ميليشيات العراق ومفارقة الطالباني
ميليشيات العراق ومفارقة الطالبانيربما يكون اختيار السيد جواد المالكي رئيساً لوزراء العراق قد ساهم في حل عقدة، ولكن ما زالت هناك عقد كثيرة تنتظر الحلحلة، أو الحلول الناجعة، اولها مسألة الميليشيات الحزبية والعرقية والطائفية.السيد المالكي قدم اقتراحاً ثورياً غير مسبوق، عندما قال انه يريد دمج الميليشيات في قوات الامن لوضع حد لهذه الظاهرة التي كانت موضع انتقاد الكثيرين، بمن فيهم السفير الامريكي زلماي خليل زاد، ولكن هذا الاقتراح ربما لا يكون ممكن التطبيق علي الارض بسبب تعقيداته المتشابكة.ومن المفارقة ان السيد جلال الطالباني الذي جري انتخابه كأول رئيس دائم للعراق الجديد كان اول المعارضين لهذا الاقتراح، والشق المتعلق منه بالميليشيات الكردية، البيشمركة التي قال انه لن يسمح بحلها ودمجها في قوات الامن، لانها قوات نظامية، لعبت دورا كبيرا في حماية الشعب الكردي.والسيد الطالباني يقع بموقفه هذا في العديد من التناقضات، فالميلشيات الكردية لم تكن ابدا قوات نظامية، بل ميليشيات خارجة علي القانون، حاربت الحكومة المركزية في بغداد لعدة عقود.القوات النظامية هي تلك التي تمثل دولة مستقلة لها سيادة كاملة علي ارضها، ومنطقة كردستان العراق ليست كذلك، وحتي قانون الفيدرالية الذي اقره الدستور لا يعطي هذه المنطقة او غيرها الحق بتشكيل قوات مسلحة خاصة بها.واذا كان السيد الطالباني الذي من المفترض ان يكون الاكثر حرصا علي تطبيق الدستور واحترام القانون يعارض حل ميليشياته، فان علينا ان نتوقع امرين اساسيين في الايام المقبلة، الاول ان الاحزاب والتكتلات السياسية والعرقية الاخري لن تقبل بما يرفضه الرئيس، وحل ميليشياتها بالتالي، والثاني ان هذا الخلاف الذي نشأ في اليوم الاول لاختيار الرئيس وتكليفه السيد المالكي برئاسة الوزارة سيكون مقدمة لسلسلة من الخلافات حول قضايا اخري لا تقل اهمية وتعقيدا.يوجد في العراق حاليا اكثر من 12 ميليشيا تخضع للكتل والاحزاب المنخرطة في العملية السياسية المدعومة امريكيا، وعشرات الميليشيات الاخري التي تعمل تحت الارض، وبعض هذه الميليشيات مثل ميليشيا قوات بدر التابعة للمجلس الاعلي للثورة الاسلامية بزعامة السيد عبد العزيز الحكيم، تصرفت كما لو انها فوق القانون، ومارست عمليات القتل والخطف لخصومها من ابناء الطوائف الاخري بدعم من الحكومة ووزارة الداخلية، بل ان وزير الداخلية الحالي السيد بيان جبر كان، وربما ما زال، أحد قادتها البارزين.الحكومة الامريكية ارتكبت اخطاء فاضحة وقاتلة في العراق منذ اقدامها علي غزو هذا البلد واحتلاله، لكن خطيئتها الكبري تتمثل في حل الجيش العراقي الذي كان يعتبر المؤسسة الاكثر علمانية واحترافية في العراق كله، وابقت في الوقت نفسه علي الميليشيات الطائفية والعرقية وقدمت كل الدعم لاصحابها وتركتها ترتكب جرائمها في التصفية والتطهير العرقي والطائفي في وضح النهار.السفير الامريكي زلماي خليل زاد اعترف بارتكاب اخطاء في العراق من قبل حكومته، ولمح اكثر من مرة الي رغبته في حل الميليشيات ودمج بعضها في الشرطة والحرس الوطني، ولكن السؤال الذي سيظل مطروحا هو حول مدي حكمة هذه الخطوة، والنتائج التي يمكن ان تترتب عليها.دمج الميليشيات في الجيش والشرطة هو مثل من يضع تفاحة فاسدة في صندوق تفاح اكثر فسادا، فقوات الامن والحرس الوطني متهمة بالطائفية وعدم الولاء للحكومة او حتي للعراق نفسه، فكيف سيكون الحال اذا ما اضيفت اليها ميليشيات متعصبة في طائفيتها واحقادها، وتري ان مهمتها هي تصفية كل من هو ليس من طائفتها؟العراق ربما اصبح له رئيس جمهورية ورئيس وزراء، ورئيس برلمان وحفنة من نوابهم في اطار محاصصة طائفية بغيضة تعكس واقعه المؤلم، ولكن كل هذه المناصب ربما تظل حبرا علي ورق، وحلما كاذبا بالاستقرار.9