«ميهود والجنية» لأحمد عبد الملك: ميتا سردية للمنافي

«هل أنا الذي رويت حياتي، أم أن هذه هي حياة إنسان عاش في زمن شقي، وتداخلت شخصيته بشخصيتي؟»، في صفحتها الأخيرة، تطرح رواية «ميهود والجنية» سؤالها الأخير والأهم الذي هيأت القارئ له عبر فصولها، فإين تقف الحدود بين الكاتب وشخوص روايته؟ وكيف تصنع الروايات رواتها بأثر عكسي، وإلى أي حد تتماهي شخوصهم بشخوص من كتبوا عنهم؟ فخلال الرحلة الطويلة، التي يبدأها بطل الرواية، ميهود، في وطنه، «ورد»، وتمر عبر مدينة «انا كورتس» الأمريكية، ومطار نيويورك، وتتوقف في لندن، وتصل إلى مكة، وتعود مرة أخرى إلى الوطن، تصبح الحدود الفاصلة بين كاتب الرواية، الكاتب والإعلامي القطري أحمد عبد الملك، وبطلها، غامضة ومتداخلة. يوظف عبد الملك تقنية «الميتا سرد»، مستدعيا كتاباته السابقة، وينسبها إلى ميهود، بوصفه مؤلفها. يقتبس عبد الملك من روايته «أحضان المنافي»، ويقابل ميهود شخوصا يحدثونه عنها، ويلتقي شخوصا آخرين ظهروا فيها، ويحجز غرفة له ولزوجته في فندق في لندن، كانت هي الغرفة نفسها التي وقعت فيها جريمة روايته «الأقنعة»، ويظهر له فيها شبح القتيلة «جنة» من الرواية نفسها.
لا تكتفي «ميهود والجنية» ببناء طبقات سردية تتشعب خارج نفسها، من رواية إلى رواية، ومن الواقع إلى النص، ومن نص إلى نص، بل يقسم الواقع نفسه إلى عالمين متداخلين واحد للأنس وعالم للجن. تظهر «جنة» في عالم الأشباح، ويتساءل صوت الراوي عن وجودها، «فجنة شخصية في رواية… فهل تكون شخصية واقعية؟»، فإلى أي مدى تشبه شخصيات الروايات الأشباح؟ وإلى أي مدى تحول الروايات أشباحها إلى واقع؟ ويتداخل الأدبي مع الحقيقي كما عالم الأنس مع الجن؟
لا يقدم عبد الملك إجابات، بل يذهب إلى تحويل سرديته إلى حوار مضمر ومفتوح حول تجربة الكتابة، عن النصوص داخل النصوص، عن النظر إلى نص من داخل نص آخر، وعن القدرة السحرية للسرد على تحويل نص سابق إلى وقائع لها سلطة الحقيقة. يقوم عبد الملك بذلك بسلاسة عفوية، وهي يروي قصة بطله، ميهود، في مجتمعه وردة، حيث «الحديد يحاصر اللحم في كل شيء» نافيا المشاعر والأحلام، بينما «الأبراج تعانق السماء…وحركة الاستثمار نشيطة والناس يعيشون مطمئنين»، مقدما مخطط متشابك لواقع المجتمعات الخليجية من الداخل وتحولاتها، ويربطها بأحداث السياسة في محيطها العربي والعالمي.

تصل بنا الرواية في نهايتها إلى خليط من مشاعر «الدهشة والخوف وعدم اليقين»، كما يقول ميهوب، لا ندما على ماض قد ضاع من منفى إلى منفى، ومن اغتراب إلى آخر، بل قلقا على المقبل، «فهل ستتكرر مأساتي مع حفيدي؟»

وفيما بدت الإحالات للوقائع السياسية في الرواية مبررة، إلا إنها في أحيان بدت مباشرة أكثر من اللازم، بشكل قاطع انسيابيه السرد. لكن ما وازن الإشارات إلى العام والسياسي وعوضها وهي تلك الحميمية التي تناولت بها الرواية موضوعها الرئيسي، أي حياة بطلها بعد إقالته من وظيفته الحكومية بدون سبب واضح، حين «ذهبت خمسة وثلاثون عاما في لحظة ارتجاف قلم لم يعترف بحق».
ننغمس مع البطل في تفاصيل الشيخوخة، ما بعد منتصف الخمسينيات من العمر، وعن محاولاته للتأقلم مع وضعه الجديد، أو خلق واقع مغاير، عن المعاناة من مرض السكري، التعرق الشديد، الخمول الكامل في الجسد، كثرة الدخول إلى الحمام، تلك التفاصيل الصغيرة التي نسجتها الرواية ببساطة واقتدار. يشيخ الآخرين من حول البطل أيضا، فتصبح زيارات لندن لزيارة الأقارب في المشافي، لا للنزهة، لا مهمة «سوى انتظار الغد»، للكلام عن المعدة الصناعية التي زرعها الأطباء لأخيه، والقسطرة والشبكة الحديدية التي ستدخل إليها لضمان عدم انسدادها.
يحاصر التقاعد ميهود «كالسرطان يأكل الجسد بهدوء»، وشعوره بأنه غريب في وطنه، وغريب خارجه، ولا يبقى له سوى التسابق على قتل الوقت والمرارة مع رفيقه، أحمد، الذي فقد وظيفته أيضا، فـ»ماذا يفعل مواطنان متقاعدان غير التسابق إلى المقهى؟». تظل الأمور على حالها، إلى أن يستمع البطل إلى نصائح صديق قديم قابله بالصدفة،» الأحداث كثيرة وأيامنا قصيرة، دعنا لا نقصرها بالتأسي على واقع الحال، دعنا نبتسم، ونعيش جوا افتراضيا»، ومن هنا يجد ميهود نفسه في عالم الجن، حيث «توقظ المكامن الميتة» للشيخوخة و«تبعث الحياة في الرميم».
لا يجد البطل راحته في عالم الجن أيضا، فأي معادلة أصعب من هذا أن يكون المرء «منبوذا في عالم الأنس، ومقبولا في عالم الجن»! وأيضا لا يعرف من حول ميهوب إن كان ما قد أصابه مس في عقله أم إنه الزهايمر، ولا يجد القارئ معهم إجابة إن كانت قصص الجنيات قد وقعت للبطل بالفعل؟ أم أنها جرت في خياله فقط؟ أكانت تعويضا عن اغترابه في عالم الناس؟ أم غربة أخرى أكثر قسوة؟ تصل بنا الرواية في نهايتها إلى خليط من مشاعر «الدهشة والخوف وعدم اليقين»، كما يقول ميهوب في النهاية على سريره في المستشفى، بين الحياة والموت، لا ندما على ماض قد ضاع من منفى إلى منفى، ومن اغتراب إلى آخر، بل قلقا على المقبل، «فهل ستتكرر مأساتي مع حفيدي؟»

٭ كاتب مصري

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية