مُفاوَضَــة النــص

حجم الخط
0

صلاح بوسريفقديماً كان النقد يكتفي من النص بالشَّاهِد، أو بـ ‘ بيت القصيد ‘. لم يكن النقد مُرَافَقَةً للنص كاملاً، فبيتٌ واحد أو بعض الأبيات تكفي للحُكم على النص. هذا ما حدث مثلاً في قصة زوجة امرئ القيس، في حكمها على شعر زوجها، وهو ما سيتكرَّر في كثير من المواقف والأحكام التي ما تزال كُتُب النقد القديم تحتفظ بها، وهو ما سيتكرَّر في نقد النُّقَّاد الذين وضعوا كُتُباً في نقد الشعر، من مثل الأصمعي و ابن قتيبة وابن سلام الجمحي، الذين صنَّفُوا الشعراء بحسب مفاهيم استقوها مما يقع خارج الشعر، من مثل مفهوم ‘ الفحولة ‘، و ‘ طبقات الشعراء ‘، أو انتسابهم الزمني لفترة دون غيرها.

لم يخرج النقد، عموماً، في ما سَيَلِي من فترات تاريخية لاحقة، عن هذه المعايير، فهو فقط سيعمل على توسيعها، وعلى الانتقال إلى مفاهيم من مثل ‘ السرقات ‘، بما سيعرفه هذا المفهوم من توسُّع، أو تنويع في المفهوم، الذي كان يخفي وراءه مفهوم ‘ الأصالة ‘ أو ‘ الأصل الشعري ‘، وأيضاً مفهوم ‘ الموازنة ‘، وهي كلها مفاهيم خرجت من نفس الوعي النقدي، مع فرق في الدرجة وليس في النوع، طبعاً.

بقي النص، داخل هذه القراءات، بعيداً عن المقاربة النقدية الموضوعية، وعن المعرفة بالنص، أي ببنائه، وبطريقته في النظر إلى العالم والأشياء، أي برؤيته الجمالية والشعرية، التي هي نوع من إعادة صياغة الوُجود وفق رؤية الشاعر، ووفق أفق جمالي يقوم على ما يُسَمِّيه الشاعر العراقي خزعل الماجدي بـ ‘ التصعيد الجمالي ‘. النص مُخْتَزَلاً في بيت أو بضعة أبيات، أو في صورة أو صياغة لغوية ما، هذه كانت هي معرفة النقد بالنص.

ما تزال هذه المعرفة التجزيئية تَسْتَحْكِم في المعرفة النقدية المعاصرة، وما زال النص منطوياً على نفسه، مُتَكَتِّماً على أسراره، لا يُتِيحُها، لأن نقداً بهذا المعنى، لا يمكنه أن يكون مفيداً في اختراق النص، وفي غزوه، أو اختراق طبقاته الكثيفة التي تحتاج لمقارباتٍ تعقد أُلْفَةً مع النص، لا أن تفرض عليه أداةً، أو مفاهيم لا يحتملها، أو لا تسعف، بالأحرى، في مقاربته. قليلون هم النقاد، وهم غالباً ما يكونون من أصحاب الخبرة بالنص، من استطاعوا أن يقرأوا النص، من خلال الإنصات للنص، لا للأداة، أو المنهج، فهم فهموا أن النص شريكاً في اقتراح المنهج، أو إعادة بنائه، وتكييفه، وهؤلاء، بتعبير للجابري، ميَّزوا بين منهج مُطَبَّق ومنهج قابل للتطبيق.

يحدث التفاوض انطلاقاً من النص، وليس من المنهج أو الأداة. فالمنهج أو الأداة، في نهاية الأمر، يخرج من النص، وليس من خيال الناقد، فالنصوص حين نقرأها بمعرفة، وبنوع من التفاوض الجمالي أو الشعري، فهي تقبل صداقتنا لها، وتشرع بالتدريج في الاقتراب مِنَّا، رغم أن النص سيبقى دائماً، عَصِيَّاً، مُراوِغاً، وهذه هي فِتَنُ الشِّعر؛ فهو ماءٌ لا تُسْتَنْفَذ لذَاذَتُه.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية