مُنى اليابانية…

حجم الخط
6

في قبو من أقبية عكا القديمة، التي يفضي بعضها إلى بعض، منها ما استخدم كمقهى، ومنها كمخزن، وأكثر من قبو واحد استخدم لتقديم عروض مسرحية، وكلها جزءٌ لا يتجزّأ من سور المدينة وقلعتها. كان العشرات في القبو المضاء بضوء خافت، يصافح بعضهم بعضاً ويتبادلون التحيات العابرة. ابتسامات وقهوة وغيرها من الأشربة. لفت انتباهي سيِّدة ذات ملامح من الشرق الأقصى، الأرجح أنها يابانية، أكثرنا لا يميِّز بين ياباني وكوري أو سنغافوري، إلا من سافر إلى تلك البلدان وصار يتفرّس وجوههم.
انتبهت أنها تتحدث العربية، والرجل يردُّ على سؤال لها حول المسرح المحلي في مناطق الـ 48 بعربية فصيحة.
بعد حوالي ساعة، بدأت فرقة ولّعت العكِّية بالغناء، «لو شربوا البحر أو هدّوا السور
لو سرقوا الهوا…
أو خنقوا النور..
ما ببيعها لعكا بالدنيا كِلّا
ما ببدّل حارتي ولا بقصور».
ثم أغنية «عبد الله بيّاع الكاز».
فوجئت بالسّيدة اليابانية قريبة من مقعدي وتتمايل على مقعدها منسجمة مع الغناء، تردّدتُ، هل أتحدَّث معها أم أنَّ هذا يعتبر تطفّلاً! انتهزت الفرصة وقلت لها: سمعتك تتحدثين العربية!
-صحيح.
-أين تعلمتِها؟
-أنا كنت في سوريا، وهذه زيارتي الثانية إلى فلسطين!
-أنت صحافية؟
-يعني تقريباً، أنا باحثة.
-أهلا وسهلا بك.
رمقتني بعينيها الصغيرتين المائلتين وقالت: أنا أعرفك!
-تعرفينني؟!
-نعم، أنا أعرفك؟
-كيف، ومن أين؟
-أنت من بلدة مجد الكروم. لفظتها، «مَشْد الكروم».
دُهشت طبعاً، وأجبت: «صحيح».
-أنت اسمك سهيل كيوان!
خطر في بالي أنّ أحدهم أخبرها بهذا عندما دخلت المقهى! وهناك احتمال أن يكون هذا مقلباً أعدَّه أحدهم ليرى ردَّة فِعلي على أنّني أصبحت معروفاً حتى في اليابان! لقد وقع أحد كتّابنا المحليين الأفاضل في مقلب عندما أخبره بعض رفاقه خلال رحلة جماعية، أنّهم رأوا مجموعة قصصية له معروضة للبيع في إحدى مكتبات براغ، فقرَّر المسكين ترك المجموعة والوقوف أمام واجهات المكتبات براغ التي تعرض كتبه.
-أنا أعرف كتاباتك، أقرأ لك أحياناً!
-يا سلام، هذا أمر جميل.
ربّما أنها تعتني بما ينشر في الصحافة العربية، وليس مشكلة أن تدخل المواقع وتعرف الأسماء.
تذكّرت صحافياً يابانياً زارني قبل بضع سنوات، أرشده إليّ أحد الصحافيين اليهود، كان يبحث عن أثر روايات هاروكي موراكامي على العرب واليهود ورغبتهم في السّلام، ولم أكن قد قرأت شيئاً في حينه لموراكامي، ووصل تأثيره على رغبتي في السَّلام إلى درجة الصِّفر، ولكنني أوْصلت الصحافي إلى قارئ نهِم لموراكامي في مدينة نابلس.
نادراً ما نستطيع التَّعرف على شخصٍ ما من خلال صورة نشِرت في موقع ما، غالباً ما تكون قديمة لا تشبه حاضره!
-ولكن من أين حصَلتِ على اسمي؟
-منك أنت!
-كيف!
-أنا مُنى!
-مُنى؟!
-نعم، منى اليابانية. أنا كنت عندك في بيتك في (مَشد الكروم).
-آآآه صحيح صحيح، يا سلام، لقد مضى على هذا حوالي عشرين عاماً.
-صحيح، أذكر أمام بيتك توجد شجرة تين جميلة.
-صحيح، لقد تغيَّرتِ كثيراً يا منى، آسف أنني لم أعرفك، فنحن نراكم متشابهين جداً.
كان أن التقيت بها صدفة في مناسبة ثقافية في عكا، فدعوتها إلى القرية، ولبّت الدعوة، وبالصُّدفة كان في ذلك الأسبوع حفل زفاف ابن شقيقي البكر، فبقيت معنا بضعة أيام وشاركتنا حفل الزّفاف.
أذكر اهتمام النساء اللاتي صرن يعرفنها باسم مُنى اليابانية، وكان رأيها بالطعام مهمّاً جِداً بالنسبة لهن، وخصوصاً بـ «السُّوشي الفلسطيني»، أقصد الكبّة النيئة.
كان طبيعياً أن أحدّثها عن ما أعرفه من الأدب الياباني، وكان من بين كتبي رواية «امرأة الرّمال» للكاتب الياباني كوبو آبي، طلبت منها أن توقّع عليه إهداءً من الكاتب نفسه باللغة اليابانية، وبالفعل كتبت جملتين باليابانية، فبدا وكأنّه إهداء من المؤلِّف، الذي عرفت فيما بعد أنَّه متوفى قبل عشر سنوات من توقيعه على نسختي من روايته.
ذكّرتها بتوقيعها، وقالت: صحيح أتذكّر ذلك.
حكت لي أنّها كتبت في صحيفة يابانية عن حفل الزّفاف الذي حلّت ضيفة عليه في «مشد» الكروم.
يمرُّ الزَّمن بسرعة عجيبة وتطرأ علينا تغييرات، إضافة إلى تشابه اليابانيين بأعيننا نحن، فقد تغضنت ملامحها وانحنى ظهرها قليلاً، وغامت تلك الحيوية والشقاوة التي أذكرها في عينيها السوداوين قبل عشرين عاماً.
كانت رواية «امرأة الرمال» واحدة من الروايات الصَّعبة بالنسبة لي.
هنالك الكثير من الروايات العالمية التي لم أقرأها حتى نهايتها، لغونتر غراس، لماركيز، لكازانتاكي، يوكيو ميشيما، وماريو باغاس يوسا، ونصوص لبورخيس، ولكتّاب عرب وفلسطينيين. كتب كثيرة أتحمَّس لقراءتها في لحظة معيَّنة، وبعد فصل أو اثنين أتفرمل، إلا أنَّني لا أيأس، لإدراكي أنها لكاتب مميَّز، فأبقي منها كومة إلى جانب سريري لقراءتها عندما تكون شهيتي صالحة. هذه ظاهرة يسمونها باليابانية «تسوندوكو»، وهي أكوام من الكتب نقتنيها لأهمية مؤلفيها، ونَعِدُ أنفسنا بقراءتها ولا نقرأها، أو نبدأ في قراءتها ولا ننهيها. غريبٌ أمر رواية «امرأة الرمال»، إنها تتنقل منذ أكثر من عشرين عاماً بين رفوف مكتبتي وسريري، أعود لقراءتها بين فترة وأخرى، أبدأ فيها من جديد، ولكن سرعان ما أشعر بملل فأؤجل، وكأنّ العُمر سيمتد بي إلى ما لا نهاية لقراءة عشرات الكتب المؤجَّلة.
القراءة في روايات الكتاب العظماء تشبه في أكثرها النَّحت في الصخر، عادة ما يكون إيقاعها هادئاً، تحتاج إلى صبر وتأمُّل، فيما بعد عرفت أنّ الرّواية تصف حالة اليأس والاستسلام عند اليابانيين بعد الضربتين النوويتين لليابان.
بطل الرواية عالِم حشرات يجد نفسه في قرية تواجه عواصف من الرمال.
ما أذكره هو مقاومة امرأة تنظّف حفرة من الرمال، التي لا تلبث أن تعود وتملأها من جديد.
اللقاء بمنى اليابانية مناسبة لاستعادة الرَّغبة في قراءة هذه الرواية. هذه المرَّة سألت منى:
-ما هو اسمك؟
-مُنى..
-أقصد اسمك الأصلي، الياباني.
-نعم نعم إنّه آوي… ردّت مبتسمة.
خمّنت أن كثيرين من الفلسطينيين والسّوريين سألوها السؤال نفسه عن اسمها الياباني، وأتوقّع أن كثيرين منهم ردّوا عليها بالمهاهاة التي تطلقها نساؤنا في أفراحنا والتي تستهل بعبارات.. آوي ها… وهكذا كان ردّي «آوي ها واسم الله عليكي».
ابتسمت كأنّها تقول أعرف المهاهاة، بل صدر لضحكتها صوتٌ، وهذا يعني الكثير، لأنّهم جدِّيون بما لا يقارن بقهقهاتنا المُجلجلة التي قد تُسمع أحياناً في الحي كلِّه، فما أسرع «موتنا من الضحك» أحياناً لأمر لا يثير أكثر من ابتسامة.
إنهم جدّيون جداً، وقد يتزوجون ولا ينجبون لأنّه لا وقت لديهم لرعاية وتربية الأطفال! منذ عقد، يزيد في اليابان عدد الوفيات على عدد المواليد سنوياً، هل هذا جيد؟
-لا، أجابت آوي.
-تفضّلين نهج حياة العرب!
-نعم نعم صحيح.
-تقصدين البساطة والعفوية وقلّة الانضباط وسُرعة الفرح..
– هذا ما قصدته.
ما لبثت آوي أن أكَّدت رأيها بأن استخفها الطرب، وراحت تتمايل وترقص مع أغنية «واسي واسي واسي، عكا على راسي، واسي يا يُمّا» لفرقة ولّعت العكّية.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية