضل وأجدى من أن يُطلق عليها صاحبها رواية، إلا أن الكثير من تفاصيل رواية «المزحة» فيها الكثير من تفاصيل حياة كونديرا نفسه، حتى فصله من الحزب وتسريحه من الجامعة. فهل استطاع كونديرا رغم نفيه الدائم الابتعاد عن الذاتية والظرف السياسي بخلاف الروايات المكتوبة بالفرنسية رغم مناقشته لمواقف وقضايا وجودية إنسانية بشكل عام؟!

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية