مَقْطَعُ الفَأْر

حجم الخط
0

د. توفيق قريرة ‘أعيدي هذا المقطع’ قال رئيس اللجنة .. أعدته، فقال: أعيديه ثانية، أعدته ثانية وثالثة وثامنة.. قال لي: كيف أمكن لكِ أن تُصوّري هذا المقطع بهذا الإبداع، والتفتَ إلى أعضاء اللّجنة مضيفا: لِنُسَمِّهِ: ‘مقطع الفأرِ’، كيف أمكن لك أن تصوّريه بهذا القرب؟ قام من مقعده واتجه إلى الشاشة العملاقة؛ وبإشارة من سبّابته طلب مني أن أعيد المقطع وبأخرى من مجامع أصابعه أن أحرّك المشهد ببطء .. فعلتُ.. بدأ الفأر الأبيض ينهش ما بقي من إصبع ساق العجوز.. أنيابه الرقيقة تنغرس بعمق في لحمه؛ وساقه تتحرّك وتنتفض تريد الفكاك عبثا من أنيابه، وفي المشهد شيء من العنف والسرعة بيد أنّه بطيء .. وفجأة تركّزت الصورة على وجْهه.. قال رئيس اللجنة: في هذا الوجه السينمائي ألفُ رسالة متداخلة.. إنّه يبتسم ويبكي ويستغيث ويستأنس في وقت واحد.. تمتدّ يدُ الشيخ إلى الفأر لكنّها لا تصل إليه والمشهد البطيء يجعل السفر بين الرأس الذي انطلقت منه اليد باتجاه القدم كالسفر بين الأرض والمشتري .. قال رئيس اللجنة: هذا مقطع سينيمائي مثير.. قالت أستاذة قديمة لي كانت في اللجنة: فيه كثيرٌ من المَهارة..و أضاف أستاذ ثالث: لمْ نَرَ في الأشغال المعروضة علينا طالبًا أتقن مشروعه مثلكِ.. قال رئيس اللجنة: لا تغترّي كثيرا فربّما يأتي بعدك من يفتكّ من اللجنة الإعجاب أكثر.. قلتُ بلباقة: هل تأذن لي اللجنة بمواصلة عرض الفلم حتى نهايته؟ أشار الرئيس برأسه أن واصلي.. بقيت عشر دقائق على النهاية . كان الفلم يُعرض وأفلام أخرى في ذهني تُعرض.. لقد حدست من اليوم الأوّل الذي اخترت فيه موضوع التخرّج حول سينما الحياة أنّي سأصوّر أفضل الأفلام الواقعية .. كان همّي وأنا أدرس السينما أن أنجز فلما أشخاصه من دم هذا الزمان ومن لحمه ؛و أحداثه من تفاصيل الحياة اليوميّة.. كان عليّ أن أتخيّر المكان الذي تدور فيه المشاهد.. نصحوني بالأحيَاء الشعبية ؛ لكني كنت أرى شخصيّاتها مسطّحة تتكلّم كثيرا وتحمل بؤسَها في ملامحها .. تربّيت في أرقى الأحياء ؛ وأنا أعلم الناس بما فيها من حكايات، حكايات لا يمكن أن تقرأها عيون سُكانها التي لا تبالي بغير سرائر نفوسها .. الوجوه في محيطنا كلّها تخفي مآسيَ وراء الفرح المصطنَع والابتسامات الباردة والسلام الحارّ المتوسّط.. وكان وجه أبي الذي لا أعرف عنه منذ عقد شيئا، أفضلَ الوجوه المعبّرة عن ذلك .. اخترت أن أسكن في حي راقٍ تخيّرته لأصوّر فيه فلمي.. سكنتُ فيلاّ فاخرة من طابقين ؛ الطابق العلوي يشرف على الحيّ ومنه تستطيع عدستي أن تلتقط ما أريد من المشاهد.. يقتضي مشروع التخرّج أن أصوّر فلما بخمس وأربعين دقيقة حول شخصية مميّزة ؛ ومن الشروط الكثيرة المثقلة أن لا أتدخّل في حياة شخصيّاتي وأن تكون الأحداث المنقولة عفويّة ..و من الشروط التي لم أنفّذها أن أستشير الأشخاص قبل تصويرهم ..من سيسمح لطالبة في ربيع العمر مثلي أن تصوّر شخصية في خريف عمرها كشأن شخصيات هذا الحيّ ..لا يلتقي الربيع مع الخريف إلاّ في صدفة ثقيلة.تناهي إلى سمعي كلام رئيس اللجنة: هلاّ حدّثتنا عن بطلك؟ ذكرتِ في بداية عرضك أنّ كلّ شيء مسجّل في أشرطة قصار مُلْحَقة؟ عرضتُ عليهم مقاطعَ مختلفة من حياة بطلي اليومية قلت: أوّل يوم رأيته كانَ وحيدا .. رأيته من نافذتي كان يسكن في فيلاّ ذات طابق وحيد، نوافذ بيته لا تغلق البتة؛ كنت أراه من جميع النوافذ.. وقلت: وأنا أعرض مشاهد أخرى هنا: أيّامَ اتخذ بطلي لنفسه كلبا رفيقا .. ولكنّه هجره.. وأضفتُ:هذا هو الكلب وقد هجره وصار يسكن عندي .. وهذا قطّه الذي اتخذه من الكلب بديلا ولكنّه فرّ لي .. ولمّا عرضتُ مشاهد أخرى قلت بصوت فيه تشويق: هذا بطلي يومَ اشترى الفأرَ الأبيضَ .. هنا يداعبه ويلاعبه .. هذه لقطات من تدريبه على النّهش .. وضعت يدي خطأ على فيديو من الفيديوهات المسجّلة للعجوز ؛ كان فيها يتكلّم ويضحك.. أسرعتُ إلى إيقاف الشريط .. لكنّ رئيس اللجنة قال لي: أعيدي بثه من جديد .. أعدته.. اللعنة لقد كان العجوز . يقول بصوت واضح: لو انتقلتِ بالسّكن معي ؟ .. قالت أستاذة الدّراما: لمَنْ يوجّه الدعوة ؟ تجاهلتُ سؤالها قالت ليس لجنيّة إنها إنسيّة .. على الطاولة محفظتها اليدويّة.. وفجأة تكلّم عضو في اللجنة: هلاّ أعدت مقطع الفأر .. عدت من جديد إلى مقطع الفأر اللعين .. حين وصل المشهد إلى وجه الشيخ الضاحك.. قال: هي نفس الضحكة التي في هذا الفيديو .. انظروا إنه يقول تقريبا نفسَ الكلمات.. وقف رئيس اللجنة ليعيد بنفسه تشغيل فيديو المُحاورة..ليلتها استضافني في بيته .. ودعاني إلى أن أنتقل بالسكن معه .. قال لي إنه كره أن يداعب الفأر الأبيض.. وكره الفأر الأبيضُ أن يقرض له على سبيل المداعبة إصبع ساقه.. كان وهو يتكلّم أصوّره .. تعوّد الشيخ على كاميراتي .. عرف أني مَهُوسة بالسنيما.. كان كثيرا ما يقول لي: لو أني أراكِ مقبلة نحوي حتّى وأنت تغادرين.. قال لي: رئيس اللجنة: هل لك صور عن منزلك وعن المكان الذي التقطت منه الصور؟ تداخلت أسماء الفيديوهات .. فتحتُ واحدا على وجه الخطأ.. كان منزلَ العجوز .. بكل دقائقه .. المطبخ.. غرفة النوم .. قاعة الاستحمام..كان منزلا بديعا.. حين خرجَت الصورةُ إلى الحديقة انكشفت خُدْعتي .. قالت لي الأستاذة: أعتقد أننا في المنزل الخطأ.. لكن كيف دخلته.. لقد خرقت بندا من الاتفاق الأخلاقي.. لا يسمح لك أن تدخلي منزل الشخصية ولا أن تكلميها .. قلت: دخلته حين كان غائبا .. تعجّب الرئيس من كلامي .. وقال: أنت أجمل لصّ يدخل منزلا.. حرّك بنفسه آلة البثّ.. عاد إلى مقطع الفأر.. كانت الغرفة هناك هي نفسها الغرفة هنا.. عرض الرئيس بقية الفيديوهات .. لكنّه حين فتح واحدا منها كادت الدماء أن نتفجر من رأسي .. كان الفأر في المقطع يشرب سائلا أحمر.. سألني الرئيس: أهو مَرَقٌ عربي أم دم؟ قلت إنّه دم.. قال: لكن ما ذا يفعل الفأر في بيتك؟ .. قلت: لقد اقترضت الفأر من العجوز لأطعمه..عاد إلى مقطع الفأر توقّف عنده ثمّ تركه إلى المشاهد الأخيرة في فلم التخرّج .. كان الفأر ينهش إصبع الشيخ بشراهة يريد دمه.. كلّما تقدّم العرض تقدّم القرْضُ وسال الدّم أكثر وشَحب وجه الشيخ أكثر .. وقلّت حركته.. ليلتها كان الشيخ قد أخذ منه المرض مأخذا كبيرا لم يكن يقدر على الحركة .. كنت أتابعه من غرفتي منذ أيّام ثلاثة.. وكان الفأر مسجونا في قفصه .. كان جائعا.. نزلت إليه فتحت القفص ..سار الفأر حيث ينبغي أن يسير وتبعته.. لمّا رآني الشيخ هشّ في وجهي .. وأنا أيضا ابتسمت له .. استسمحته أن أضع الكاميرات في مواضعها من البيت والأضواءَ المناسبةَ .. لم يمانع العجوز.. كان الفأر يجول بين يديه وعلى كتفيه وحول رأسه ..كان يبحث عن موضع أكبر أصابع ساقه اليسرى.. حتى وجده .. ركزت أكثر من كاميرا على المشهد .. واحدة على الفأر الذي تعلّم كيف يعشق ريح الدم، وثانية على وجه العجوز، وثالثة على مواضع متقدمة من جسده.. كنت أعرف أنّ الفأر سيصل ذاتَ مرّة إلى مناطق متقدمة .. هذا ما قلته للمحقّقين معي .. قال لي كبيرهم ألأجل فلم للتخرّج تقتلين شيخا وحيدا؟ قلت له: إنه الفأر الفاعل .. وهنا قمّة المأساة.. قال: ومتى كانت آخر مرة تركت فيها العجوز..قلت: منذ أيّام.. وقلت: اطمئنوا ستسجّل الكاميرا لكم كلّ شيء فقط اقبضوا على الفأر.قال محاميّ لمّا زارني بعد يوم: ليست عليك أيّة جنحة .. وأضاف: انظري في أخبار اليوم: قرأت عنوانا: ‘مخرجة فلم’ مقطع الفأر ‘قريبا مُحَرَّرَة’ .. وقرأتُ عنوانا آخر: ‘ قريبا الجزء الثاني من فلم ‘ مقطع الفأر ‘بساعة ونصف’ .. مضيت أقرأ العناوين .. حتى وقعت عيني على واحد أذهلني: ‘مصرع والد مخرجة الفلم متأثرا بسمّ فأره الأبيض’..كاتب من تونس qad

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية