أمير المفرجي تصاعدت في الآونة الأخيرة حرب الاتهامات بين العراق والكويت بسبب بناء ميناء مبارك في جزيرة بوبيان القريبة جداً من الحدود العراقية البحرية، مما سيؤثر على سيادة العراق وحريته وينهي أخر ما تبقى له من الممر المائي في الخليج. ونتيجة لهذا إزداد شحن الأجواء بين الدولتين الجارتين منبئة بعودة قوية للخلافات العميقة والذكريات المأساوية السابقة، بعد هدوء قصير فرضته الحالة السياسية العراقية لهذا البلد المهم في الخليج بعد تحوله من قوة واحدة مؤثرة يُحسب لها كل الحسابات، إلى تجمع قوى قومية ومذهبية تتأثر بمحيطها المجاور وتداعيات معادلته الإقليمية، معبراً في نفس الوقت عن الضعف الكبير الذي تمثله الدولة العراقية في مجال حقوقها السيادية مع جارتها في الجنوب منذ الاحتلال الأمريكي في 2003 بعد صدور قرار مجلس الأمن القاضي بدفع تعويضات كبيرة إلى الجانب الكويتي ناهيك عن إعادة ورسم جديد للحدود في ظل الاحتلال، وعلى حساب أراضي العراق ومياهه الإقليمية المُحتلة. وبهذا كُتب على العراق وعلى الكويت في أن يبقيا على هذه الحالة من الاختلاف والتناحر التي يرجع جذورها إلى بداية القرن الماضي غداة تقرير الحكومة البريطانية وشروعها بالعمل على تقسيم المنطقة وبالتالي بداية ظهور إمارة الكويت كدولة مستقلة رغم الرفض العراقي الرسمي والشعبي لها.
وها نحن أمام ملابسات جديدة ليس لها أي علاقة بشرعية دولة الكويت بقدر ما تكون شاهد إثبات لملابسات من نوع أخر وجديد يتعلق بشرعية الوجود العراقي الحالي وحقوقه الإقليمية التاريخية في الخليج. فدولة الكويت هي دولة مستقلة وهي عضو كامل بجامعة الدول العربية ومنظمة الأمم المتحدة. وقد حصلت على اعتراف العراق بسيادتها وعلى كافة أراضيها وفي إطار حدودها المعلنة بعد انتهاء حكم عبد الكريم قاسم في العراق. وقد توقفت المطالبة بالكويت ولم يعترف بها العراق (رسميا) كجزءً عراقي من ولاية البصرة العثمانية إلا في فترات متفاوتة من الصراع السياسي الناتج عن الاستفزازات الكويتية (وكما يحصل الآن) فيما يخص مُلكية نفط العراق في مراكزه الحدودية والعمق الإقليمي البحري في الخليج بالرغم من رأي الشارع العراقي الثابت في هذا الموضوع.
فشتان إذن ما بين شعارات الرفض العراقي الرسمي والشعبي المناهض للتقسيم الاستعماري لمدينة البصرة (واستقلال الكويت) ومابين شعارات العراق اليوم الرافضة (لمشروعية بناء ميناء مبارك) الذي هو بالأساس رفض للاستغلال الكويتي للعراق المُراد منه خنق وغلق ممراته الحيوية الملاحية. وما أشبه شعارات التنديد بالتجاوزات الكويتية في يومنا هذا بمثيلاتها السابقة في بداية التسعينات حين اتهم العراقيون آنذاك جارتهم بسرقة النفط الخام من آبار العراق الجنوبية ومسؤوليتها عن خفض سعر برميل النفط، في الوقت الذي كان فيه العراق بأشد الحاجة إلى العملة الصعبة غداة خروجه من حرب دامت ثماني سنوات، دافع من خلالها هذا البلد المهم عن منطقة الخليج العربي من خطر الدين السياسي المذهبي الثيوقراطي وأهداف الجمهورية الإسلامية التي ما زالت تهدد دول المنطقة وبضمنها الكويت حتى هذه اللحظة.
وبالرغم من نجاح مخطط التقسيم الاستعماري وولادة دولة الكويت، ارتبط العراقيون بعلاقات اجتماعية جيدة بجارتهم منذ ذلك الوقت وكان دفاع العراق عن الكويت بمثابة الدفاع عن أصله وحضارته المتشابهة في المنطق والتاريخ. فأرض جنوب العراق هي من نفس تراب الكويت، وثرواتها هي نفس هذه الثروات التي قسمتها شركات النفط الطامعة في خيراتنا، كما ان أهل وعشائر البصرة والزبير وأصلهم لا يختلفون قطعا عن قبائل العرب في الكويت ومدنها. وهذا ما يـُبطل الادعاءات المغرضة التي تخرج بين الحين والأخر من بعض المسؤولين الكويتيين ودوائرهم الإعلامية في ان الرأي الشعبي العراقي يحمل الكراهية والعدوانية تجاه الكويت ونظامها السياسي في الوقت الذي رفض فيه هؤلاء الحكام تحمل المسؤولية في الكثير من الأحداث السلبية الذي سجلها التاريخ سابقا، ويسجل فصولها في الوقت الحاضر، فيما يتعلق بموضوع (ميناء مبارك) والتي بسببها عانى العراق وباختلاف أنظمته من الغـُبن الناتج عن التواطؤ الرسمي الكويتي ـ الاستعماري لإضعاف العراق وتقسيم المنطقة بعد اكتشاف النفط.
من أجل فهم الأسباب التاريخية لهذا الغـُبن والصراع الناتج عن الاستفزازات الكويتية الذي وقع بها العراق، وجب قراءة الأحداث التي مرت بها منطقة الشرق الأوسط بصورة عامة، والعراق بصورة خاصة في بداية القرن العشرين، حين تقاسم الحلفاء الفرنسيون والبريطانيون بقايا الإمبراطورية العثمانية المتفسخة، وبعد أن قـُسم العراق ظلما في معاهدة (سايكس بيكو) السيئة الصيت. حيث تم إغفال القيمة والحجم الكبير لهذا البلد وتم إضعافه في حدود بحرية ضيقة في الجنوب، وهي الحدود الوحيدة التي تسمح له بمنفذ بحري استراتيجي ومعقول خلافا لما تتمتع به الدولة الجديدة والصغيرة نسبيا التي رسمتها نفس هذه المعاهدة في جنوب العراق والمتمثلة بالكويت، حيث خُصص لها وبجرة قلم الجزء الرئيسي من المنفذ البحري لتنفرد متقاسمة الجزء الأكبر مع إيران، ولتأخذ المساحة العظمى للشواطئ المطلة على الخليج، بينما تم السماح للعراق بفتحة صغيرة ومحدودة لا تتناسب مع الوضع السياسي والاستراتيجي لتاريخه وحجمه في المنطقة.
وبغياب هذا الحق المشروع في الحصول على منفذ بحري واسع المدى ليتسنى له استقبال السفن العملاقة وتصدير ثرواته، فشل العراق في تصدير نفطه باستقلالية. وخلافا للكويت التي استحوذت على العمق المائي للمنطقة المحاذية اضطرت الأنظمة السياسية المتعاقبة في بغـداد من الشروع بتصديره عن طريق شبكة الترانزيت عبر سورية وتركيا ودول الجوار الأخرى مع غياب الاستقلالية السياسية لخضوع هذه خطوط هذه الشبكة إلى عوامل ضغط على العراق من الدول المشاركة والتي تمر من خلالها هذه الشبكة. وقد يفسر البعض هذا الضيق في المنفذ البحري العراقي على الخليج العربي والموقع المُميز الذي أُعطي للكويت على حساب العراق والاستفزازات الكويتية وتطاولها على حقوقه السيادية التي يتطلبها حجم وأهمية هذا البلد الكبير نسبياً، مقارنة بحجم الكويت المتواضع، على إنها من أهم الأسباب الأساسية والرئيسية لتجذر الصراع بين الدولتين.
ولا يخفى على أحد بما فيهم حكام الكويت في ان أهم عناصر قوة الدولة وأهميتها يتطلب تناسقا في ما بين حجم قوتها الاقتصادية والبشرية وحجم جغرافية الموقع، وما تتمتع به من منافذ بحرية، ناهيك عن طبيعة اتصالها الجغرافي بالدول المجاورة، وحجم الدولة ومساحتها وشكلها، وطول حدودها، وهذا ما ينطبق على العراق ولا ينطبق على جارة العراق في الجنوب. إن احترامنا لحق الكويت كدولة جارة وإقرار شرعية حقوقها في تنفيذ المشاريع المينائية التنموية على أرضها ومياهها، شريطة أن لا تغلق حدودها المائية المسلك الملاحي الوحيد للعراق، يفرض عليها في نفس الوقت السماح للعراق في التمتع بحقوقه الإقليمية تناسبا مع حجمه ودوره التاريخي. إن (الطموحات الكويتية) وإستغلالها لفرصة الضعف العراقي (المؤقتة) من أجل بناء ميناء مبارك الكبير تتطلب رجوع حكام الإمارة إلى العقلانية، وان لا تتعدى الطموحات والأحلام حقيقة موقع الكويت الشقيقة المتواضع سياسيا وبشريا وحضاريا، حيث يُمكن اعتباره حين ذاك على انه عامل تهدئة وسلام للكويت وللعراق والمنطقة.’ كاتب من تيار المواطنة العراقي