مُحاولات !

حجم الخط
0

خيري منصور

عندما اطلق سلامة موسى مصطلح محاولات على مقالات فكرية وتأملية صدرت عام 1953 كان يترجم حرفيا التعبير الفرنسي عن هذا النمط من الكتابة، ذلك لأن كلمة مقال بها من التعميم ما يلحق الأذى بكتابات تخرج عن التعريف السكولائي للمقال.

فما كتبه البير كامو في عدد من مؤلفاته كان محاولات وحتى بحثه المشحون بعاطفة شخصية وذكريات الصّبا عن المقصلة كان مجرد محاولة وفقا للتصنيف الفرنسي، وتأملاته الغنائية التي تقرب من الشعر احيانا وقد تكونه بامتياز مثل أعراس وجميلة وتيبازة هي ايضا محاولات، وتنبّه الى ذلك الشاعر الباقي محمود درويش عندما اطلق على مجموعته الشعرية السابعة عنوانا غير مألوف هو ‘المحاولة رقم سبعة’ … ان كلمة محاولة تبدو عارية من أية ادعاءات وانها طرفة أخرى على باب نادرا ما يصرّ، وأندر من ذلك ان يفتح على مصراعيه. فكل ما كتبه ويل ديورانت في مجلداته العديدة عن قصة الحضارة وقصة الفلسفة قال انه مجرد لحظة برق في ليلة طويلة هي العُمر كله، وأضاف ان هذه الحياة اشبه بامرأة غامضة ترتدي ثيابا سوداء سميكة، ولا أذكر انني رأيت منها غير تلك الومضة العابرة اثناء البرق. انه امر مثير ان يكون التواضع وعلى هذا النحو الخجول سمة اعمال ونصوص مشهود لها بالجودة وجدارة البقاء، بخلاف المزاعم التي توهم اصحابها وبعض متلقيها بأن ما كتب كان على موعد محتم مع الخلود، لهذا يذكر احد نقاد شكسبير ان اعماله كلّها تخلو من هذه الثقة بالبقاء على قيد الذاكرة التاريخية الى الأبد. واذا صحّ ان التاريخ البشري برمّته هو سجل الاخطاء، فإن كل الابداعات التي اجترحت احيانا معجزات كانت ذروة لمحاولات لم يحالفها التوفيق، وحين جرّب احد علماء الكيمياء تسعا وتسعين محاولة للكشف عن ظاهرة علمية، قيل له انه يجب ان يتوقف، اذ يكفي للمرء ان يفشل تسعا وتسعين مرة لكنه سخر مما سمع وقال: في المرات القادمة لن اعود الى التسع والتسعين محاولة التي فشلت!

وما كان لمصطلح المحاولات الذي يعبّر عن أرقى التأملات الفلسفية والكونية لنخبة من الفرنسيين لولا انه ظهر في ثقافة ممهورة بالشك وثقافة كتلك التي شكّل ديكارت فاصلا عضويا ونوعيا فيها تخلو بالضرورة من اوهام اليقين وادعاء المعصومية، فلا يوجد في هذه الثقافة عبارات من طراز مما لا يختلف فيه اثنان او مما لا شك فيه، وهي تتكرر على نحو لافت في الثقافة العربية رغم الراديكالية المبكرة لابن خلدون الذي لم يستسلم لروايات التاريخ وطالب باستدعاء القرائن لكل رواية كي يرجح واحدة على اخرى. وبعد قرون عوقب طه حسين على كتابه عن الشعر الجاهلي لأنه طرق باب الشك رغم ان المستشرق مارغليوت سبقه الى ذلك، ولم يكن الصمت عمّا كتبه مارغليوت تسامحا بقدر ما كان جهلا بما كتب.

ان مصطلح محاولة هو المرادف الدقيق لما يسمى النصّ الناقص، لانه ما من نصّ مكتمل ومكتف بذاته ومغلق الا اذا كان أيقونة او بقرة هندوسية محظور لمسها، وهذا ما يعطي تفسيرا دقيقا لما سماه برادلي النص المتعدد، اي القابل لتأويلات لا آخر لها، فكل قراءة جديدة لهذا النص الناقص تضيف اليه وقد تحذف منه، لكن الحذف في هذه الحالة هو اضافة من طراز آخر، لأن الاعمال الباقية تتغذى من نقصانها وليس العكس.* * * * * * *في ثقافتنا العربية يشمل مصطلح المقال سلالات لا يجمع بينها شيء باستثناء المطبعة، فما يكتب كتعليق عابر على حدث سياسي يسمى مقالا، وما يكتب اشبه باعلان عن كتاب صدر حديثا لاهداف التسويق يسمى مقالا… لهذا يستحق سلامة موسى التنويري وليس المستنير فقط الشكر على فضّ هذا الاشتباك بين كل ما يكتب تحت عنوان مقال وبين المحاولات سواء بالطريقة التي كتب بها كامو او جان جينيه او سارتر او سلامة نفسه… ويبدو ان البوصلة عندما تصاب بالعطب لا تخلط فقط بين الجهات بحيث يصبح الشمال جنوبا بل تشمل كل مناحي الحياة، بحيث يصعب الفرز بين القمح والزؤان لأنهما اجتمعا مؤقتا في غربال واحد، وعلى سبيل المثال هناك عشرات وربما المئات من ركام لفظي يسمى روايات وفق التصنيف المدرسي الكسول لكنها عندما تفحص نقديا وتحت مجهر امين تعاد الى ما قبل رواية زينب لهيكل او حتى ما قبل دونكيشوت لسرفانتس، وهذا ما دفع ناقدا جيدا هو جون فليتشر الى وصف رواية ‘الفهد’ للايطالي لابيدوزا والتي لم يكتب سواها بأنها اعادت الى مصطلح الانجاز اعتباره المسلوب، فالانجاز كيفي وعابر للأزمنة والتضاريس، ولكي اوضح ما اعنيه اتمنى على القارىء العزيز ان يقرأ عينات فقط مما كتب تحت عنوان محاولات وبالتحديد لكتاب فرنسيين في النصف الأول من القرن الماضي، ليدرك كم هو المجهود المبذول في تلك الكتابات التي لا تدعي بأنها فصل المقال، فالمقام الذي تستحقه تفرضه هي من صُلبها. وما سمي محاولة رغم انه عنقود من التأمل والتجربة وغنائية الرّوح لأبير كامو وهو بحث عن المقصلة أنهى تاريخ الاعدام في فرنسا، وتلقى بعد محاولته اعتذارا من الجنرال ديغول لأن تونسيا كان قد أعدم قبيل صدور المحاولة!

وكتاب ‘جمهورية الصمت’ لسارتر بكل ما تضمّنه من تأملات عن زمن الاحتلال وهبوط الى العالم السفلي بحثا عن اورفيوس الأسود هو في النهاية باقة من هذه المحاولات.* * * * * * * * *كتب سلامة موسى قبل ستين عاما في مقدمة كتابه ‘محاولات’ يقول: هذه الكتابات هي محاولات لا اكثر ولا اقل وكما هو الشأن في كل محاولة قد يكون النجاح او الخيبة نصيبها، فما هي تلك المحاولات التي قدّم لها سلامة بثقافته الموسوعية لكتابه؟

انها في الموسيقى بأعمق التداعيات وعن السايكولوجيا واقترانها بكل ظواهر حياتنا بما فيها الاقتصادي والسياسي، وينتهي الى اعتذار للقارىء على اخطائه ان وقعت وعلى قصور ثقافته اذا لم تحط بالظواهر من كل جوانبها وعلى نحو معمّق، ذلك لأن ما كتبه كما قال هي مجرد محاولات!

وهذا التنويري وليس المستنير فقط ألف اكثر من خمسين كتابا في مختلف شؤون المعرفة وشجون الناس، لكنه ما ان تورط بكتابة واحدة من محاولاته على خلو الشوارع من الحمامات والمراحيض عامة حتى كتب عنه العقاد وهو في ذروة شهرته هجاء تحت عنوان سلامة موسى المراحيضي! وحين اصرّ محمود درويش على تسمية مجموعته السابعة مجرد محاولة تحمل الرقم سبعة كان لا يشكو من قلة الشهرة او اهمال النقد، لكن وعيه المبكر حصّنه من اليقين ووهم المعصومية الشعرية، وقال لي ذات يوم بأنه يشعر بالقلق ذاته كلما أنهى نصّا، ولم يطمئن محمود في اية لحظة الى ما كتب ويكفي انه قال في واحدة من اواخر قصائد الوداع:

من انا لأخيّب ظنّ القدر* * * * * * *اخيرا، بل اولا وقبل أي شيء فإن الحياة بكل ما فيها وما يعج في باطنها محاولة كما ان الحب محاولة والشعر محاولة وتأمل الكون محاولة….. والاستثناء الوحيد من هذه المحاولات هو يقين الاحمق الذي يتوهم بأنه أول من غنّى او اول من كتب وهو في الحقيقة لم يكن الاول الا على تخوم الحلقة المفقودة.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية