مَنْ قَصف ملجأ العامريّة؟

حجم الخط
11

تمرّ في هذه الأيام ذكرى مرور ثلاثة عقود على مجزرة قامت بها طائرتان أمريكيتان عندما أحالت ملجأ يضم أكثر من 400 نفس إلى فرن قضى كل من فيه نحبه في ثوان معدودة. ورغم أن السنين تنسينا كلّ شيء، لكن حرارة فقد الأعزّة في الفؤاد تستديم وتقوى مع العمر. بالعكس، النسيان يكون في بعض الأحيان أداة قوية للتذكر.
سكنتُ حيّ العامريّة مدة 25 عاماً، وعرفت جميع شوارعها ومبانيها وأشجارها. في تلك السنين لم أكن أعرف الطريق إلى مركز المدينة، حيث المطاعم والسينمات والحانات، وكانت سعادتي هي في تجوالي بين الكتب في البيت، وفي وقت الراحة أنسابُ مثل السائح الذي يكتشف كلّ يوم طرقاً جديدة، في عالمه الجديد. الحياة تبدأ في سن الثامنة عشرة، وتنتهي في هذا العمر. لا يمتلئ القدح بأكثر مما يحتويه، ولا قطرة. بالنسبة لي: فاض قدحي بهواء العامرية، وبمائها، وبالأهلون…

مسجد أم المعارك

يقع الحيّ عند الحدود الغربية لمدينة بغداد، وسمّي نسبة إلى مدينة عامرية الفلوجة التي تبعد 40 كيلومتراً غرب العاصمة بغداد. يحدّ الحيّ من الجنوب طريق المطار الدولي، من الشمال حي الخضراء، حيث اتخذ صدام حسين من أحد بيوته مقراً سرياً طوال حرب الخليج الثانية، وتحوّل هذا البيت بعد الحرب إلى مسجد أم المعارك، وهو الاسم الذي أطلقه صدام حسين على هذه الحرب. إلى الشرق من بلدة العامرية يقع حيّ الحمراء ـ أو القضاة ـ وتمتد الأرض في الغرب منبسطة إلى مدينة الفلوجة، ثم الرمادي. تأسست العامرية في سبعينيات القرن الماضي، وتتكون من محلات عديدة سُمّيت تبعاً للمهن التي يسكنها الموظفون، الذين تم توزيع الأراضي السكنية لهم في عهد الرئيس الراحل أحمد حسن البكر، وقام هؤلاء ببنائها عن طريق تسهيلات مصرفية: حيّ الإعلام، حيّ الأطباء، حيّ الشؤون الاجتماعية، وغيرها. تبلغ مساحة البيت 600 متر مربع، الطرقات فسيحة، والمدارس والحدائق والمستوصفات التابعة للحيّ توفّر لساكنيه عيشة شبه مثالية. باختصار، العامرية بلدة تسكنها الطبقة المتوسطة، الغنية بكل ما تملك.
يخترق الحيّ شارع طويل للغاية يُدعى في السجلات الرسمية: شارع البصرة، لكن اسمه الشائع والذي يعرفه الجميع هو شارع العمل الشعبي، لأن أعمال شقّه وكسائه وتبليطه أنجزها طلاب ومعلمون وأساتذة جامعات، في تلك السنين التي كان هوس الحكومة الرئيس فيها هو تقليد خطوات بلدان اختارت النظام الاشتراكي. يقسم الشارع البلدة إلى نصفين متساويين تقريباً، واحد غربيّ حيث جهة مدينة الفلوجة، وآخر في الجهة المقابلة، حيث تذوب الأزقة والشوارع تدريجياً في أحياء العاصمة.
في أثناء الحرب العراقية الإيرانية بنت الحكومة ملاجئ يتجاوز عددها العشرين في أنحاء العاصمة المترامية، وهي تتشابه من ناحية التصميم والبناء، نفذّتها جميعاً شركة كوريّة – على الأغلب- في العامريّة يوجد منها اثنان، ملجأ يقع غرب شارع العمل الشعبي، وهذا الملجأ هو الذي تمّ قصفه. الآخر يقع في الجهة الشرقية من الشارع، وهذا بقي سليماً من أيّ ضرر طوال سني الحرب، مثل بقية ملاجئ العاصمة.
في تلك الأيام السعيدة كنّا نسكن أنا وأهلي وأخوتي وكثير من أقاربي في العامريّة في بيوت مستقلة تشبه الفلل. وفي الليلة التي قُصف الملجأ فيها كنتُ جندياً في جبهة القتال، وأذاعت وكالات الأنباء الخبر. كانت الإجازات ممنوعة، ولا تستطيع التحرك من الوحدة إلّا بأمر عسكريّ، كما أن الشوارع خالية من أي وسيلة نقل، لأن الوقود معدوم بسبب تدمير مخازن ومحطات تصفية الوقود، بقصف الطائرات الأمريكية ـ وكانت تدعى قوات التحالف، وقد اشتركت معها طائرات تابعة لدول عربية ـ العجلات الوحيدة التي تسير في الطرق البرية هي التابعة للجيش، وكانت هذه صيداً سهلاً لطائرات التحالف.
مضى النهار الأول بعد قصف الملجأ، وأنا في أسوأ حال. كانت الهواتف متوقفة بالطبع، ولا يوجد فاكس أو إيميل أو غيره. ما الحلّ؟ كيف السؤال عن مصير أهلي؟ دبّر لي آمر الوحدة من أجل الوصول إلى بغداد «مأمورية إسعاف» أي مهمة نقل جريحٍ من وحدتنا الطبية إلى مستشفى الرشيد العسكري في العاصمة، وتمّت الرحلة أثناء الظلام، ومن غير مصابيح إنارة تجنباً للقصف. ساءت حالة الجندي الجريح بسبب طول الرحلة، وكان النزف يزداد في كلّ دقيقة. عند منتصف الطريق، أي بعد خمس ساعات تقريبا من السير البطيء قصدنا مستشفى الكوت العسكري، وتزوّدنا بقنانٍ إضافية من الدم، وفي الصباح الأول بلغنا العاصمة. سلّمتُ الجنديّ المصاب إلى الردهة الجراحية في مستشفى الرشيد، وأخذت الأسعاف بعد ذلك تخترق شوارع بغداد الخالية، قاصدة الحيّ الذي كان يُذاع اسمه في جميع أنحاء الكون: العامريّة.

يحاول الخصوم تقليد بعضهم في المقاصد وفي الأفعال. في العادة تجمعهم الشراكة في البدء، ثم تحدث الشَقّة بينهم، ويأخذ أحدهم في التحضير للنيل من الآخر بأيّ صورة. لا يوجد مكان للأخلاق في مفردات السياسيين عندنا، وعند الكثير ممن يرفعونها شعاراً في كل عصر، وخصوصاً في هذ العصر.

انفصام رأس الحكومة عن الشعب

أكثر الدول العربية تعاني من مرض مستديم هو انقسام أو انفصام رأس الحكومة عن الشعب، يعني أن ما يقوم به رجال الحكم وما يؤمنون به من أفعال وأفكار تبقى بعيدة تماماً عن ثقة الناس، وهكذا كان أغلب سكان العامرية في تلك السنين. لم يثقوا بأن نظام الحكم يحمي السكّان من القصف، عندما يدفعهم إلى النزول في الملاجئ، ولهذا لم يكن الملجأ مكان سكناهم، ولم يطالهم نتيجة لذلك أي مكروه. لكن المكان كان ممتلئاً بالشاغلين، وقد احترقوا وماتوا بأبشع صورة، وأغلبهم من الأطفال والنساء والعاجزين. من كان يسكن الملجأ في تلك الليلة؟
لأني من أهل الحيّ، ولأني لم أكن أحد أفراد النظام الحاكم، ولم أنتمِ إلى أيّ جهة معارضة، لا في السابق ولا الآن. أتمنى، لكل ما تقدم من أسباب، أن يكون بمقدوري تقديم صورة أقرب إلى الحقيقة من غيري. توزع ضحايا الملجأ بين فئتين، الساذجين من الناس ممن وثقوا بما يقوله الخطاب الرسمي، وآمنوا بصدق شعاراته، والقسم الآخر من الضحايا هم عوائل رجال الحكومة، لأنها حكومتهم، ولزاماً عليهم أن يصدّقوها.
التقيت بإحدى الناجيات من القصف وروت لي تفاصيل الحادثة، وكان البرد والحزن يجعلان صوتها مضطرباً، اللوعة فيه تمزّق القلب: «بعد تناولي العشاء في بيتي توجّهت مع زوجي والأولاد إلى الملجأ. مرّت ساعة، أو أكثر، أو أقلّ، وبينما كنا نتهيّأ للنوم، سمعت ما يشبه صوت ارتطام أو سقوط شيء بالغ الثقل من الأعلى. فسّر زوجي الأمر بأن الفتيان يلعبون الكرة في الطابق الأعلى من الملجأ، وربما سقط أحدهم أرضاً. ثم تفجّر المبنى في اللحظة نفسها وتحوّل كل شيء فجأة إلى كرة ضخمة من النار كانت تنتقل بسرعة رهيبة وتحرق في طريقها كل شيء. لا أعرف أيّ صدفة عجيبة جعلت كرة النار تقذفني بلهيبها إلى ثغرة في الجدار أحدثها العصف الشديد، ورأيت نفسي في لحظات في الخارج. عشتُ مرارة الجحيم وذقت حلاوة الجنة في أقل من نصف دقيقة».
انتهى كلام السيدة، ويقوم بعده السؤال الأهم في الموضوع: من قصف الملجأ، ولماذا، وكيف حدث الأمر؟
هنالك قاعدة يؤمن بها المستعمرون البيض في الدول الافريقية، وهي أن الخبر في تلك البلدان يأخذ كرة الثلج، يبدأ من حكاية صغيرة في الضواحي، ويتسع كلما ابتعدتَ عن مصدره، ثم يغدو في الأخير أسطورة يشكّ فيها الجميع، ويصدّقها الجميع. ما سوف أرويه في السطور الباقية من المقال يمكننا وضعه ضمن كرة الثلج الدائرة.
أمضيت نهاراً وليلة في الحيّ المنكوب، العامريّة، وما زلتُ أذكر ثقل الظلام الذي كان يجثم فوق البيوت، ويهبط شيئاً فشيئاً داخل الروح، حتى يكاد يطفئ آخر جذوة فيها. عندما يموت المئات من الناس، وتبقى حيّاً، تحسّ لاشعوريا بأن السماء غاضبة عليك، لأنك لم تقضَ من الحزن. كان يدور في الألسن في الأثناء خبر مظاهرة قام بها السكان الذين فقدوا أهلهم، وكانوا يهتفون: «لا إله إلا الله.. صدام عدوّ الله». أما كلام الشارع ـ أي شارع العمل الشعبيّ ـ فهو أن سبب القصف هو تسريب مخابراتيّ قام به أحد جواسيس الحلفاء، وهو عميل مزدوج تابع إلى النظام الحاكم، ومفاده أن رأس النظام كان يدير اجتماعاً في الملجأ في تلك الساعة مع أعضاء الحكومة، وقد ترك العميل عند سطح المبنى جهازاً يبثّ ذبذبات تدلّ طائرات التحالف على المكان.
بالنسبة لي، لا أستبعد هذا الاحتمال، بسبب التركيبة السكانية والجغرافية لمدينة بغداد، فإن رأس النظام لو شاء أن يدير اجتماعاً في ملجأ من بين الملاجئ المنتشرة في العاصمة، لما اختار غير هذا المكان، وقد اعترف النظام الحاكم بعد نهاية الحرب أن رأسه كان يسكن في بيت في حي الخضراء، القريب جداً من ملجأ العامرية. هنالك احتمالان: إما أن الأمر كان صحيحاً وأن صدام حسين المعروف بوساوسه وشكوكه غيّر مكان اجتماعه مع أعضاء الحكومة في الدقائق الأخيرة، والاحتمال الآخر هو أن النظام الحاكم دبّر الأمر كلّه بليل.
يحاول الخصوم تقليد بعضهم في المقاصد وفي الأفعال. في العادة تجمعهم الشراكة في البدء، ثم تحدث الشَقّة بينهم، ويأخذ أحدهم في التحضير للنيل من الآخر بأيّ صورة. لا يوجد مكان للأخلاق في مفردات السياسيين عندنا، وعند الكثير ممن يرفعونها شعاراً في كل عصر، وخصوصاً في هذ العصر. كرة الثلج لا يخلقها العدم، سواء حدث الأمر في افريقيا، أو في آسيا، أو غيرها من بقاع الأرض، كما أن الكثير من الأنظمة الحاكمة في بلداننا تأتي إلى شعوبها بكرة ثلج جاهزة، منتهاها هو بدؤها، فكيف يكون مصير من يصادف أن يكون في الطريق؟
مات في الملجأ جميع أفراد عائلة السيدة الناجية، وأصيبت المسكينة بلوثة في عقلها، وكانت تزور المكان كل يوم، تنادي في الليل والنهار على أطفالها وعلى زوجها. الجحيم والجنة يتبادلان الدور أحياناً في حياة البشر، بدون أن يكون لهم يد في الأمر. مضى اليوم ثلاثون عاماً على الجريمة، وما حدث في مدينة العامرية، وفي غيرها من أحياء بغداد، وفي بقية مدن العراق في السنين التي أعقبت غزو الأمريكيين يجعلنا نتذكر تلك الأيام العصيبة بنوع من الحسرة، وكلّ منا يدعوها من كلّ قلبه أن تعود، بما فيها ليلة الثالث عشر من شباط/ فبراير 1991، ليلة جريمة القصف.

كاتب من العراق

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية