محمد الفحايم: بمناسبة صدور أعماله في طبعة لابلياد الشهيرة والأنيقة ذات السلطة المرجعية والميزة الطباعية العالية والإعتراف الأدبي بمكانة المؤلف، أوقفت المجلة الأدبية الفرنسية عددها لشهر نيسان/ ابريل 2011 على الكاتب التشيكي/ الفرنسي ميلان كونديرا، نترجم منه حوارا مع الناقد والروائي الكبيكي (كندا) فرنسوا ريكارد (1947) المختص في أعمال كونديرا والمشرف على طبعتها في لابلياد.
الحوار* ما التغيير الذي أحدثته أعمال كونديرا في الأدب؟* أحدثت أمرين كبيرين، الأول هو تعريف الرواية ومكانتها، بحيث لم تعد، البتة، تعتبر ‘جنسا’ أدبيا من ضمن أجناس أخرى، بل إنها أضحت، حتما، فنا يتميز عن الشعر مثلما يتميز الرسم عن الموسيقى، صارت فنا بمعنى أنها طريقة مخصوصة فريدة لرؤية العالم وفهمه. والحال أن الرواية أصبحت تدرك بوصفها فنا له تاريخه الخاص به (النثر والسخرية)، وله مادته الخاصة به (الشخصية)، وله – على الخصوص – موضوعه الخاص به (الوجود الإنساني). لقد اصطنع كونديرا الفن الأدبي السامي لعصرنا باعتباره ‘ممارسا’ أولا، وكذا باعتباره ‘منظرا’ كذلك، عبر دراساته التي تشكّل، ابتداء من ‘فن الرواية’ حتى ‘لقاء’، تأملا طويلا في ما أقترح تسميته بـ ‘الميتافيزيقا الروائية’. إني لا أعرف روائيا آخر له هذا المقدار من التفكير في خصوصية وإمكانات فنه، وله هذا الجهد المبذول في المنابع التخييلية قصد تجديد ثرائه الشكلي والموضوعاتي وقصد إعادته إلى منزعه الأساس وهو اكتشاف ‘ما يمكن للرواية وحدها أن تكتشفه’. أما الأمر الثاني الذي أحدثه هذا التغيير (أو أتاحه)، فهو تحيين فكرة غوته القائلة بـ’الأدب العالمي’. إنه لمن دون جدوى أن يكون كونديرا ذا أصل تشيكي، كما أنه من دون جدوى أن يصير، بعد ذلك، مواطنا فرنسيا، فمؤلفاته ليست لا تشيكية ولا فرنسية، بل إنها تنتمي إلى ميدان آخر، وتاريخ آخر و’مدونة’ أخرى، شبيهة بأولئك الذين توحدهم اللغة أو بالأحرى اللغات التي كتبت فيها أي الفضاء عبر الوطني وعبر اللغوي للرواية. وثمة قلة من الكتاب المعاصرين يمكن أن نقول عنهم هذا. إن كونديرا مقروء في اللغات الكبرى الأوروبية والآسيوية، وأعماله مدروسة في العالم بأسره، ويبدو أثره باديا في النقاد والروائيين في كل الأنحاء، إلى حد أن هذا الإشعاع الذي يحدث عبر الفرنسية (وهي اللغة الأصلية لسبعة من كتبه، ولغة الترجمة الأكثر ‘أصالة’ للثمانية المتبقية)، ينبغي أن يكون باعثا لنا على الإبتهاج، وربما، على بعض الثقة في مصير لغتنا.* تلحون في دراساتكم على أن القراءة السياسية والسوسيولوجية لروايات كونديرا ليست كافية. لماذا؟* إن قراءة من هذا النوع ليست ناقصة فحسب، بل هي مؤذية في سعيها إلى إيثار ما تعمل هذه المؤلفات على رفضه، وهي التي قامت من أجل نقضه. لطالما قرئ كونديرا بوصفه كاتبا ‘منشقا’ لأنه كان يتحدر من الكتلة الشيوعية، وعبثا كان قد احتج على هذا وعرّف نفسه باعتباره روائيا عاديا، ولقد درج القوم، حتى سقوط جدار برلين تقريبا، على نعته بالكاتب ‘الملتزم’، والواقع أن مؤلفاته تنطق بخلاف ذلك، فمن المؤكد أن السياسة والتاريخ يحضران فيها، لكن باعتبارهما خزانا لوضعيات ملموسة فقط (وضعيات – مصائد) التي ينكشف بواسطتها الشيء الوحيد الذي يعني أي روائي: عنيت تعقيد الوجود الذي لا ينضب. هكذا فإن رواية ‘الحياة في مكان آخر’ ليس موضوعها هو اشتغال المجتمع التوليتاري، بل ‘الحالة الغنائية’، كما أن رواية (توماس وتيريزا) لا تتعلق بوصول الدبابات الروسية عام 1968، بل ‘بخفة الكائن التي لا تحتمل’. إن قراءة أعمال كونديرا على أنها وثائق سوسيولوجية أو سياسية، تعني، إذا، مسخ كلامها وجهل قيمتها. * لماذا أطلقتم على هذه الطبعة هذه الكلمة البسيطة: ‘عمل’ بصيغة المفرد عارية من الصفة؟* بداية، يتوخى هذا اللفظ المفرد وسم الوحدة الكبرى التي تسم أعمال كونديرا، مهما كان ثراء وتنوع الكتب التي تتشكل منها، وحدة إلهامها ووحدة جماليتها وخصوصا وحدة العالم التي تنتمي إليه من مبتداه إلى منتهاه، عالم الرواية.. لكنها ‘عمل’، أيضا، لأن هذه الطبعة تحوي كل ما يعتبره كونديرا بهذه الصفة، وليس شيئا آخر، فلا نعثر فيها على نصوص الشباب (يعود هذا إلى فترة ما قبل ‘اهتدائه’ إلى فن الرواية)، ولا على النصوص التي كتبت تحت الطلب (مقالات، مقدمات، إلخ)، ولا على أي كتابة حميمة أو ظرفية أو وثائقية، ليس لأن كونديرا ‘ينكر’ هذه الأشياء أو يرغب في إخفائها، ولكن العمل الفني، عنده، ينحصر فقط في تلك النصوص من كتاباته التي تحقق، تماما، إرادته الجمالية، النصوص التي تحوز قيمة وأصالة يكون متيقنا منها، ويخال أنها جديرة بأن تقدم للقارئ. وثمة رهط يشق عليهم قبول هذا الأمر، فيؤاخذون كونديرا على ممارسته رقابة مفرطة على بيبلوغرافيته. أما أنا، فبالعكس، أحبذ هذه الحالة التي تعني أن يؤثر الكاتب أعماله على شخصه، وألا يخلط هذه الأعمال بكل ما دبجه قلمه، وبأن يعتني بها بتثقيفها وإرهافها.
لا ترغب هذه الطبعة في أن تكون صورة للمؤلف، بل حصيلة لما تركه لنا هذا المؤلف. إنها لا تتضمن كرونولوجيا حياة كونديرا، وهدفها من هذا أن تخيب ظن التأويلات التي تستند إلى بيوغرافيا الكاتب التي تسقط في الإختزال مثلما سقطت فيه القراءات السياسية التي تحدثنا عنها من قبل. وفيما يتعلق بالبيوغرافيا، فإن القارئ يجد، بالأحرى، ‘بيوغرافيا العمل’ في نهاية المجلدين. إن البطل التي تفصل هذه الصفحات القول في ‘مغامراته’، ليس هو كونديرا، بل ‘عمله’ (تطور كتابته ومآل كتبه، نشأتها ومختلف طبعاتها وترجماتها، التلقي الذي حظيت به، والجدل الذي أثارته، إلخ) . لا تتضمن هذه الطبعة أي إشارة تفسيرية، إن أعمالا كهذه، التي هي الوضوح بعينه، هي في غنى عن أن تحمل على ظهرها زادا من ‘الإيضاحات’ لا تعمل إلا على صرف انتباه القارئ، والشيء ذاته يقال عن ‘التنويعات’، والإستعانة بـ’ما قبل النصوص’ (المسودات). فغيابها ينبع من الإختيار نفسه الذي اقتضى اقصاء الكتابات الهامشية: فإذا كانت المؤلفات الحقيقية لكاتب ما لا توازي كل ما كتب أو نشر هذا المؤلف، فهذا دليل قوي على أنها لن تتضمن كل ما شطّب عليه.
فأنا واع بأن هذه الطريقة التي اصطنعناها مختلفة، بنوع مقبول، عما اعتدناه منذ سنوات في طبعة لابلياد. وإذا لم تكن هذه الطبعة طبعة ‘عالمة’، بل، لنقل، طبعة للقراءة (وللمرجعية)، وإذا كانت لا تحوي لا كرونولوجيا المؤلف، ولا شرحا، ولا نصوصا نادرة أو لم يسبق نشرها، فلأنها تستند إلى تصور مختلف عما تكون عليه أعمال المؤلف، وهو تصور، غالبا، ما شرحه كونديرا بنفسه، وأجدني أشاطره الرأي، تماما، بوصفي ناشرا وناقدا. * كيف ينضوي عمل النشر هذا في مساركم النقدي؟* منذ ثلاثين سنة ونيف وأنا أعرف كونديرا، وأهتم بأعماله، وكتبت عشرات الملحقات لكتبه في طبعة ‘فوليو’، ودراسة عن مجمل أعماله. لقد تشكل مساري النقدي، كما تسمونه، في جزء كبير منه، عبر تصوره للرواية بوصفها رفضا للغنائية، واختبارا لضرب من الحيرة إزاء العالم والتاريخ والذات. وعندي ان القراءة تأثرت (أو تيسرت) بالوضعية التي أوجد فيها: وضعية ‘غريب’، شخص يعيش في قارة أخرى، بعيدا عن فرنسا، وعن النقاشات الباريسية (وحتى الأوروبية)، والذي هو، في المقابل، قادر أو مرغم على قراءة روايات كونديرا بـ’براءة’ وانفصال وكذلك بحب ذلك الشخص الذي لا يقرأها من أجل غاية أخرى سوى تلك الغاية التي تتغياها هذه الروايات بما هي محكيات عن الحياة الإنسانية. وبالنسبة لي، فإن المساهمة في هذه الطبعة التي تمحورت، بالكامل، حول فنه، كانت، إذا، بمثابة سعادة خالصة.