الحبّ في حقيقة الأمر موضوعٌ عادي للغاية، وهو أدنى من أن يكون أمراً كونياً، كما أنّه ليس جواباً لكل معضلات الحياة، ولكنه قد يكون أحياناً أمراً فاجعاً وكارثيّاً.
الفيلسوف روبرت سي. سولومون
أثار الموضوع الأخير الذي كتبته صديقتي الأثيرة بروين حبيب في صحيفة «القدس العربي» بعنوان «إفراطٌ في الحب» بعض مكامن ذاكرتي، وقادني بطريقة لاواعية إلى تلك الأيام الخوالي التي عملتُ فيها على ترجمة مقاطع منتخبة من يوميات الكاتبة الإشكالية أناييس نن. لم يكن هذا الموضوع الخاص عن الحب هو المداخلة الأولى التي ولجت بها صديقتي بوّابة الحب، فقد سبق لها أن كتبت موضوعاً سابقاً بعنوان «من وضع قوانين الحب؟» والموضوعان جميلان مكتنفان بقدر متوازن من ثراء المعرفة وبساطة الطرح ـ تلك الخصيصتان المحبّبتان في الكتابة الصحافية، التي تميّزُ بروين في كلّ كتاباتها التي أحب.
قوة الحب الجامحة
يحضرُني دوماً ذلك المشهد الهائل في ختام فلم «عقل جميل» حيث القاعة الفخمة التي تُمنحُ فيها جوائز نوبل، عندما يتحدّث عالم الرياضيات العبقري جون ناش، على لسان ممثل يناظره في العبقرية هو راسل كرو، في بيان مسيرته العلمية واستحالاته الحياتية المدهشة في واحدة من المشهديات السينمائية (التي أحسبها واحدة من أفخم الأداءات في السينما العالمية) حتى ينتهي إلى قول عبارته الختامية المدهشة: «في معادلات الحب الغامضة وحدها يمكن إيجاد كل العقلنات المنطقية» ثمّ يلتفت إلى زوجته بعينين دامعتين ليقول لها: «أنت عقلي وكلّ عقولي».
من أين تأتي قوة الحب الجامحة وسطوته المقتدرة في حيوات الكائنات البشرية، بل وحتى غير البشرية ؟ ثمة في المحاورات الإفلاطونية إشارات مبكرة إلى مفاعيل الحب في حياتنا، وثمة شواهد كثيرة أنّ كلّ الكائنات البشرية غير المشوّهة تحبّ بطريقة تلقائية ويسيرة، ويبدو الحبّ معها أقرب إلى آلية مرافقة للحياة البشرية مصمّمة للارتقاء بنوعية الحياة، وجعلها أفضل للعيش، ومن هنا فإنّ القصدية في الحب تبدو متضائلة وغير مسبّبة، أي أننا نحبّ بطريقة يسيرة وأقرب إلى الفعل التلقائي ومن غير كثير تدبّر، أو مساءلة أو قياسات منطقية، وتبدو صورة الكائن البشري مثالية عندما يكون محباً وعاشقاً لكلّ شيء في الحياة.
الحبّ إذن هو آلية ارتقاء بالحياة البشرية وجعلها حياة أرحب وتستحقّ العيش بشغف عظيم، وفي الوقت ذاته فإنّ الحبّ أعطية مجانية مكنونة في دواخلنا، ويمكن تفعيلها تلقائياً، بشرط أن لا نضع العصيّ أمام عجلاتها، وأقصد بالعصيّ هنا سمّ الكراهية العمياء، التي تترسّخ في العادة منذ بواكير الحياة الأولى.
الحب: الفوضى الجميلة والمعاناة القاسية
قلّما اعتادت فعالياتنا الثقافية على مقاربة موضوعات تحتفي بتفاصيل حياة الكائن البشري، فقد صار التقليد أن نمايز بين الأفكار، والكائن البشري الخالق لهذه الأفكار، ونسينا في خضمّ هذا التمايز أنّ الإنسان – في واحد من أهم توصيفاته الأنثروبولوجية – هو صانع أفكار في المقام الأول، وأن الأفكار غالباً ما تنبثق من مكابدات حياته اليومية، وليست محض مفاهيم فوقية أو أكاديمية مغلقة، ولعل فكرة (الحب) هي أكثر الموضوعات أهمية في إشباع حياة الكائن البشري، والارتقاء بها إلى مستويات أكثر رقياً ورفعةً، غير أن تأريخنا وحاضرنا معاً قلما احتفيا بالحب، على عكس ما فعلا ويفعلان مع الكراهية ومفاعيلها.
أذكر أنني ترجمت قبل بضعة أعوام مقدمة لكتاب يتناول معاني الحب وفلسفته، ونقرأ في بدء تلك المقدمة هذه العبارات الرائعة في توصيف الحب:
«كم هو فوضوي ومشوّش موضوع الحب! إذ نراه في كل مكان يُحتفى به على أساس أنه «التجربة الأكثر أهمية في الحياة الإنسانية». أتساءل: هل يوجد ثمة من يجادل بالضد من الحب؟ وسواءٌ منَحَنا الحب متعة عظمى أم تسبّب لنا بمعاناة رهيبة، فإن القليل وحسبُ هم الذين ينكرون أن الحب هو ما يمنح الحياة معنى وهدفاً جديرين بالاحترام، وإن غياب الحب يحيل الحياة صحراء موحشة. ثمة الكثير من الشكوك السائدة عن الإرباكات والتناقضات التي يحتويها مفهوم الحب، وغالباً ما نتساءل: كيف يمكن لهذه الخصلة الإنسانية العظيمة أن تكون لها نتائج غير مرغوب فيها وعصية على الفهم البشري؟ وإذا كان «الحب هو كل ما تحتاجه» كما تخبرنا كلمات أغنية فرقة البيتلز، فلماذا يبدو أحياناً أن الحب ينساب في مسارات خاطئة تقود إلى آلام ومعاناة مؤذية؟ كيف يمكن لشيء مثل الحب يبدو في غاية الوضوح، أن يتسبّب في آلام وتناقضات على قدر عظيم من الإيذاء؟ يبدو أن السبب يكمن في أننا لا نفهم الحب على قدر واف من الكفاية».
الحب والمخيلة ضديدا الموت: من لا يمتلكون المخيلة لا يجترحون الحب، وبين الحب والموت عماء الالتباس بين النور والعتمة، الحب هو الذي يقود أفعى الموت إلى كهف السبات – ولو مؤقتاً – يرقد الموت في السبات أحياناً لكنه لا يموت، وكيف يموت الموت؟
الحب والموت:
صراع (إيروس) و(ثاناتوس) الأزلي
أفعى الموت الملعونة المتربصة دوماً، قد تسْبُتُ قليلاً أو كثيراً، لكنها لن تلبث أن تطل بأنيابها السامة، ولو بعد لأي، فكيف السبيل للتعامل معها؟ الحب يفعل الأعاجيب في كبح جماح أفعى الموت المتغولة، وتحييد عملها القاتل: قرأت مرة نصاً هو قصة قصيرة للكاتب الأمريكي شيروود أندرسون، لها عنوان ظريف «صديقنا القديم – الجديد: الموت». يرى أندرسون أن الترياق الناجع للتعامل مع هذه الإشكالية الضاغطة في حياتنا كل حين يكمن في جزئيتين: أن نديم عوامل الحب وهيجاناته المنعشة للروح الراكدة، لنضمن سبات الأفعى إلى أطول مدى ممكن (براغماتية نبيلة ومقبولة تماماً) وأن نعيد تشكيل تصوراتنا عن الموت الذي يغيبنا عن الأحباب ورفقاء الروح: لماذا لا يكون الموت محض استحالة فيزيائية Physical Metamorphosis لا تقوى على الوقوف بوجه الحب الخالص الذي يظل عصياً على كل عوامل الاندثار والبلى. الحب الخالص قوة جوهرية من قوى الطبيعة، تغالب الموت وتستعصي عليه، ولن تتمكن ألف أفعى وأفعى أن تبتلع الحب وتغيبه في دهاليز الخواء. الحب الخالص المنبثق من روح مشعة ومتوهجة بالنبل، ترياقٌ للنفس الموجوعة والقلقة ينجيها من مخالب الموت القاتلة.
الحب والمخيلة ضديدا الموت: من لا يمتلكون المخيلة لا يجترحون الحب، وبين الحب والموت عماء الالتباس بين النور والعتمة، الحب هو الذي يقود أفعى الموت إلى كهف السبات – ولو مؤقتاً – يرقد الموت في السبات أحياناً لكنه لا يموت، وكيف يموت الموت؟ هو الأقنوم الفائض عن حاجة الجسد والنص، لكنه يصاحبنا ويألفنا عند غروب الحب، ينام ليلاً على وسائدنا ويذكرنا بفضيحة التحلل وفناء المادة واندحار الجمال. لا الحب يستوعب الموت ولا الموت يستثني الحب، كلاهما عدو متربص بالآخر حتى الأبد.
تسونامي الحب
يبدو الحب نوعاً من دفقة (تسونامي) تضرب كيان الفرد وتدفعه للإتيان بأنماط سلوكية، ربما ما كان سيفعلها لو كان في حالة أخرى توصف بالهادئة والمعقلنة، وقد شاعت هذه القناعة لدى كثير من الفلاسفة منذ عصر الإغريق حتى اليوم، ممّن يرون في الحب عرضاً من أعراض الهوس العقلي المندفع بغير لجام. من المثير في هذا المقام قراءة المقطع التالي الوارد في أحد الكتب المنشورة عن جامعة أكسفورد للفيلسوف رونالد دي سوسا: «ثمة صِدام من نوعٍ ما بين المثال الصحي للتوازن المرتجى للحب مع المثال السائد عن الحب لأن الحب ليس ممّا يمكن تعديله وتخفيف حدته بسهولة: الحب البالغ حد التولّه يدفعنا إلى الحافات الموغلة في التطرف على صعيدَيْ الشعور والسلوك. ثمة ملحوظة تعني – ربما – أن الحب بطبيعته حالة من اللاتوازن التخريبي، وربما حتى غير الصحي، ويمكن ملاحظة أن عدداً ليس بالقليل من الكُتّاب في أدب العصور المتأخرة قد شجبوا الحب، ورأوا فيه حالة مرضية باثولوجية، وقد ضمّن شكسبير الفكرة ذاتها في سونيتاه 147 :
حبي يشبه الحمى التي تتوق دوماً
لذلك الذي يتعهّد المرض بالرعاية لوقت طويل
يقتات على ذلك الذي يطيل أمد المرض :
الرغبة المرضية غير الواثقة من قدرتها على الإشباع
الحب والأيديولوجيا: تماهي المفاعيل
يبدو واقعنا العربي قاسياً منذ بواكير نشأته التأريخية الأولى، وربما لعب غياب الحبّ داخل أسَرِنا دوراً مرضياً (باثولوجياً) في روح الأفراد، إلى حدّ جعل منهم ثقوباً سوداء تلتهم كلّ ما يمنحها فعلاً تعويضياً عن غياب الحب، والأفراد هنا رجال ونساء، على حد سواء، مع بعض الميل الطبيعي لجهة النساء بسبب كون الحب يمتلك مفاعيل أقوى في روح الأنثى، لاعتبارات سايكولوجية محددة، وأخرى تفرضها الترتيبات المجتمعية، ولما كان الحب الطبيعي غائباً أو مغيباً بصورة قسرية فسيكون البديل الطبيعي هو حب شيء ما: فكرة أو هدف أو غاية أو سياسة أو حزب، إلخ، ونحن نعرف أنّ بيئتنا لم تعمل على ترسيخ قواعد وأخلاقيات عمل رصينة – بسبب الاضطرابات السياسية في المقام الأول – تعين المرء على تلمّس خطواته بثقة، لذا ستكون النتيجة المتوقعة أن يندفع الشاب في الانتماء الحزبي المتعجّل، الذي يَعِدُهُ بمكانة ومستقبل لا يستطيع بلوغهما عن طريق التراتبية الهادئة القائمة على العمل الجاد والمنظّم، والشباب في أغلبه الأعم متعجّل يريد بلوغ أهدافه بكلّ الوسائل الراديكالية المُتاحة.
الأيديولوجيا بهذا المفهوم تعمل في الشباب بمثل ما يفعله تسونامي الحب فيهم، فنراهم يندفعون في شرب أنخاب الأيديولوجيا حتى الثمالة، ثمّ تستحيل الأيديولوجيا لديهم معشوقاً يغضّون الطرف عن العيوب المحتملة فيه ولا يرونه إلا كمثال الكائن المكتمل في ذاته، وإذا ما حصل أن تهشمت صورته لسبب من الأسباب، فسيجعلهم هذا الأمر كائنات معطوبة عصية على المداواة. لو دققنا في تأريخنا الفكري وقرأنا عن ظاهرة الحبّ لدى الإغريق وكيف عدّوها ضرباً من الجنون الشامل المؤقت، لكان بوسعنا معرفة بعض الأسباب التي دفنت الكثيرين تحت التراب، أو جعلت منهم كائنات أيديولوجية معطوبة الروح، لا تقوى على مواجهة الواقع بجرأة وعقلانية.
الحب وعالمُنا المعاصر
حوّلت مجتمعات ما بعد الحداثة من جهة، والتطرف والتعصب من جهة أخرى موضوع الحب إلى نشاط لاإنساني، ونفت عنه أهم سماته (الحنو والمسرة والرعاية والمتعة المتبادلة المتكافئة) وجعلت أمره موكولاً بالطرف الأقوى كمالك ومستحوذ ومهيمن، وكرّست وضعية المرأة باعتبارها الظل الهش القابل للمحو، بمواصفاتها المرذولة كالضعف والمكر والاستلاب، أو بمواصفاتها المفروضة من قبل الأعراف المجتمعية، كأن تكون المضحية الصموت المعطاء، ونموذج العفة البلهاء المستسلمة والسلبية، وأزيح الحب بعيداً، وجُرّدت العلاقة الإنسانية من سماتها، لتصبح محض فعل غرائزي عنيف واستلابي طرفاه مغتصب مهيمن وضحية مسلوبة الإرادة.
الحب الحقيقي قوة كونية
يبقى الحب الحقيقي – رغم كل أساطير الشبق والتسويق – فعل اتصال فريد بالكون، ليحقق انفلات الفرد من العزلة المؤذية وهو ينجز ارتباطه مع الآخر، واندماجه من جانب، ويؤكد فردانيته التي تبقى هاجساً إنسانياً كامناً ومقموعاً طالما بقي الإنسان رقماً مدمجاً بالحشد الكبير، فإذا اكتشف المرء عبر الحب متعة التفرد، فإنه يتألق بالحيوية وينضح بجمال روحاني، وتتخصب طاقاته الإبداعية والجسدية ويتحقق حوار الروح والعقل والجسد، ويتحرك الشغف عبر الحنان والرعاية والمسرات، وعندها يندفع المرء باتجاه المحبوب، الذي ينصّب عليه الشوق، ويسعى للاندماج المكتمل، إذ ينطوي كل حب على رغبة عارمة بالاندماج، ورغبة غامضة مضادة بالانعتاق، مثلما يحدث لقوى الكون الكبرى، فيحدث الانعتاق عن طريق الإفلات من المدار، ويتعزز الاندماج عن طريق الانصياع لجاذبية الآخر، وهذا ما يفسر تنازع رغبة التفاني مع نزعة الحرية والتفرد لدى المحبّين.
٭ كاتبة وروائية ومترجمة عراقية تقيم في الأردن