وحيث إن حسابكَ/كِ الفيسبوكي حديثُ عهد بنقرة على سواد لوحة مفاتيح، وحديثُ عهدٍ بنفخة في مشيمةِ شاشةٍ من الشاشات المتناثرة المتكاثرة، حقيقيةً ربما أو ربما روبوتيكية. وحيث إن حسابكَ/كِ مولود خديج بدون.. بيانات، ولا تبدو عليه أهلية ولا رُشد ولا يُظهِر أيَّ وثيقة تُفيد ضابط الحالة المدنية، فضلا عن المؤرخ، ولا أي سنَدٍ يطَمئِن المُحَدِّث لينظر في المتن. وحيث إنه لا يحمل أي صورة يمكن أن تُكَوِّن رأيا أو انطباعا عن المرسل/ة، اللهم إلا صورة على واجهته تبدو بلا شك غنيمةً من صفحة عرض أزياء، فيها وجه امرأة لافتٌ بأهدابِ جفون اصطناعية تجعلك تدعو لها بظهر الغيب كيلا تنزاح فتنقلبَ قذىً يؤذي العينَ الحوراء الدعجاء؛ أو تبدو صورةً من آفاق بعيدة، وكم يسعفُ الزورُ كلَّ قادمٍ من بعيد، رغم أنكَ/كِ تُوهم بالقرب وفي الوهم الكفاية.. وحيث إنكَ/كِ افتتحت لائحة أصدقائك/صديقاتك بي أنا دونَ غيري وفي ذلك شرف عظيم لي لا أنكره، لكنه شرف مُقلق مخيف يشبه دعوةً لحفلٍ في بيت كبير وجدتُ نفسي المدعوَّ الوحيدَ إليه في قاعة شاسعة صامتة، وجلستُ أقول لنفسي انتظري فلعله حفلُ زفافِ أختنا الانتظاريَّة بأخينا الانتظار.. وحيث إنه في لمحة عين ولفتة نظر تمنعُ الوصولَ صارَ عدد أصدقائكَ/كِ سبعين «احتكاكا» («كونطاكط» حرفيا) كأنك حاطبُ بالليل أو نهارَ كسوفٍ كامل.. أو كأن المدعوين حضروا دفعةً واحدة ولا يعرف أحدُهم أحدا، فلبث كلٌّ منهم على ما عليه كان، وحيدا متوحدا وسط جمع غفير في حفل مُقَنَّعٍ بشاشات متباعدة متناثرة متكاثرة. وحيث إن اسمك ورَد على صيغة زُلال زُلال/ حرير حرير/ كريندايزر كريندايزر/ جهينة جهينة/ كيكا كيكا/ بركار بركار / كوس كوس/ مزولة مزولة/ فاتي فُلوغ/ فاتي غُوز/ فاتِ المعاد/ إلخ إلخ/ مما يجعلني أتوجس من ازدواج شخصيتك، وقد يتضاعف خوفي كلما تكرَّرَتْ مفردات اسمك نفسها: «بركار بركار بركار بركار..» ولم يحبسك على ما يبدو إلا حدُّ خانة الأسماء وإلا كنتَ مضيتَ في التكرار إلى ما لا نهاية مع ما يصاحب اسمك من رُهاب وخزِ بعوض ليْلِي أو لسعِ ذبابٍ غيرِ أليف.. وحيث إن ذلك يعطي انطباعا بتعدد حضورك مثل «سابين» العابرة للقارات في مجموعة «عابر الجدران» لمارسيل إيمي الكاتب الفرنسي المرير، رغم تعاونه مع العدو النازي.. وحيث إنكَ/كِ راسلتني مباشرة للدردشة وبدون مقدمة أو عرض أو خاتمة، بل مررتَ إلى الشعور مباشرةً وعلى البريد الخاص، وسألتني من أكون وما أنا كائنٌ وكيف كنتُ لأكون لو لم أكن، وسألتني أيَّ مدينة أقطن وأيَّ حاضرة أحْضُر، فلَيْت شِعري ولَيْت عِلمي على أي أساس أضفتني، وما مضافُ القيمة البَعدي الذي ضيعتَه بشكل قبلي، أو تَضَايَعتَه كيلا أقول تغافلته تغابيا أو تذاكيا منك..
وحيث إنك مثل شخص لطيف ظريف محترم، لكنه جاءني بعد سن الأربعين وقال لي: «أريد أن أكون صديق طفولتك» بدون قيد أو شرط.. وحيث إنني تقنيا لا أستطيع ذلك، لأن الفيسبوك كان حينئذ من قبيل الخيال العلمي، ولم نكن نحس نقصَه ولم يكن يضيرنا غيابُه، كما لم يَضِرْك غيابي قبلها ولم يَضِرني غيابُك، وكانت الحياة أجمل؛ ثم فيزيولوجيا لأن الاستقلابات لعبت بكل كياني؛ ولا سيكولوجيًّا، لأن الطفل أبُ الرجل طردًا فقط لا عكسا، وقد يصدمك اختلافنا الجذري، حين تكتشف متأخرا أن طفولتي نقيضُ طفولتك، وأنني كنت فائض شغب ومشاكسة أو فائض هدوء وسكون أو فائض حُلم وانعزال أو فائض صمت مجاور لفائض صخب، أو كلَّ ذاك ومثلَه معه، وربما تشاجرنا بمفعول رجعي وتشاجرت أمهاتنا عند قدومهن «للتبرئة» غيرِ المُبَرِّئة، ولإقامة صلح لم يكن أحدٌ مهيئا له لأن الكلَّ سيرمي بلائمته على الكل.. فهل من جدوى في العودة إلى موقعٍ غادرناه مُسَيَّرين في ثوب مُخيرين.. وحيث إنك بتخفِّيك خلف استعارة شاشتك أردتَ أن تجعل من مجهوليتِك عنصرَ تشويق، وخشيت أن تكون معروفيتُك سببَ ابتذال وإهانة تطوِّق كلَّ ما دخل حيز التملك.. لكن المجهولية زيادة تطويق بغيب جديد وزائف، أفلا يكفيكَ/كِ ما أحاط بنا من الغيوب وما لفَّ نفوسَنا من العيوب، وقد قال الحكيم «تشوفك إلى ما بطن فيك من العيوب (لتصلحها) خير من تشوفك إلى ما بطن عنك من الغيوب» فضلا عن غيوب غيرك فضلا عن أن تصير أنت غيبَه الإضافي. وحيث إن تخَفِّيك ربما هدفُه جعلي أتحدث حديثَ نائم مُسَرنم يُفضِي بذات صدرٍ قد ضاق في اليقظة بما لا يقال وقد أضناه طغيان الجمال أو استبداد القبح والاحتيال، ثم تضطره للختم بالاعتذار وأنه لم يخلص في طاعته وأنه عاش لا يشرك في وحدته.. وحيث إنك كنتَ سببا في كتابة سطور قد تُحسب لك. وقد تُحسب عليك لأنني رغم ذلك بل بناءً عليه حذفتك وحظرتك.. أصلا حضورُنا افتراضي هنا وأنت كنت تريده سيرياليا وأكثر.. «ياكْ أوْدِّي لاباس؟» وبعد.. فمعذرة يا عابر/ة السبيل وصديقَ الطفولة المستحيلْ، ولا تحزن فليس الحظرُ قتل قابيلَ لهابيلْ..
٭ قاص مغربي