مَنْ يَكْتُبْ يَقْبَعْ فِي مَنْفَى الْكِتَابَةِ: فَهُنَاكَ وَطَنُهُ الَّذِي لا يَكُونُ فِيهِ نَبِيّا»
موريس بلانشو
(1)
الكاتب له إقامته الاختيارية التي يشيّدها، بِوَساطة، كائناته اللغوية، والزاد الفائض عن الحلم، والكثير من رهانات التيه، والتفكير في تلك الأراضي القابعة في ذاكرة النسيان، المهملة والمهمّشة، الغابرة بين ثنايا الوجود، حيث الذات تسيّج الفراغ باللّغة.
هذه اللّغة الرصيد الَّذي لَا تَنْتَهِ تعْبئتُه، ولا يبخل في أداء زكاة الخيال، بكل أريحية وإنسانية قَلَّ شبيه لها، ذلك أن اللغة لا تخون مَنْ يَصدُقها ويُصادِقها، يُصافِيهَا بكلّ محبّة. واللّغة أداة للقول والكلام، للتبليغ والإبداع، للمخاتلة وقتل اللامعنى، وللإمتاع والإقناع، ولتأسيس مملكة الكتابة.
الكتابة امرأة دَلُولٌ ولَعُوبٌ، تتغنّج على فاقد الشيء ومالكه، تُحافظ على لياقتها البدنية عن طريق رياضة الدُّنُوّ والقرب، المهادنة والمناورة، تلْعب لعبة الْغمّيضة مع كلّ من تُسوّل له نفسه مُعاندتها. لأنّها تَكْرَهُ عملية شدّ الحبْل، ومع ذلك تتكرّم بكلّ ما تمتلكه من مذّخرات لمَنْ أخْلَص لها الإيمان وبادلها الحبّ. الكتابة لا تحبّ عَبَدَة المعاجم وحُرّاس التّوابيت، والمقيمين في مغاور الظلام، وتطْرد من مملكتها الأفّاكين المدّعين، قليلي المعرفة بأسرارها ومكْنوناتها، وتأبى الخوض في لَوْك العبارة، وتحسين البياض بحِبْر كاذب ومزيّف، مِدادُه مُستوْرَد من محابر الغيْر، فهي ترْعى الحِبْر النّازف من شرايين التجربة والمُتخلّق من الرؤية المنحوتة بإزميل القراءة. الكتابة كالماء، دائمة الجريان، متحوّلة غير ثابتة، متمرّدة غير مستسلمة، نابعة من التجربة ومن رحم المكابدة، طافحة برجّة الكوامن في هدنة الذات والعالم. لذا تجدها في عزلة شجرة منزوية في جبل فريد في رهبته ودهشته ومهابته، تُقبّل الرّياح الآتية من أقصى المحيطات، أو في رفّة أهداب امرأة خجلى من حفيف الندى، تطلّ من بعيد على شرفة الذاكرة، أو في ابتسامة وليد يمتطي ظهر الحياة، على أمّ غارقة في معاقرة الزّمن ومطاردة الوَهَن، أو في ملكوت الخلاءات التي تربّي الليل، وترعى قمر العشيات في عزّ السّكون، أو فيك أنت أيّها الكائن اللّابس اختيالَه وأوهامَه، أوجاعَه وسقمَه، فرحَه وتَرحَه، والغارق في سفاسف الأمور، أنت الذي تكتبك الفراغات فكرة شاردة من بنات أفكار الحياة.
هذه الكتابة/ هذا الماء بدونها يفقد العالم والكائنات والأشياء والإنسان جدارة الحياة. لهذا حذارِ من غضب الماء وجموحه، من هبوبه المفرط في سيوله، تلك هي الكتابة منفى جميل، يشذّب بها الكاتب شوائب العالم، ويخوض بها الحروب ضدّ جفاف القيم في بحيرة العاطفة وصفاقة الأرض.
(2)
على الكاتب ألا يكون نبيّا في الكتابة، لأن الكتابة تموت في كَنَفِ النّبوة، وتحيا في جبروت القلق، هي قريبة من نبْض الكائن وحيْرته، من أسئلته وشكوكه، من شعوره باللاجدوى وابتعاده عن جدواه، وبعيدة عن اليقينيات والبدَهيات، تعشق الاصطفاف إلى الغموض الشّفّاف وشفافية اللَّبْس، والوضوح الملتبس، لا تفْقَه في الحقائق، هي تلميذة مشاغبة في فصل الحياة، متأهّية لاقتناص اللحظات الهاربة من الذات والمنفلتة من جلبة العالم، ومتمرّدة على القواعد والنظريات.
على الكاتب ألا يكون وقود العابرفي الكتابة، وإنّما جوهرها الأبدي، رعاية التجربة وصقلها بمِبرَد التّأمل والتّرحال في مفاوز هذه الشساعة المفتوحة على اللانهاية. ويكون حذِرا من مزالق السطحي والمبتذل، ومؤمنا بالعميق والغامق، بالمستفزّ للأشياء المهادنة، فالكتابة المهادنة مآلها الزّوال والانتهاء، في حين تكبر الكتابة المشاكسة، التي تنمو وتكبرُ في الشائك والمتشابك، وتصبو إلى الذي لا يُنتَبه إليه، الموجود على هامش الحياة. على الكاتب، في الكتابة، الحفْر في الخنادق الخلفية للوجود، والإقامة بعيدا عن الصّفوف الأمامية، في الحرب الوهمية المفتعلة ضدّ الآخر المختلف والمؤتلف، الكتابة تنتصر للحياة، للجمال، للجلال، للمهابة ، للمستقبل، للمقيم في تخوم اللانهائي.
الكتابة لا تضع نَصْبَ أفقها إقامة اللّيل الأبدي على الحياة، ولا تنتبذ القتل لزرع الرعب والرهاب في العقول قبل النّفوس. خيار الكتابة اللّعب لأنها سليلة المرح والشغب والشغف، البراءة والعفوية، والسّيْر بكل تُؤَدَة في الأراضي الملغومة باللايقين. الكتابة لا تؤمن بالجغرافيا والتاريخ، ولا تعترف بالحدود والجمارك والجوازات. الكتابة هوية الكائن يُعلنها في وجه العنصرية والعبودية. الكتابة خارج السّرب خطاطيف تسكن أعشاش المدى وتكْره أقفاص الانتماء. الكتابة وسيلة خرق أجواء التحليق رغم حالة الطوارئ. على الكاتب أن يمشي في المناطق المُطوّقة باللامعنى. على الكاتب أن يحتفي بالكارثة الجميلة، الكارثة التي تجعل الكائن تحت ظلال المركّب والمعقّد، التي توقظ كافّة الحواسّ للقبض على السّهل الممتنع من الموجود والوجود. على الكاتب أن يكتب باللغة التي تليق بالجليل والمهيب، وينفض يديْه من مطاردة حَباحِب الليل، ويترك فراشات اللغة تطير بعيدا لارتشاف رحيق الضّوء من عتمة العالم.
(3)
الكتابة إطلالة على البئر العميقة، هذه البئر تجعل الكائن يغوص في الدّاخل، ويقفز من الأسفل إلى الأعلى الأعمق، ثم يتسلّق سلالم الغامض ليضيء عتمة الخارج، كما تسيّج هذه البئر النازل إليها بالكثير من المزالق والمآزق، حيث الحذر سيد النزول. والصّاعد منها محلّقا صوْبَ سماوات قصيّة في العزلة.
حين يطلّ الكاتب على بئره العميقة يدرك فداحة الهوّة التي تفصله بين القريب والبعيد، بين الغامض والواضح، بين المقدّس والمدنّس، لذا وجَب امتطاء صهوة السّقوط رأسا حتى يمتلك الوعي بحدّة الاصطدام، الّذي يُفيقُ الحواسّ والحدوس من غيبوتهما الكامنة في هذا الركود، الذي يترسّب في الداخل، ويطفو على السطح سلوكات مشينة، وعن الرغبة في التّدمير والتخريب لما هو جميل؛ وبهي على أرض تستحقّ المغامرة في المسارب المفضية إلى تلك العتمات، المتوارية في المنسي واللّافت. كما يواجِه الكاتب بهذه الإطلالة الأهوال، التي تركها في الخارج، بإرادة المشّائين الصامدين في طريق اللّهب، بدون مركّب نقص تجاه الفراغ الذي يلتهم الحياة.
(4)
الكتابة ضد تكدّس السّموم، ضدّ تكلّس التّفكير، ضدّ الفناء المهدّد للرغبة في الاستمرار والامتداد، ضدّ الوهن الضليع في تحويل العقل إلى مجرّد آلة موضوعة في قالب محدّد، وتصيير الحواس والحدوس لا تمثّل شيئا أمام فظاعة الموت. بدون كتابة تفقد الكرة الأرضية توازنها الطبيعي، وتجنح صوب الاختلال الذي يؤدّي إلى أمراض كثيرة لا تعدّ ولا تحصى، ويتحوّل الكائن إلى عدم بلا روح ولا مزية.
بدون كتابة تغلق السماء أبوابها في وجه التحليق والخيال، وتصيب الحلم في مقتل، وتطرد من مملكتها العصافير والطيور، الغيوم والرياح، البرق والرعد، وتبقى فارغة جوفاء. بدون كتابة تفقد القهوة نكتها الضاربة في مطاردة الصمت، البهاء، الرهبة والدهشة. وتموت الصحيفة بين يديْ الجهل، ويسطو خريف التكفير على ربيع التفكير، وتجني الإنسان العصف المأكول، وتلك غاية منبوذة وسعي مرفوض، وجريرة تقترف في حقّ الوجود.
(5)
الكتابة مقاومة …
فالكاتب بمجرّد ما يشرع في الكتابة ينتصر على الذات والوجود، ويعلن هويته مجرّدة من عقدة الانتماء، ويزرع في الحياة طاقة التجدّد عن طريق اللّذّة والمتعة، ففي غياب هذين العنصرين تفقد الكتابة جوهرها وتموت سريريا، بلا أمل في العودة. والكتابة مقاومة بالسّلم لليتم والتهميش، للحرمان والفقدان، للشيخوخة والموت، لهذا حين نكتب نعتبر ذلك شكلا من أشكال الانتصار على السّأم واللاجدوى. حين يقاوم الكاتب بالكتابة فهو يقوّض احتمالات البشاعة والفداحة المنتشرة، كالفيروسات القاتلة، ويتخفّف من الأهوال، التي يمشي عليها في أرض مثقلة بالأنقاض، فهي تُعِينُه على حماية رهافة الظل وهو يستلقي على راحة الشجر وبساط الأرض. الكتابة تُرْدِي رَمْياً الرّتابة برّصاص الخلْق والإبداع، وتُذكّرنا بأننا ما زلنا نضيء جنون الليل الباسط جناحيه على عقلانية الأرض .الكتابة تعقيم من فيروسات الهلاك والقيامة اليومية التي تطارد الكائن كل لحظة. الكتابة وعْد وموْعد وعُدّة ودَعَة وعيْن ثالثة تقتنص الأشياء، وتجذب النور السّاري منكبّا على التيه لإضاءة ليل الباطن. الكتابة قفْز خارج السّرير وبحْث عن زوج أحذية رياضية، للذهاب إلى الدّهشة بنَفس رياضي .
(6)
الكتابة وطن الكاتب لكنّها تختلف عن قوانين الوطن، لأنها لا تقيم الحدود، ولا تسنّ نظام، ولا تضع العسس والحراس والشرطة لملاحقة الخيال، واعتقال اللغة في قوارير تخنقها من التنفس والنمو بشكل طبيعي. ولا تكبّل أفقها المترامي في اللامحدود. الكتابة بلاد شاسعة لمن ضاقت عليه أرض الوطن.
(7)
الكتابة سِرْبٌ خيال.. حشود لغة مقبلة من أقصى التّيه.. مسافة يتمّ اتخاذها مخافة التّورّط في القبح.. نشيد يسكن نايا بوذيا.. ونواقيس كنيسة.. وتبتُّل صومعة.. وغابات موشومة بعرق الجنوب الطافح بملح الرّمل.
(8)
الكتابة حكاية الأبدية وأبدية الكتابة، بها تكتمل حقيقة الكائن، وفيها تستمرّ ارتيابية السؤال، وعنها تُولَد أبجدية الوجود مصحوبة بتراتيل السماء، ورحابة الأرض بالأغنيات، بتنسّك الهديل وحكمة الخرير، بحًدوس الباشِق وغموض الأعماق.
الكتابة تأنيت العالم المذكّر، كافها كون الكنايات والاستعارات، تاؤها المبسوطة تأويل لانهائي، ألفها أبدٌ يتأرجح بين البداية المعتمة والنهاية الأكثر التباسا، باؤها الباب المؤدي إلى البوح ، تاؤها المربوطة عقدة الحكاية الأولى. وتبقى الكتابة أفقا ممتدا وقصيّا في العزلة، وترحالا في مهاوي المنحدرات، وتيها في البئر العميقة، وإقامة في صحراء كاملة الأوصاف.
(9)
في الكتابة تسْفِر الأرض عن الكنايات، توقظ في العيون بياض الاستعارات، ترعى ماء القلب يتجوّل في وهاد الدّاخل، تترك الخارج أكثر طريق للنجاة من أهوال الوجود، الكتابة تبني الخيال لبنة لبنة، واللغة ترتّب فوضى العالم. في الكتابة لا أحد بإمكانه أن يوقف الحروب، ولكن على الأقل يخفّف من هولها وآثارها، ويحوّلها إلى كائنات لغوية تَنْشُدُ حمامة فريدة على سلك كهرباء في مدنٍ تعجّ بالخراب.
(10)
هذه الأرْض كتابٌ مفتوح… أرضنا الأخرى المُنتظرَة. يتلو تاريخ آدم الغابر في وهج الخطيئة/ وحوّاء تفتل الانتظار خلف الجبَل/تزغردُ أبجدية النّدم/وتغنّي لمتاهات غارقة في السّديم.. وأنت هنا.. تخرج من أنقاض النسيان.. مثقلا بغبار الجثث.. تنحث أبجدية ثالثة للتّيه.. تنْدب حظّ اللغة.. وتطرد العتمة المأهولة بأنفاس النزف الأبدي.. هذه الأرض للمشّائين الذين تخشاهم العزلة.. للبحّارة الذين ينسجون الموج بأغنيات الأرض المترعة بعرَق الأمهات وشهوة الانتظار.
أرض الكتابة لا يحرثها من يشاء/لا يقيم فيها صيّادو المعاجم/لا تمنح نفْسها للعابثين بالخيال، هي الأرض الكبرى/ الأرض الصغرى، وما بينهما تخوم مزدانة بألق الذكرى/ ووجع النّحيب المقبل من غابر الزمن/ وصولة النشيد على المنحدرات/ ويقظة التراتيل في رهبوت المقام.
٭ شاعر من المغرب