ترجمة: شكير نصرالدين
يحتل الخيال مكان الصدارة في مذهب مُونْتِينْ الإنساني، الذي يدعونا إلى التعرف على قوته التامة حتى نسترد الحرية الإنسانية الخالصة. في مخاطبته للقارئ التي يستهل بها مقالاته، يؤكد ميشيل دو مونتين، على أنه سوف يصف نفسه «عاريا وكاملا بالتمام».
من ضمن الأسرار التي ترصع حكايته هناك سر يستحق عناية خاصة:» أنا مِنَ الذين يشعرون بقوة الخيال الشديدة»(IXX). ماذا يقصد بالضبط؟ ما تلك القوة التي تخرقه، تصدمه وتضربه، مثلما يكتب في موضع آخر؟
في هذه المقالة المخصصة كليا لقوى الخيال يقارن مونتين تجربته بمجموعة من الحالات المتواترة منذ العصر القديم. أحيانا تجعلنا فكرة بسيطة نحمرّ من الخجل، أو يصيبنا الشحوب؛ عند بعض من أصابتهم علَّة، فإن الإيمان بنجاعة دواء أو تعويذة يكفي لشفاء بعض الأمراض؛ وقد يموت المحكوم عليه بالإعدام قبل أن يُضرب عنقه لمجرد تخيل الموت المُقبِل. أما عن بعض الخوارق وحتى بعض المعجزات، مثل سِمات فرانسوا الآسيزي، ستكون قابلة للتفسير أيضا بظواهر الإيحاء الذهني. تأثير دواء وهمي، فعل العواطف القاهر على الجسم، تخويف عن بُعد… جميع الأمثلة التي يذكرها مونتين تقدم الحجة على حقيقة مفعول الخيال في الجسم. لا حاجة، في رأيه، إلى السعي إلى ما وراء هذه الملاحظة. من المؤكد أن تأثير الفكر على الجسم يتصل بدوافع أخرى من دوافع روح الإنسان، شأن المعتقد أو الرغبة، إلا أن هذه العناصر تتعقد على مستوى الخيال، إذ يتطلب الأمر دوما تمثلات خيالية قصد سبْكِ معتقداتنا وشحذ رغباتنا. وكيفما كانت السيرورات المحددَّة لهذه الأفعال، من الواضح أن مونتين يتفق تماما مع التفسيرات الطبيعوية للخوارق التي كانت تحدث في عصر النهضة.
سلاح المُشكِّك
إن المشكل الذي يسعى إلى مواجهته يوجد في مكان آخر: حين نتعرف على حقيقة تلك التأثيرات غير القابلة للضبط على الأرجح لأفكارنا على أجسامنا، ما مصير المثال الفلسفي لذاتٍ مستقلة وسيّدة على نفسها؟ ماذا نصنع بحُرّية الإرادة التي توجد في صلب الأنثروبولوجيا والأخلاق المسيحية؟ كيف نعزو الخطأ إلى فاعلٍ حينما يخضع جسمه، بدون رقابة لخياله وحده؟ إن تأملات مونتين حول قدرات الخيال تكشف عن سمة عميقة في مذهبه الإنساني. وللتعبير عن ذلك بكلمات معدودة نقول: إن الخيال يشكل في آن معا عظمة وبؤس الإنسان. ومن واجبنا أن نفلح في الإفادة منه.
يقال في أغلب الأحيان إن الخيال يلعب دورا إيجابيا في منجز مونتين وحياته الشخصية انطلاقا من اللحظة التي يختار فيها العيش منعزلا، مقيما في برج قصره.
إن مذهب مونتين الإنساني ينبني إذن على مفارقة. الخيال يميز الانسانية بقدرته على فتح آفاق تسمو على التجربة، لكنه يظل أيضا علامة على بقية من حيوانيتها.
إن هذه المَلَكة، بصفتها محركا لانفلاته، كانت تسمح له، شأن أنثروبولوجيي الصالونات، بالنظر إلى ما هو إنساني بكل تنوعه، ورجّ يقينياته الأشد صرامة. من هذه الزاوية، سوف يكون الخيال هو سلاح المشكك بامتياز، سلاح من يفلح في تأجيل حكمه على الحاضر، والذي وهو يرحل عبر الفكر إلى ممكنات متعددة، يدرك أن الكثير من هذه الممكنات قد تتحقق، مادام في وسعنا تخيلها. بتقاسمه تجاربه الفكرية يقصد مؤلف المقالات تحرير القارئ، إذن من حاضر التجربة ومن ثقل العادة. إن عمل الخيال يتيح شكلا من أشكال الصوغ النسبي مقارنة مع طبائع بعيدة عن طبائعنا.
من الثابت أن الأمر يتعلق هنا بعنصر حاسم في منهج مونتين، إلا أننا سنفقد كل العمق الفلسفي لتحليله المنصَبّ على الخيال، إن نسينا الوجه السلبي لهذه الملَكَة: تأثيراته غير القابلة للتحكم. لأن الخيال ليس بتلك الملكة التي تمسك الحقائق المعايشة، من خلال الأعضاء الجسمانية بغية تحويلها وتنفيذها. إنه يسبق الحقيقة أحيانا، يجعلها ظاهرة، مثلما يذكرنا بذلك المثل اللاتيني في الفصل 21: «إن الخيال القوي يولِّد الحدث» casum باللاتينية ـ يجب فهم الطابع الطارئ وغير المتوقع لما يقع. إذ ههنا تكمن حقا المأساة التي يريد مونتين شدَ أنظارنا إليها، إننا نتحكم على نحو سيئ، وأحيانا لا نتحكم تماما، في خيالنا وتأثيراته.
من خلال تفاهة الأمثلة المختارة، يتهكم مونتين من ثنائية النفس والجسم التي تبجلها الأنثروبولوجيا المسيحية كثيرا. بالنسبة إلى أغسطين، النفس تتحكم في الجسم من الخارج، ويكفيها أمر الجسم بالتحرك فيتحرك (ولن يقول ديكارت ما يخالف ذلك في القرن 17) بل إن أغسطين دفع بمثال رجل قادر على «الضراط « متى شاء! وهذا أبعد رجحانا من أي شيء غيره، يجيب مونتين من خلال الإفصاح عن عجزه عن التحكم في مسك ضراطه في مواقف حرجة أحيانا. إنه يرد على أغسطين إذن بمثال آخر، مثال الإنعاظ غير المتحكم فيه.أي مكانة نفسحها لإرادتنا في مثل هذه المواقف؟» ألا تريد في أغلب الأوقات ما نحرّم عليها إرادته؟ ولحسرتنا البيّنة؟ أو لا تستسلم لخلاصات عقلنا؟» إن أعضائنا تتمتع «بِحُريّة يصعب مراسها» إلا أن ذلك لا يعني أنها منفصلة عن النفس، بل على العكس، كل هذا قد يُنسب إلى الالتحام المتين بين الروح والجسد المتواصلة بين بعضها بعضا في ما يكسبانه». والحقيقة أن الخيال يقع بالضبط في هذا الحد غير المرئي حيث يمتزج الجسد والروح يدون تمييز.
إن مذهب مونتين الإنساني ينبني إذن على مفارقة. الخيال يميز الانسانية بقدرته على فتح آفاق تسمو على التجربة، لكنه يظل أيضا علامة على بقية من حيوانيتها. أن يصير الإنسان إنسانا يعني كسب فضاء من الحرية بفضل الخيال وضده، وذلك بتجنب الآليات النفسية الحركية الموصوفة في كتاب المقالات. لا يفصح لنا مونتين عن طريقة القيام بذلك. وبخصوص الخيال، يكتفي بما يلي: «يتمثل فني كله في الإفلات منه وليس في مقاومته». يجب على الأقل إعادة توجيه الخيال نحو وظائفه الأكثر نبلا. لكن ألا تكمن غاية المقالات في أن تتيح لنا، بفضل الخيال، التحرر من كل أصناف العبودية تلك؟
عنوان المقال الأصلي:
Imagination, grandeur et servitude
المصدر:
Le Nouveau magazine littéraire,n°23,novembre 2019.